الاتحاد

تقارير

عُمدٌ في روسيا يتأهلون بالخيار الأخضر

أصوات الناخبين الروس تتجه نحو  الخضرة

أصوات الناخبين الروس تتجه نحو الخضرة

خلال ما يقارب الشهرين، ظل ديمتري بلانوفيتش يصحو مبكراً قبل بزوغ الفجر ويقود سيارته لمدة ساعتين يومياً من موسكو إلى بلدة موزايسك الريفية الصغيرة الواقعة غربي العاصمة موسكو· وهناك يواصل هذا المفتش البيئي الشاب، حملته الرامية لإقناع الناخبين بالتصويت لصالحه كي يتولى منصب عمدة البلدة· ورغم كثافة الجليد والبرد القارس، تراه لا يكف عن الحديث إلى الجميع، في زوايا الشوارع وأمام المتاجر والمحال، وتجده يخاطب السكان الذين يأتون إلى المحال لشراء احتياجاتهم اليومية الصغيرة، محاولا إقناعهم بانتخابه للمنصب· ويتعين عليه أن يعود يومياً إلى موسكو حيث يقيم، لأن النزل الصغيرة في البلدة سدت أبوابها في وجهه· توضيحاً منه لهذه المعضلة التي يواجهها قال: ''إنني أواجه ضغوطاً إدارية معينة، والسبب أن المسؤولين هددوا كل من يسمح بإقامتي أو إيوائي في البلدة بالعقاب''· لكن فيما لو ''رتبت الأمور'' بالفعل، كما قال، ضد حملته المناهضة لـ''حزب روسيا المتحدة'' الحاكم، بزعامة رئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين، فإن ذلك لا يمنع حقيقة نجاح ''بلانوفيتش'' في تأسيس حملته الانتخابية على قضية حيوية تهم الناخبين وتلامس حياتهم مباشرة: حماية البيئة· وما أن أجريت الانتخابات على منصب العمدة وأحصيت الأصوات، حتى حقق ''بلانوفيتش'' فوزاً ساحقاً علــى منافسيــه في شهـــر مـــارس المنصرم·
ويشير هذا الفوز المفاجئ الذي انتزعه المرشح المعارض، إلى أنه رغم مضي عقد كامل من التضييق السياسي على الخصوم من قبل الكرملين، لا تزال هناك إمكانية لمنافسة حزب بوتين الحاكم والفوز عليه في الانتخابات المحلية· كما يمثل ذلك الفوز انتصاراً نسبياً مقدراً للحركة البيئية الروسية التي طالما عانت من المضايقات التي مارستها عليها إدارة بوتين منذ توليه للمنصب الرئاسي في نهاية عقد التسعينيات، ثم تقلده لمنصب رئيس الوزراء لاحقاً· وإلى جانب ''بلانوفيتش''، حقق مرشحون آخرون أداروا حملاتهم الانتخابية على أساس القضايا البيئية، فوزاً مقدراً بعدد من مقاعد المجالس التشريعية المحلية في شتى أنحاء روسيا· غير أن بلانوفيتش كان أول الفائزين بمنصب العمدة على حد قول مؤيديه· وخلال الأسابيع القليلة الماضية، خسر مرشحو ''حزب روسيا المتحدة'' السباق الانتخابي لمنصب العمدة في كل من مدينتي مورمانسك وسمولنسك، بينما يحتدم السباق الانتخابي على منصب عمدة ''سوشي'' التي من المقرر لها أن تستضيف الأولمبياد الشتوية العالمية لعام ·2014 ويشارك في هذا السباق الانتخابي ''بوريس نيمتسوف'' نائب رئيس الوزراء السابق، وألكساندر لبيديف، الملياردير المثير للجدل والخلاف·
وربما يبدو هذا الحماس التنافسي على مناصب عمد المدن والبلديات الصغيرة في غير محله، بالنظر إلى محدودية السلطات التي يتمتع بها معظم العمد الروس· غير أن هذه المناصب تعد من الفرص الضئيلة المتاحة في روسيا أمـــام التنافس الانتخابي الحر، على حد قول ''فلاديمير ميلوف'' وهو أحد حلفاء المرشح ''بوريس نيمتسوف'' من ''حزب التضامن'' الديمقراطي المعارض· ومضى ''ميلوف'' إلى وصف بلاده بأنها تختنق بسبب ضعف الممارسة السياسية المفتوحة· بيد أن انتخابات العمد لا تزال تتيح للمواطنين التعبير عن استيائهم وشعورهم بالإحباط إزاء الكرملين· كما تتيح هذه الانتخابـــات المحليــــة فرصـــة للساسـة المعارضين للتصدي لقضايـــا بعينها تهم المواطنين، وتمنحهم مجالا لإثبات قدراتهم وكفاءتهم في التأثير على صناع القرار وتعريضهم لمساءلات الجمهور المتشكــك أصـــلا·
يذكر أن بوتين ألغى انتخــاب حكام المحافظـــات سابقـــاً، بينمـــا عملت إدارته دائماً على إغلاق باب التنافس الانتخابي الفيدرالي في وجه الأحزاب السياسية المعارضة لحزبها الحاكم· غير أن سلطة الكرملين تظل محدودة وأدنى من أن تطال الانتخابات المحلية في بلدات صغيرة مثل ''موزايسك''، بسبب قدرة المواطنين على تجاوز التأثير الإعلامي للكرملين في تلك البلدات· وقال ''بلانوفيتش'' البالغ من العمر 34 عاماً، إن حملته الانتخابية التي فاز فيها بمنصب عمدة هذه البلدة الصغيـــرة التي يبلـــغ تعــــــداد سكانهـــا حوالـــي 70 ألفاً، لم تحــظ بأي تغطية إعلامية، سواء من قبل قنوات التلفزيون أم عبر الصحـــف الرئيسيــــة في البـــلاد· لكنـــــه ومن خلال المخاطبة المباشرة للمواطنين وتوزيع المنشورات الانتخابية لهم، تمكن من حصد نسبة 45 في المئة من أصوات الناخبين، مقابل 27 في المئة فقط حققها حزب ''روسيا المتحدة'' الحاكم·
وعزا ''بلانوفيتش'' الفوز الذي حققه، إلى وعده للناخبين بحماية البيئة المحيطة بهم في بلدتهم الريفية هذه، والتي تمثل رئة تتنفس بها العاصمة موسكو، على حد قوله· ومضى موضحاً أن نصف مساحة البلدة مغطاة بالغابات الطبيعيـــة· وتعهـــد المرشح لناخبيه بمنع أعمـــال البنــــاء والتشييد في شواطئ الأنهـــار وغيرها من المستودعات المائية الرئيسية، كما تعهـــد بإزالة مزرعة خنازير ملوثة للبيئة المائية، فضلا عن الترويج للزراعة والسياحة في البلدة، بدلا من الصناعـــة·
وقال ''بلانوفيتش'' معلقاً على فوزه: إنه يظهر مدى اهتمام المواطنين بالقضايا البيئية، ويؤكد أن مواطني بلدة موزايسك ليسوا غير مبالين بهذه القضايا· فهم لا شك يدركون أن نظافة البيئة تعني بالنسبة لهم مجتمعاً صحياً معافى·

فيليب بي· بان - روسيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا