الاتحاد

تقارير

القضاء على «داعش».. المهمة العسيرة

بعد تفجيرات بروكسل، يبدو أن استراتيجية أوباما التي تهدف إلى التفكيك التدريجي لتنظيم «داعش» تنطوي على المخاطرة الكبيرة وتتميز بالبطء الشديد.
وصحيح أن التنظيم خسر نحو 40 في المئة من الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، ومعظمها انتهت إلى سيطرة القوات الكردية بدعم جوي أميركي، إلا أنه لا يزال يسيطر على مدن ذات أهمية استراتيجية مثل الرقّة الواقعة شرق سوريا والمناطق الحضرية المحيطة بمدينة الموصل الواقعة شمال العراق. وحتى الآن، يبدو أن من غير المرجح أن يتم تحرير أي من المدينتين على المدى القريب.

واقع يثير المخاوف
وتتيح الحدود المفتوحة لما للإرهابيين، القدرة على نشر أفكارهم المغرضة لدى الشبّان المسلمين في أوروبا وأماكن أخرى من العالم، وتسمح لتنظيم «داعش» أيضاً بنشر مزاعمه بأنه نجح في إعادة بعث الخلافة من جديد، وتهيء للإرهابيين الفرص المناسبة لتجنيد وتدريب المقاتلين وتأمين وسائل تنقلهم بجوازات سفر أوروبية، وبحيث يمكنهم العودة إلى أوطانهم يوماً ما والتورّط في المذابح والتفجيرات.
ويضاف إلى ذلك، أن مشاعر الخوف التي انتشرت عقب تفجيرات بروكسل، كرّست التوجهات الشعبوية للأجنحة اليمينية الأوروبية، والتي تهدد بتقويض الأسس التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي الذي يعد الحليف الأكثر أهمية للولايات المتحدة وحلف «الناتو».
وعلى الرغم مما تناقلته الأوساط السياسية العالمية من أخذ ورد حول أسباب الفشل الأوروبي في منع حدوث تفجيرات بروكسل، إلا أن هذه الكارثة بحد ذاتها تدفعنا بقوة إلى طرح التساؤل التالي:
هل ستقرر الولايات المتحدة التحرك بسرعة أكبر لوضع حد لـ«الخلافة الداعشية»، قبل أن يغوص التنظيم بشكل أعمق وينشر جذوره في أوروبا وشمال أفريقيا لينتشر بعد ذلك حتى يصل إلى أميركا؟
بعد أن قمت بزيارة ميدانية إلى أراضي المعارك في العراق وسوريا دامت أسبوعين، بات في وسعي أن أجيب عن هذا السؤال بكلمة «نعم»، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إرسال القوات البرية الأميركية. وفي الواقع، يكون من الضروري وضع الحلول المعقولة لهذه المشكلة. ولنراجع الآن الحلول الخرقاء التي تحدث عنها دونالد ترامب عقب تفجيرات بروكسل والتي دعا فيها إلى زيادة الاعتماد على التعذيب في استنطاق الإرهابيين الذين يتم القبض عليهم، أو تلك الأفكار التي طرحها تيد كروز بنشر دوريات الشرطة والأمن في الحواضر المجاورة للأحياء التي يسكنها مسلمون.. وكلا هذين الاقتراحين سوف يزيد من رغبة بعض المغرر بهم للانضمام إلى تنظيم «داعش» بأكثر مما يثنيهم عن ذلك.

وضع عسكري معقد
وبسبب التعقيدات التي تنطوي عليها الجبهة السورية، انصرف الغرب إلى التركيز على الخيار العراقي. والآن، يتولى جنود أميركيون إعادة تدريب الجيش العراقي الذي انهار تماماً في معارك عام 2014 عندما اجتاح مقاتلو «داعش» مدينة الموصل. وفي عام 2015، كان هناك أمل ضئيل في أن يتم تحرير الموصل، إلا أن هذا الهدف الاستراتيجي المهم تم ترحيله إلى العام الجاري (2016). ويسود أوساط المحللين شك كبير في أن يتم تحقيقه حتى في هذا الموعد الجديد.
وخلال كلمة ألقاها «بريت ماكجورك» المبعوث الأميركي الخاص لمحاربة «داعش» في العراق، في منتدى نظمته الجامعة الأميركية في العراق بمدينة السليمانية، حذّر من التوقعات التي تنبئ بتحرير الموصل بشكل سريع، وقال: «كل شيء يسير الآن وفق المنهج السليم، إلا أن ذلك سيتطلب وقتاً أطول مما يتوقع الناس».
ويعود السبب الأساسي لهذا التأخير، إلى الموقف الضعيف الذي وجد نفسه فيه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المحاصر والذي يتعرض لضغوط قوية من قادة الميليشيات الشيعية الإيرانية للسماح للمقاتلين الشيعة بقيادة الهجوم على الموصل ذات الأغلبية السنّية، وبما يفسح المجال لمذبحة مذهبية جديدة في المدينة. وأدى هذا الخلاف السياسي إلى تأخير انضمام 15 ألف مقاتل سني من شمال العراق إلى الجيش العراقي. وهذا المكوّن السني يعدّ أساسياً لطمأنة مواطني الموصل بأن الحملة المضادة لتنظيم «داعش» لن تشكل خطراً عليهم. وقال لي الجنرال نجم الجبوري قائد مركز العمليات المكلف تنظيم الهجوم على الموصل: «إن الصراع الدائر بين السياسيين في بغداد يضع الحجر العثرة في طريق العراقيين أثناء حربهم ضد تنظيم داعش. ونحن لا نمتلك ما يكفي من جنود أو معدات وأدوات». وقال لي في مركز قيادته بمنطقة مخمور، إن عملية إعادة تدريب الجنود العراقيين بطيئة. وأضاف قوله إن لديه ثلاثة ألوية فقط فيما يحتاج إلى ما بين 8 و13 لواء. وهذا النقص يعني أن الهجوم على الموصل لن يتم على الأرجح إلا وفق مراحل، ولا يمكن تنفيذ أي عملية تهدف للسيطرة على قلب المدينة قبل حلول عام 2017.

حلول غير مقبولة
وتدفعنا هذه الحقيقة المؤلمة للنظر فيما إذا كانت هناك توقعات قائمة بالفعل لتحرير الرقّة؟، ومن الذي سيقدم الجيش الذي سيكلف هذه المهمة؟.
ربما كان الجواب السهل (وغير المنطقي) هو: دعوا الروس يفعلون هذا بمعونة حليفهم نظام الأسد. ولقد تمكنت قوات النظام السوري بدعم جوي روسي من استعادة مدينة تدمر التي تقع على طريق مهم يؤدي إلى مدينة الرقة. إلا أن الأمر قد يتطلب وقتاً طويلاً قبل أن نتوقع من الجيش السوري التفكير بمهاجمة الرقة، كما أننا لا نعتقد بأن لدى موسكو ودمشق أسباباً استراتيجية لتنفيذ هذه المهمة. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن استمرار وجود تنظيم «داعش» يستخدمه الروس لشرعنة بقاء بشار الأسد في السلطة.
ونستنتج من كل ذلك أن المقاتلين الوحيدين الراغبين والقادرين على استعادة الرقة من تنظيم «داعش» ما لم تقف في طريقهم العوائق السياسية، هم أكراد سوريا. ولقد تمكن المقاتلون الأكراد السوريون المدعومون بالقوات الجوية الأميركية، من طرد تنظيم «داعش» من مناطق واسعة في شرق سوريا. وقال صالح مسلم نائب رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي: «نعتقد أننا سنتمكن من السيطرة على الرقة في أسرع وقت ممكن. وفي وسعنا الصمود في وجه داعش وتحطيم هذه الأسطورة».
ربما كان صالح مسلم على حق. فمع تقديم دعم أميركي أكبر وضم المزيد من القبائل السنية للحرب إلى جانب الأكراد، فسوف يتمكن هذا الائتلاف من السيطرة على الرقة. ويقول صالح مسلم إن حزبه سوف يمنح المدينة السنّية حكماً ذاتياً ضمن الفيدرالية التي أعلن عنها من طرف واحد في شمال سوريا. وقال إن الأكراد سوف يضمنون عدم ظهور تنظيم «داعش» مرة أخرى داخل المناطق المحررة.

موقف تركيا
إلا أن مما يعقد الأمور أكثر، هو أن تركيا تخوض حرباً لا نهاية لها ضد المقاتلين الأكراد، وتعارض بقوة هذه الفكرة من أساسها. ويتحتم على الولايات المتحدة أن تبذل مجهوداً أكبر لإقناع الرئيس التركي رجب طيب أردوجان لإحياء المحادثات مع المقاتلين الأكراد في كل من تركيا وسوريا، ولكنه لا يبدو مقتنعاً بهذه الفكرة. ويضاف إلى كل ذلك أن من الواضح تماماً أن سكان الرقة من العرب السنّة لن يقبلوا العيش تحت حكم الأكراد. وحول هذه النقطة، قال جوشوا لانديس من جامعة أوكلاهوما والخبير في الشأن السوري: «سوف يمثل هذا الأمر المشكلة الرئيسة بين الأكراد والعرب والأتراك».
وخلاصة الأمر، أنه لو كان الهدف الذي نسعى له هو تدمير «الخلافة الداعشية» على نحو أسرع، فإن مساعدة الأكراد على السيطرة على الرقة هو الخيار الأوحد، وهو الخيار الذي يمكن اختباره بشكل جدي. وكلما طال زمن سيطرة «داعش» على قواعدها في الرقة والموصل، كلما زاد خطرها على الغرب.

*محللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تربيون نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا