الاتحاد

تقارير

الانتخابات الأفغانية··· فرصة لاستئصال الفساد

الانتخابات الأفغانية··· فرصة لاستئصال الفساد

الانتخابات الأفغانية··· فرصة لاستئصال الفساد

بين كل الدروس التي ينبغي لنا تعلمها من حرب فيتنام، هناك درس واحد هو الأكثر أهمية، ويتعين تذكره خلال العام الحالي الذي تتأهب فيه أفغانستان لانتخاب رئيس جديد لها· ففي بدايات سبعينيات القرن الماضي، وبينما كانت واشنطن تخوض محادثات مستقلة مع فيتنام الشمالية في باريس، أجريت انتخابات زائفة غير نزيهة في العاصمة سايجون· وكان يعتقد حينها أن ''نجوين فان ثيو'' الرئيس الحاكم آنذاك، كان غارقاً في الفساد، بينما ظلت واشنطن على علم تام بتلك الحقيقة· ولكننا لم نكتف بدعمه فحسب، بل باركنا تلاعبه بالقانون الانتخابي، حتى يتسنى له إقصاء أي منافس آخر له· وبذلك عضدنا شوكة نظام فاسد فاقد لثقة شعبه·
وكان هنري كيسنجر -مستشار الأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون حينها- هو من وصف دعم واشنطن للرئيس ''ثيو''، بأنه من صميم صيانة المصالح القومية الأميركية· وعلى رغم اعتراف كيسنجر بأن بعض الأساليب التي اتبعها ''ثيو'' في التلاعب بقوانين بلاده الانتخابية لم تكن صحيحة، إلا أن الزج به في مغامرة خوض انتخابات حرة نزيهة -والحديث لا يزال لكيسنجر- كان يعني نوعاً ما، المغامرة بقطع كافة المساعدات الاقتصادية والعسكرية لتلك الدولة، وهي مغامرة لم ترد الحكومة الأميركية الخوض فيها· ولكن ما هي النتيجة النهائية لتلك المساندة من جانب واشنطن؟
لقد أجاب عن هذا السؤال، سفير الرئيس ''ثيو'' نفسه لدى الولايات المتحدة سابقاً بقوله: لقد ثبت أن تلك الانتخابات المزورة، كانت الأكثر دماراً وزعزعة لاستقرار فيتنام من أي عامل آخر· ومن بين أهم نتائجها الكارثية، أنها أضاعت على الولايات المتحدة فرصة لا تعوض، لأن تخلف وراءها بعد انسحاب جنودها من فيتنام، قيادة وطنية تتمتع بتأييد شعبي داخلي قوي، يمكنها من البقاء والاستقرار عقب الانسحاب العسكري الأميركي·
هذا وقد تحدث الآن الرئيس أوباما عن أهمية الانتخابات الرئاسية الأفغانية المقرر إجراؤها في شهر أغسطس المقبل، بينما عرضت واشنطن على كابول توفير مبلغ 40 مليون دولار لتمويل إدارة العملية الانتخابية· بيد أنه لم يرد أي ذكر بعد من جانب واشنطن، لأهمية نزاهة وعدالة هذه الانتخابات· وفي الحديث عن أفغانستان، فإن أشد ما يبغضه المواطنون أمرين: حركة ''طالبان'' وأطراف في الحكومة· ويعود سبب كراهية الأفغان لبعض أطراف حكومتهم الحالية، إلى اعتقادهم الواسع بأنها أطراف غارقة في الفساد حتى النخاع، شأنها شأن حكومة الرئيس الفيتنامي السابق ''ثيو''·
ومن المتوقع أن تؤدي انتخابات حرة ونزيهة في أفغانستان إلى تقويض نفوذ ''طالبان''، التي تعارض من حيث الأساس فكرة إجراء انتخابات واقتراع شعبي عام· ومن الجانب الآخر، فستساعد نزاهة ومصداقية الانتخابات، الحكومة الأفغانية القادمة على التمتع بتأييد مواطنيها· ولكن فيما لو ساد الاعتقاد بتزوير وفساد الانتخابات المرتقبة، فإن في ذلك ما يقوض الحكومة المقبلة، لصالح تعزيز نفوذ ''طالبان''، بينما يهدد بانحسار دعم الشعب الأميركي للجهود التي تبذلها حكومته في أفغانستان·
