الاتحاد

دنيا

تجليات أزمة الصحافة المكتوبة··بين المصداقية ومنافسة المرئية

د·نصر الدين لعياضي:
كانت أكبر صحيفة أميركية: يو اس أي توداي تحتفي بقصصه الشيقة، وكان القراء يتلهفون لقراءة ما يكتبه· إنه الصحافي 'جاك كيلي' الذي جاب الأقطار والأمصار في العالم، وتحول إلى نجم عالمي· لقد أجرى 36 مقابلة صحفية مع رؤساء الدول، وغطى العديد من الحروب وبؤر التوتر في العالم· لقد قدم طيلة مشواره المهني، الذي يغطي عشرية بأكملها، العديد من القصص الإخبارية التي أوقدت غيرة زملائه في الصحيفة· إنه يوجد في الوقت المناسب في المكان المناسب ليروي الكثير من القصص الاخبارية التي تتميز بتفردها وأصالتها· لقد كان في كوبا يلاحق أخبار احدى الفتيات الكوبيات التي غامرت بحياتها وامتطت ما يشبه الزورق المطاطي صوب الولايات المتحدة، فماتت غرقا في مضيق فلوريدا· وكان في القدس ليسرد تفاصيل غريبة عن الانفجار الارهابي الذي استهدف مطعما في القدس· لقد روى كيف تدحرجت أمامه رؤوس ثلاثة أشخاص كانوا بجانبه في المطعم ذاته! بالطبع، إن الرؤوس كانت منفصلة عن الأجساد·
لقد ذهل القراء، ولم يصدقوا ما سمعوه عندما فُصل هذا الصحافي عن عمله، لقد انخدعوا فيه لأنه كان يختلق الحكايات والقصص الغريبة،وان الكثير مما ذكره لا أساس له من الصحة·
لم تكتف الصحيفة المذكورة بالاعتذار لقرائها،بل اتخذت إجراءات تأديبية ضد هذا الصحافي تساوي حجم ما اقترف· وهكذا سقط هذا الصحافي المشهور، وأسقط معه أسماء كبرى في الصحيفة: مدير التحرير ونائبه، ومسؤول الأخبار بالصحيفة·
لقد تألم البعض لهذه الفضيحة التي طالت الصحافة الاميركية، وظنوا ان هذه الأخيرة تعيش أزمةأخلاقية غير مسبوقة، خاصة وأن صحافيا أميركيا آخر، وهو جينسون بلير الذي يشتغل بصحيفة نيويورك تايمز لقي هو الآخر، المصير ذاته قبل أشهر،لأنه كان يروج الأكاذيب، ويختلق القصص الغريبة·
ولم يصدق البعض الآخر بأن يكون هذا الحدث مجرد كبوة أخلاقية في بلاط صاحبة الجلالة، إذ رأى فيه الجزء البارز من جبل الجليد· وهذا الجبل يسمى أزمة الصحافة ككل، وليست الاميركية فقط· أزمة؟ من قال أزمة؟ ان الحديث عن هذه الأزمة لم يكف منذ دخول التليفزيون بيوت المشاهدين قبل أكثر من أربعة عقود من الزمن·واستمر بعد اتساع الاستخدام الاجتماعي للإنترنت، ولن يتوقف أبدا·
نعم ان الحديث عن أزمة الصحافة قد شاخ الى درجة أن لا أحد أصبح يصدقه، خاصة من يشاهد الناس متأبطين صحفهم أو يقرؤونها في الحدائق العامة، ومترو الأنفاق، والنوادي والمقاهي، وحتى أمام شاشات التليفزيون!
ان تفاقم أزمة الصحافة في العالم ليس مجرد رأي، انه معاينة قامت بها الجمعية العالمية للصحافة سنة2001 وأكدت فيها بأن هذه الأزمة تعمقت رغم المعالجات الاقتصادية المختلفة·
مظاهر الأزمة
يؤكد أنجنيو روموني الأستاذ الجامعي، ورئيس تحرير صحيفة 'لوموند دبلوماتيك' في عددها الصادر في يناير ،2005 هذه الأزمة ويرى تمظهراتها في التراجع الكبير لمبيعات الصحافة اليومية في كل دول العالم تقريبا· ففي الولايات المتحدة الاميركية، على سبيل المثال، انخفضت مبيعات الصحيفة انترناشيونال هيرالد تربيون بنسبة 4,16% سنة ،2003 وفي بريطانيا تراجعت مبيعات الصحيفة 'فاينانشيال تايمز' بنسبة 6,6%· أما في ألمانيا فقد انخفضت مبيعات الصحف بنسبة 7,7% طيلة الخمس سنوات الاخيرة· وفي النمسا نزل عدد مبيعات الصحف بنسبة 9,9%، وحتى في اليابان التي يتميز شعبها بشراهة نهمه للصحافة، تراجعت مبيعات صحفه بنسبة 2,2%·
ربما لا تعني هذه النسب شيئاً كثيراً لدى الذين لا يملكون خلفية في علم الاحصاء· لكن تراكم هذه النسب عبر السنوات يكشف عن حقيقة مقلقة ومخيفة· ففي فرنسا مثلا، التي تملك تقاليد عريقة في صناعة الصحافة تناقصت عدد عناوين صحفها عما كانت عليه في نهاية الحرب الباردة· فعدد العناوين التي تصدرها فرنسا اليوم لا تزيد عن 90 عنوانا بعد أن بلغت 179 عنوانا في 1945! أما عدد مبيعات الصحف الفرنسية فإنها تكشف عن واقع أخطر· ففي السنة 1916 كانت صحيفة'لو بوتي بريزيا' تبيع ثلاثة ملايين نسخة· أما حاليا فإن مبيعات أكبر صحيفتين يوميتين فرنسيتين، وهما: لوموند، ولوفيغارو تقبل بـ304 مرات عن الرقم المذكور!
لقد ترتب على تراجع توزيع الصحافة جملة من التغيرات البنيوية داخل الصحف ترجمت عمليا بالاستغناء عن جزء من اليد العاملة· ففي الولايات المتحدة الاميركية استغنت الصحافة عن ألفي عامل خلال الأربع سنوات الماضية، أي ما يعادل 4% من مجمل عمال قطاع الصحافة المكتوبة· وفي فرنسا، اضطرت جريدة 'لوموند' الى تسريح حوالى مائة من العاملين بينهم35 صحافيا، بعد أن تزايدت خسائره المالية، حيث بلغت 19 مليون يورو سنة2002 و25 مليون سنة·2003 الأمر لا يقتصر على المطبوعات فقط· فحتى وكالات الأنباء تأثرت بأجواء هذه الأزمة العامة· فوكالة الأنباء البريطانية 'رويترز' تنوي الاستغناء عن خدمات 4500 عامل·
الأسباب:
لكن لماذا كل هذا التراجع في عدد العناوين ومبيعات الصحف في معظم دول العالم الى درجة أن البعض بات يخشى أن تدرج الصحافة في قائمة مخلفات الثورة الصناعية وضمن المهن السائرة نحو الاندثار؟
تختلف الاجتهادات في الاجابة على هذا السؤال، فبالنسبة للصحافيين والمثقفين الفرنسيين ان السبب الأساسي يكمن في التقدم الكاسح للصحافة المجانية التي استطاعت أن توزع أكثر من مليون نسخة في اليوم، وأن تستقطب قراء الصحف غير المجانية! ويراه البعض الآخر في تناقض عائدات الإعلان الموجهة للصحافة المكتوبة، خاصة بعد تزايد البث عبر الأقمار الاصطناعية· لقد أصبح المعلنون يفضلون الشاشة الصغيرة لتمرير إعلاناتهم التي تصل الى ملايين المشاهدين في قارات العالم· وقد جاءت الانترنت لتقتات من نصيب الصحافة المكتوبة في الاعلانات·
لكن السبب الجاهز والذي يتردد كثيراً على ألسنة القراء والصحافيين والباحثين لتفسير هذا التراجع هو شبكة الانترنت· بالفعل، ان تاريخ أزمة الصحافة المكتوبة يسبق ظهور الانترنت، كما ذكرنا آنفا، لكن البعض يرى أن الانترنت تشكل العامل المعجل في تفاقم هذه الأزمة· فالقراء يستسهلون استخدام الانترنت نظرا لوجودها في أكثر من مكان وفي أي وقت، ويمكن استخدامها بعيدا عن عائق الزمن· ان الفترة الزمنية التي يقضيها الناس أمام شاشة الكمبيوتر ليست السبب في عزوف القراء على قراءات الصحف، وذلك لأنه بإمكان مستخدام الانترنت ان يطلع على طبعاتها