الاتحاد

دنيا

صناعة الأثاث الخيزراني تستقرئ محطات التاريخ الفلسطيني

عرفت فلسطين صناعة الخيزران من داخل فصول دار الأيتام. حيث كانت خطة تعليم أبناء دار الأيتام في مدينة القدس جيدة رغم الظروف الصعبة التي كانت تعيشها فلسطين في ذلك الوقت؛ لذا بدأ المعهد بتعليم أبنائه الصناعات والحرف المتنوعة كحياكة سجاد والبسط العربية والأحذية والنجارة العربية والإفرنجية وتجليد الكتب وصناعة الخيزران.
وفي عام 1927 ضرب الأراضي الفلسطينية زلزال شديد تضررت منه مدن فلسطينية كثيرة على رأسها الرملة واللد ونابلس؛ ونظراً للأضرار الكبيرة التي لحقت بكافة سكان تلك المدن فقد ارتأى القائمون على معهد الأيتام، وكنوع من الأنشطة الاجتماعية، افتتاح معرض لجمع تبرعات للمنكوبين من آثار الزلازل، وقد خلق هذا المعرض فكرة التميز في صناعة جديدة لم تكن متواجدة في فلسطين وهي صناعة الخيزران.
وأراد القائمون على المعرض حينها التميز في تلك الصناعة وتعلمها من دولة متقنة لها وكانت تلك الدولة هي مصر، وبالفعل سارع المعهد لاختيار ما يقارب 15 شخصاً ليتعلموا هذه الصنعة على يد حرفيي الخيزران المستقطبين من مصر حيث ربطتها علاقات صناعية وتجارية قوية مع فلسطين بحكم الجوار، ومن هنا بدأت الحرفة مع وفود عدد من الطلبة لمصر في بعثة دراسية استمرت ثلاث سنوات لتعلم مهنة صناعة الخيزران.
في العام 1930 افتتح أول مصنع لانتاج الأثاث الخيزراني في فلسطين وكان ينتج العكاكيز والموائد والكراسي تلاه مصنع آخر في مدينة يافا.
واستمرت مسيرة النجاح والتوسع في صناعة وجدها الفلسطينيون مقبولة لديهم واعتمدوا عليها في الأثاث المنزلي خاصة الطبقات الغنية والمتوسطة منه، ولم تكن تخلو بيوت الفقراء من منتجات خيزرانية بسيطة، إلى أن حدث ما غيّر كل شيء في فلسطين وهي النكبة التي غيرت خارطة العالم. وفي 1948 طرد أهالي القدس ويافا من أرضهم، واستطاع من نجا من قذائف ورصاص اليهود الهجرة إلى البلاد العربية أو غزة حيث انتشرت إشاعة قبل النكبة بأيام تفيد أنه سيتم في البلاد تغير العملة السائدة، وهذا ما دفع أصحاب المحال إلى شراء مواد خام لصناعة الخيزران برأس مالهم خوفاً من تغيير العملة. وتقبل أهالي غزة الأدوات الخيزرانية، واستمرت الصناعة تتطور شيئاً فشيئاً حيث لم تقتصر الصنعة على الأغراض الأساسية بل أصبحت تستخدم في الأطقم والخزانات والدواليب والنجف والكثير من الإكسسوارات المستخدمة في المنازل، بالإضافة إلى تنوع الموديلات وتشكيلها على أكثر من شكل حسب اختلاف الأزمنة والعصور.
وقبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 كانت مصانع الخيزران في غزة تتجاوز 60 مصنعاً، لكن الظروف الاحتلالية قلصت هذا العدد ليصل مع بدء الانتفاضة الثانية إلى 10، تعتمد الصنع الشخصي لصاحب المحل. أما عن تصدير تلك المنتجات قبل الانتفاضة الثانية فيقول أحد أصحاب المصانع : «كنا نصدر إلى الأراضي المحتلة عام 48، وكان الطلب عليها كثيراً بشكل غير طبيعي، كما كنا نورد إلى أميركا إلا أن القيود التي وضعتها قوات الاحتلال من إغلاق وحصار منعت التصدير، والآن نقتصر على البيع في غزة ومحافظاتها فقط».
استمرت مسيرة التطور بإصرار الحاج أبو هشام الذي اعتمد على أبنائه وأبناء أخيه في تطوير المهنة فحدثت نقلة نوعية في صناعة الخيزران في فلسطين؛ حيث استخدم الخيزران في صناعة الأثاث المنزلي على أحدث طراز.
بعد النكبة تطورت صناعة الخيزران وتقبل أهل غزة الأثاث الخيزراني الوافد الجديد إلى بيوتهم وأصبح الصناع يعتمدون أحدث الطرق في صناعة المنتجات الخيزرانية. يقول أبو هشام: «بعد أن كان الصناع يستخدمون في صناعته الأساسية الأدوات البسيطة كالشاكوش والكماشة أصبحت الأداة الأساسية لهذه الصنعة الآن هي البخار؛ فمن المعروف أن الخيزران يحتوي على الألياف وهي تحتاج إلى ليونة فيتم استخدام البخار لنستطيع تشكيل عيدان الخيزران حسب الأشكال التي يريدها الصناع المهرة»، وتستورد فلسطين أفضل أنواع الخيزران العريض والرفيع وغيرها من دولتي ماليزيا وإندونيسيا حيث تشتهران بزراعة الخيزران منذ القدم، وميناء التصدير لهذه الحرفة هو سنغافورة».

اقرأ أيضا