الاتحاد

دنيا

ليست مجرد مقابر تضم رفات موتى

في الحضارات القديمة، لم تكن المدافن مجرد مقابر تضم رفات الموتى، لكنها كانت فناً خاصاً يحوي خصائص المكان، يحيط بأسرار أهله، يمثل تحدي فهمهم البشري للموت ويظهر إيمانهم العميق بالبعث.
بعد تعاقب العصور واختفاء حضارات وظهور أخرى لم يبق أغنى من المقابر لنعرف أسرار الغابرين الذين مشوا على هذه الأرض وعرفوا تضاريسها وعاشوا فيها منذ ما قبل تدوين التاريخ ومعرفة الكتابة.
تحوي الإمارات العديد من المدافن المختلفة التي تنتمي لعصور متباينة، وحضارات تعكس أن هذه الأرض كانت معطاءة منذ الأزل، ففيها عاشت حضارة خاصة وتعاقبت عليها حضارات مجاورة.
من آثار التاريخ التي عرفت وبرزت قبل عدة سنين (مدافن مليحة) وهي تعود إلى حضارة أم النار التي عاصرت حضارة ماجان ودلمون أشهر حضارات الخليج.
تقع مليحة على بعد حوالي 20 كم جنوب مدينة الذيد، وعلى بعد 50 كم شرق مدينة الشارقة، ولأنها كانت في طريق القوافل العابرة إلى الشمال قادمة من العين، ولأنها ذات تربة زراعية خصبة ومياه عذبة فقد كان من المعقول أن نجد تاريخها يضرب في أطناب القرن الثالث قبل الميلاد، أي في ما يعرف بالعصر الهلنستي.
وفي السبعينات من القرن المنصرم حصلت مليحة علة نصيب جيد من البعثات التنقيبية، التي كشفت عن وجود مدينة متكاملة طمرتها الرمال وعوامل الزمن، تضم أبنية إدارية وحصوناً كبيرة، ومدافن تذكارية وحارات سكنية ومقابر دفنت فيها الجمال والخيول إلى جانب أصحابها.
وبرغم بعدها النسبي عن البحر وجد في مليحة فخاريات وبضائع أخرى من وادي الرافدين وشمال الجزيرة العربية واليمن والجزر الإغريقية، ما يعزز أهميتها في العالم القديم كرابط بين أقطاره.
تتبع مليحة إمارة الشارقة، ووجد فيها مقبرة إسلامية قديمة وآثار إسلامية تعود لفجر الإسلام، وكذلك قبور مستديرة كبيرة تشبه مدافن جبل حفيت في العين، ومؤخرا عثرت فرق لتنقيب عن الآثار على مدفن تذكاري تحت الأرض يعلوه برج جنائزي في قسمة الأعلى ، وقد احتوى الدفن على لقى أثرية عديدة تؤرخ إلى فترة القرون الأخيرة قبل الميلاد.
ومن المعثورات أيضا وحدات تاريخية تشبه البيوت يبدو أن أهل مليحة القدماء سكنوا وعاشوا فيها، وعثر أيضا على بعض المدافن المشيدة تحت الأرض والتي ضمت مواد ولقى أثرية متنوعة ومهمة .
هذه الاكتشافات تعكس وجود نظام متكامل للحياة في الإمارات في فترة ما قبل الميلاد، فقد امتدت مستوطنة مليحة لعدة كيلومترات على سهل الحصباء جنوب الذيد، ومثلت فترة استقرار ونماء تاريخية لأهل المنطقة ساعدهم عليها توفر المياه، وابتكارهم لوسائل ري جيدة، واستعمالهم لخامات بناء تلائم طبيعة المكان.
وفي ذلك العصر تبعت مليحة الاقتصاد الإغريقي لاكتشاف آلة لسك العملة فيها ، وتبين أنها تضرب الدنانير التي تحمل رسما لرأس هرقل، وعثر على عملات تحمل رسما لشخص جالس على كرسي. كما أن بعض النصوص الكتابية التي تركها أهل مليحة كانت بالآرامية أو بلغة جنوب أهل الجزيرة العربية.

اقرأ أيضا