الالكترونية على شاشة الكمبيوتر· ان السبب يكمن في تزايد عدد المواقع الاخبارية والبوابات الالكترونية التي تقدم خدمات متنوعة في شبكة الانترنت، خاصة أن الاخبار الآنية لا تنشر مباشرة في الصحافة المكتوبة الا بعد 12 ساعة على الأقل· هذا اضافة الى ميل الكثير من مستخدمي الانترنت الى تفضيل المدونات الشخصية عن الجرائد· فمدير جريدة 'لوموند دبلوماتيك' يرى ان مستخدمي الانترنت يحبذون هذه المدونات لأنها أكثر صفاء ونزاهة من الصحف المكتوبة لكونها تمزج بين الآراء والحقائق وبين الذاتي والموضوعي خلافا لرياء بعض عناوين الصحف المكتوبة التي تتلون حسب أهواء ملاكها ورياح مصالحهم·
المصداقية المتضررة
لا شك بأن القراء ينصرفون عن قراءة الصحف كلما فقدت مصداقيتها· وضعف مصداقية الصحف ليس وليد ظروف سياسية فقط، بل انه نتيجة منطقية لمعادلة اقتصادية أيضا· كيف؟
أصبحت الصحف مطالبة بالتصدي لتراجع مبيعاتها، ونقص عائداتها من الاعلانات، واستثمار المزيد من الأموال لعصرنتها حتى تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة وتقف شامخة في وجه رياح المنافسة العاتية· فالعديد من الصحف، التي لم تستطع ان تحقق توازنها المالي، اضطرت الى الاعلان عن إفلاسها وانسحابها من السوق أو التنازل عن جزء من رأسمالها أو كله لصالح أرباب المال· وهكذا نلاحظ بأن العديد من الصحف تداول عليها ملاك جدد· فالصحيفة الفرنسية 'ليبراسيون' (التي كانت تتميز في السابق بنزعتها الماوية - نسبة الى ماوتسي تونج)، اضطرت الى التنازل عن أكثر من ثلث رأسمالها الى المصرفي المشهور ادوارد دو روتشيلد ·كما قام صانع الأسلحة'سارج داسو بشراء مؤسسة سوك برس التي تمتلك أهم عناوين الصحافة الفرنسية·
ان تغيير المالك يؤدي في كثير من الاحيان الى إعادة النظر في استراتيجيات التحرير، لأن القرار لم يعد ملك الصحافيين ورجال المهنة بل أصبح في يد رجال المال والمقاولين الذين لا يفتقدون، في الغالب، خلفية عن العمل الصحفي·
الاستراتيجيات
بعد استعراض بعض مظاهر هذه الأزمة وأبرز مسبباتها يتساءل البعض: أين الحل؟
ربما لا يوجد حل سحري يخرج الصحافة من الوضع الذي آلت اليه، لكن هناك رؤى وتصورات قد تسمح بانتعاش الصحافة· ان الرؤى جسدتها بعض الصحف، والتصورات تبنتها بعض الدول·
فعلى صعيد الصحف يمكن الالتفات الى التجربة التي أشار اليها مدير صحيفة لوموند دبلوماتيك في تركيا، وإسبانيا، واليونان· حيث يذكر ان بعض الصحف في هذه الدول بادرت بإلحاق موسوعات رقمية، أو شريط )DVD( أو شريط مرسوم أو كتاب أولعبة شطرنج، وغيرها من الهدايا، للجريدة لتبيعها بسعر أغلى قليلا عن سعرها المعهود·
أما على صعيد الدول فيمكن الاشارة الى تجربة الدول الفرنسية التي أدركت أن مستقبل الصحافة اليومية مرهون بمتانة علاقتها بالشباب ففكرت في أفضل السبل لتوصيل الجريدة الى الشباب أو تقريب هؤلاء منها· ولهذا الغرض قدمت جملة الاقتراحات، نذكر منها: قيام الصحف اليومية بمنح اشتراك مجاني لمدة شهرين للشباب على أن تتكفل الدولة بتمويل توزيع الاشتراك، وخصم نسبة 60% من مستحقات هذه الصحف من الرسوم والضرائب· والسعي مع وزارة التربية لتوزع الجرائد مجانا على المدارس ليدرجوها ضمن النشاطات التربروية، وكمادة علمية· والسماح للمدارس بالاستعانة بأرشيف الصحف المتوفرة في شبكة الانترنت مجانا لأغراض التعليم· وكلفت الدولة قنوات التليفزيون العمومي ومحطات الاذاعة بإعداد معرض للصحافة موجه الشباب·
ان انصراف الشباب عن قراءة الصحف أصبح هاجسا يقلق راحة السلطات الفرنسية، لأنها تعتقد أن الصحافة تظل حاضنة للآراء ومجالا للنقاش الفكري· فكيف يكون مصير الديمقراطية إذا غاب هذه النقاش بغياب الصحف أو إذا جهل الشباب مبادئ الحوار والنقاش الجدي أو لم يطلعوا على الأهم الأفكار المتداولة·

اقرأ أيضا