وبسبب اعتماد العملية الانتخابية الأفغانية كلياً على التمويل الأجنبي، فإن في وسع الولايات المتحدة وحلفائها في ''الناتو''، فضلا عن الأمم المتحدة، التأثير بدرجة كبيرة على الطريقة التي يمكن أن تنظم ويجرى بها هذا الاستحقاق السياسي الحاسم· غير أن هذا الهدف لن يتحقق إلا إذا ما ربطنا المساعدات التي نقدمها لكابول في سبيل تنظيم وتمويل الحملة الانتخابية، بإجراءات وتدابير عملية مثل: إنشاء مجموعة مراقبة انتخابية دولية- أفغانية مشتركة قادرة على النظر والفصل في الشكاوى والطعون المقدمة قبل وأثناء الحملة الانتخابية، وليس بعد الإعلان عن النتائج النهائية· كما أن علينا التأكد من حياد واستقلال قوات الشرطة والجيش الأفغانية من أي نفوذ سياسي عليها· وعلى هذه القوات معاً توفير الأمن اللازم للعملية الانتخابية وحمايتها ضد أي ترهيب من جانب حركة ''طالبان''، أو المرشحين أنفسهم، سواء كان ذلك أثناء السباق الانتخابي، أم في فترة الاقتراع·
ولن تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها بمعزل عن مشاركة المجتمع المحلي· فمما يطمئن على إمكانية هذه المشاركة، وجود شبكة واسعة من منظمات المجتمع المدنى الأفغاني، تطلق على نفسها اسم ''مؤسسة الانتخابات الحرة''· كما يساعد انتشار استخدام الهواتف النقالة والحرية النسبية التي تتمتع بها الصحافة المحلية، على نشر أي انحرافات أو أشكال فساد انتخابي متى ما حدثت· ولذا فإن من واجبنا أن نمنح هذه الجهود الطوعية المدنية غير الحكومية أقصى دعم مالي ممكن لنشاطها الرقابي من قبل المجموعات والمنظمات غير الحكومية الداعمة لعمليات التحول الديمقراطي في كل من أوروبا والولايات المتحدة، مثل ''المعهد القومي الديمقراطي'' حتى تتمكن المنظمات المدنية الأفغانية من استقطاب أكبر عدد من العمال والموظفين الذين يمارسون دوراً رقابياً على سير العملية الانتخابية·
وبسبب استمرار بقاء الحكومة الحالية في موقعها حتى إجراء الانتخابات، فإن منع إساءة استغلال السلطة الحكومية، ومحاولة التأثير على الانتخابات لصالح النظام الحاكم، يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجهها الانتخابات الرئاسية المقبلة· فما لم يحصل أي مرشح منافس على نسبة 50 في المئة من مجموع أصوات الناخبين، يقتضي الأمر حينها إجراء سباق رئاسي ثان· وبسبب ترجيح إجراء سباق انتخابي ثان كهذا في حال نزاهة العملية الانتخابية، فإن من شأن ذلك أن يمارس قدراً معقولا من الضغط على الحكومة·
أما بالنسبة للمرشحين الرئاسيين، فلا شك أن النزاهة الشخصية، ستكون عامل جذب في غاية الأهمية للناخبين· على أن ''تنظيف'' فساد أطراف في الحكومة الحالية، وهو ما تستثمره حركة ''طالبان'' حتى الآن، ليس متوقعاً له أن يتم بين عشية وضحاها· ولن يتحقق إلا إذا ما بدأت عمليات التنظيف هذه، من قمة الهرم القيادي الحكومي، وليس من أسفله·

روفوس فيليب
محلل سياسي أميركي، مؤلف كتاب فيتنام لماذا تهمنا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا