الاتحاد

دنيا

علياء الغفلي تحرس التاريخ بمشاعرها

لأنها نشأت في بيئة محبة وعاشقة لكل ما يتعلق بالماضي، وبالتراث وبقايا آثار من رحلوا، توجهت علياء الغفلي لدراسة التاريخ والآثار، حتى حصلت على البكالوريوس من جامعة الإمارات، ورغم صغر عمرها إلا أنها أصرت على أن تعزز دراستها بالتدريب، فانضمت إلى لجنة التراث غير المادي في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وكانت رئيسة لجنة إمارة أم القيوين، وهي عضو في لجنة جمعية التراث العمراني المختصة بترميم المباني في إمارة دبي، ومن خلالها تعلمت كيفية الترميم منذ عام 2005.

تربت علياء محمد راشد الغفلي في بيئة بدوية، وكانت من أوائل من عملوا في البحث ضمن المناطق التي تحتوي الأحجار والصخور الأصلية التي تبنى بها الدور والحصون والقلاع، وقد كان والدها مرشداً لها خلال علميات البحث.
ورغم عملها الذي يرتبط بأعضاء البعثات الأجنبية وفنيي ومهندسي الترميم، إلا أنها تتحفظ عند مسألة التصوير والظهور في وسائل الإعلام. أكثر ما أثر في علياء هو الترميم الخاطئ الذي كان ينفذ عند بداية الاتحاد، عندما كان البعض يعمد للترميم بالإسمنت، ولذلك كان من الصعوبة بالنسبة للفرق أن تزيل الإسمنت، حيث كانت العمليات تستغرق مدة ستة أشهر، وواكب تلك العلمية البحث والتنقيب في أماكن كانت مأهولة بالسكان القدماء، وكانت تذهب إلى المقالع الأساسية للبحث عن الحجر وفي أوقات أخرى كانت تذهب بمفردها، وقد استعانت بكسارات في إمارة دبي في أحيان أخرى، كما بحثت في المناطق التي توجد بها مادة طينية طبيعية، واستعانت بالطين المحروق من سلطنة عمان، كما تم إحضار حطب «الجندل» وهو نوع من جذوع الأشجار من زنجبار.
التعريف بالتراث
حرصت علياء على وضع برامج للتعريف بأهمية الآثار والحفاظ عليها، وتكمل علياء الغفلي أنه من ضمن ما قامت به هو الاتصال بجميع المدارس سواء في الإمارة أو خارجها، ودعوة طلاب وطالبات المدارس لزيارة المتحف، ولأنها تعلم أن الطلاب والطالبات ربما لا يرغبون في سماع المزيد من الدروس، خاصة الأطفال في الروضة، فقد عمدت إلى إجراء مسابقات تتعلق بالآثار والمتحف والمقتنيات التي توجد بها، وكانت تلك فرصة لجعل المعلومة تعلق في أذهانهم كي لا تنسى.
البدايات
بدأت علياء عملها كمتخصصة في الآثار بترميم الأبراج، واستغرق العمل في بعضها مدة ستة أشهر بالنسبة لتلك التي انهدمت ولم يبق إلا الأساس، وفي عام 2009 بدأت العمل مع الفرق المختصة في عملية ترميم حصن فلج المعلا الذي يعود عمره إلى ما قبل 1800 سنة، وكان يستخدم كمركز للشرطة في الخمسينات، وقد تم تخصيص ميزانية خاصة للحصن.
تسجيل في اليونيسكو
اليوم تعمل الغفلي على تسجيل المواقع في اليونسكو، وقد تم ترشيحها للجنة تحديد قوائم للمواقع المرشحة، وتم وضع خطة لترميم البيوت القديمة لاستثمارها سياحياً، كما تم وضع أجندة للعمل على مسح كل المواقع الأثرية لتحديد خريطة كاملة للعمل مستقبلاً، ومن أهم المواقع التي تفخر بها علياء موقع الدور ويقع في إمارة أم القيوين ويعود تاريخه إلى القرن الأول والثاني قبل الميلاد، وقد اكتشف عام 1973م من قبل البعثة العراقية، وعملت فيه بعثات آثار فرنسية وإنجليزية ودانماركية وبلجيكية، حيث كشفت التنقيبات عن وجود كمية من الخرز وعملات أجنبية وفخار مزجج، وكذلك مجموعة من الحلي والبرونز، ولعب الموقع دوراً في التجارة الدولية بين بلاد ما بين النهرين والهند، وهو موقع «عمانة» الشهير الذي ذكره المؤرخ الروماني بلايني، حيث شكل أحد موانئ الخليج العربي.
أما أحد أهم المواقع أيضاً في الإمارة فهو تل الأبرق الذي ما بين إمارة الشارقة وإمارة أم القيوين، ويعتبر من أقدم المواقع الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد عاصر حضارة أم النار، ويرتفع عشرين متراً فوق سطح الأرض الحالي، اكتشف الموقع من قبل البعثة العراقية في عام 1973م، حيث تمكنت من تحديد منبسط طيني على قمة التل، وبعد ذلك عادت التنقيبات فيه بشكل أوسع من قبل البعثة الأسترالية برئاسة الدكتور دان بوتس وقد استمرت التنقيبات فيه لمدة ثلاث مواسم.
اكتشافات أثرية
كشفت أولى التنقيبات عن مبنى دائري ضخم لقلعة كبيرة على شكل مدرجات مبنية من الأحجار البحرية، بالإضافة إلى مجموعة من البرونزيات والفخاريات واللقى الأثرية المهمة، أما اكتشاف القلعة فهو دليل على التطور في العمارة، وعن أول اكتشاف لموقع أثري لسكان السواحل ألا وهو بيوت الصيادين.
عثر علماء الآثار الأستراليون على قبر ضخم ينتمي إلى حقبة أم النار، بالإضافة إلى عدد من المدافن وجد في إحداها هيكل عظمي كامل لفتاة تبلغ من العمر 18 عاماً، حيث أظهرت التحاليل أنها كانت تعاني مرض شلل الأطفال، الذي اعتبر في ذلك الوقت اكتشافاً أثرياً وطبياً في غاية الأهمية، ومما سبق ذكره يتضح لنا أنه كانت هناك علاقات تجارية بين سكان منطقة تل الأبرق ووسط آسيا، وبين بلاد الرافدين وشمال الخليج العربي.
رغم ما برز من خلال هذا الموقع من معلومات عن تطور التجارة والأعمال الفخارية، إلا أنه لم توجد معلومات عن تطور عمارة القبور، حيث لم يعثر إلا على قبور فردية دائرية الشكل، وقد كشف هذا الموقع عن بقايا بيوت الصيادين، والتي كان يستخدمها الصيادون في مواسم الصيد.
المواقع المرشحة
من أهم المواقع التي سوف ترشح للتسجيل في اليونسيكو موقع الأكعاب الأثري في جزيرة الأكعاب الواقعة في إمارة أم القيوين، ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث 5000 سنة قبل الميلاد، وقد بدأت التنقيبات فيها عام 89 إلى 1991 تحت إشراف بعثة تنقيب فرنسية برئاسة الدكتور أوليفيه لوكونتز، حيث أعطى الموقع معلومات عن الإنسان الذي عاش في هذه الأرض قبل 5000 سنة، واستمر موسم التنقيب لمدة ثلاث سنوات أسفرت عن وجود رقعة من الأرض اتضح أنها استخدمت لذبح حيوان بقر البحر الأطوم، وهي من الحيوانات البحرية الثديية التي ما زالت تعيش في الخليج العربي حتى اليوم.
معثورات ولقى
قامت دائرة الآثار والتراث باستقدام بعثة تنقيب فرنسية في يناير 2002م، حيث بدأت الحفريات على مساحة تقدر بـأربعمائة متر مربع، وقد تبين من الحفريات التي قام بها الفريق، أن الموقع يحتوي على بقايا عظام بقر البحر، بالإضافة إلى قواقع وأصداف مختلفة الأنواع والأحجار، إلى جانب مجموعة كبيرة من عظام الأسماك مختلفة الأنواع، كما دلت الحفريات الأولية للبعثة على وجود آثار حرق على الأرض، وهذا يدل على عمليات الشواء التي كانت تقوم في الموقع.
تكمل علياء أن البعثة عثرت على عدد من اللقى الأثرية ممثلة بصنارة كبيرة لصيد السمك منحوتة من حجر الصوان، وأيضاً مجموعة من ثقالات الصيد بالشباك وسكاكين حجرية، وأيضاً مجموعة من الخرز مصنوعة من المحار، وبعضها مثقوب والبعض الآخر غير مثقوب، وأهم ما يميز عملية اكتشاف اللقى الأثرية هو الحصول على مجموعة من فخار العبيد وفخار جمدت نصر، وهذا يدل على وجود علاقات تجارية قائمة في تلك الفترة بالنسبة للمستوطنات المؤقتة وغير الدائمة، وأيضاً ليس من الضروري أن تكون العلاقات مباشرة، بل ربما تكون علاقة غير مباشرة، عن طريق مواقع استيطانية أخرى على الساحل تعود للفترة نفسها، ومن خلال تحليل العظام والأصداف بمادة كربون أربعة عشر، تم تاريخ الموقع من الفترة 4769 إلى 4373 أي ما بين الألف الخامس والرابع قبل الميلاد.

اقرأ أيضا