صحيفة الاتحاد

تقارير

بين القوة المرنة والقوة الخشنة

لقد التمس الجنرال «جيم ماتيس»، قبل أن يصبح وزيراً للدفاع، من الكونجرس زيادة الاستثمار في دبلوماسية وزارة الخارجية. وقال: «إذا لم يتم تمويل وزارة الخارجية بشكل كامل، إذن فإنني بحاجة لشراء مزيد من الذخيرة». وللأسف، فإن الرئيس دونالد ترامب أخذ كلامه حرفياً، ولكن ليس على محمل الجد. وتخطط الإدارة الأميركية الجديدة لزيادة الإنفاق العسكري بقيمة 54 مليار دولار، على أن يتم تمويل ذلك جزئياً من خلال خفض بنسبة 37% في موازنات وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
وهذا يعكس سوء فهم لحال العالم، ولأهمية القوة المرنة فيه. صحيح أن القوة السياسية أحياناً تنبع من فوهة البندقية، كما قال قائد الصين الأكبر «ماو»، إلا أنها تنبع أيضاً من الدبلوماسية والمساعدات الخارجية والنوايا الحسنة والقوة المرنة.
وتكون القوة العسكرية محدودة بشكل خاص عندما تأتي التهديدات من اتجاهات جديدة. وعدد الأميركيين الذين قتلوا في حروب العراق وأفغانستان يزيد بأكثر من أربعة أضعاف عن الأميركيين الذين يموتون كل عام من المواد الأفيونية، بيد أن السفن الحربية لا يمكنها هزيمة تجار المخدرات. ولهزيمة هؤلاء، نحن بحاجة إلى الدبلوماسية والنوايا الحسنة لدى دول أخرى قريبة أو بعيدة.
وبالتأكيد لا يمكننا القضاء على وباء الإيبولا أو التغير المناخي. وحتى قبل انتخاب ترامب، كنا نعاني نقصاً في تمويل المساعدات والدبلوماسية. والجيش من أقوى المدافعين عن الاستثمارات غير العسكرية، لأن الجنرالات يعرفون أنهم بحاجة إلى الدبلوماسية والمساعدات لدعم قوتهم الخشنة.لقد كان وزير الدفاع السابق «روبرت جيتس» يأسف لأن الجيش فيه عدد من الموسيقيين، في فرقه الموسيقية، أكثر من عدد الدبلوماسيين في وزارة الخارجية. ولم يعد هذا التصريح دقيقاً الآن، ولكنه يعكس واقع حقيقة أن الكونجرس يغذي البنتاجون، في حين أن وزارة الخارجية تتضور جوعاً.
ومعلوم أن وباء الإيبولا اعتبر واحداً من التهديدات الأمنية الكبيرة التي واجهها العالم في السنوات الأخيرة، وربما يكون الوباء القادم أسوأ، وكانت الاستجابة الوحيدة الفعالة هي العمل مع الدول الأخرى لمعالجة المشاكل بصفة جماعية.
وهذا أيضاً ينطبق على الإرهاب. وقد كشفت مؤسسة «راند» كيف انتهت 648 جماعة إرهابية بين 1968 و2006. وقد تم استيعاب معظمها من خلال عمليات سياسية، أو هزيمتها من خلال العمل الشرطي، بينما تم سحق 7% منها فقط من خلال القوة العسكرية.
ولا يسع المرء سوى أن يتساءل: لو كانت برامج المساعدات الأميركية قد تم استثمارها في التعليم في اليمن، ألم يكن بوسعنا الحد من الإرهاب والعنف الذي نشهده الآن؟ لقد خلصت دراسة إلى أن مضاعفة معدل الالتحاق بالمدارس في دولة فقيرة يخفض بنحو النصف مخاطر نشوب الحرب الأهلية. والتعليم ليس طبعاً هو الدواء لكل داء، ولكنه مقايضة: فبتكلفة نشر جندي واحد في الخارج لمدة عام، يمكننا إنشاء نحو 40 مدرسة.
إن وضعنا الأمني يتحسن ليس فقط بأن نكون مخيفين، بل أيضاً من خلال اكتساب الأصدقاء. وسيواجه ترامب أزمات جديدة، ربما مع كوريا الشمالية، وربما مع الصين، وربما مع وباء جديد، ولن يكون بحاجة إلى مجرد جيش قوي، بل سيحتاج أيضاً إلى التعاون مع الدول الصديقة. ولن تفيدنا الدبابات طبعاً عندما يعادي الرئيس المكسيك، أو يغلق الهاتف أثناء مكالمته مع رئيس الوزراء الأسترالي.

* كاتب أميركي حاصل على جائزة بوليتزر مرتين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»