الاتحاد

الملحق الثقافي

المطاف.. أيام الذهب

المكان: عند لسان البحر، قريباً من المعيريض، بعيداً قليلاً عن الرمس، تقطن أسطورة “المطاف” بعضها تحت الرمل بالقرب من الماء، وبعضها في وجدان الذين يمارسون اليوم لعبة الأحلام هرباً من عطل الأجهزة الفنية في الدماغ.. فلو أنك امتطيت الفراغ الوسيع الممتد من جيل الأربعينات حتى قرننا الواحد والعشرين، ستكتشف أن الزمن له علاقة وطيدة بما يجري في أحشاء الجغرافيا، وكذلك ما يجوس في الوجدان البشري.. كيف؟
يقول أحد الذين جاؤوا في ذلك الزمن، وقد أغمض الدهر عينيه، وأصم أذنيه إلا ما ندر من سمع أشبه بالهمس، أن في هذه المنطقة مات الكثيرون مدفونين تحت الرمال أو مدهوسين تحت الأقدام، وكان الصراع بين أقوياء نافذون، مسيطرون، وضعفاء يستجدون النافذة الضيقة ليطلوا منها على ذهب الحياة.
ويضيف الرجل قائلاً: كان آباؤنا يذهبون إلى المطاف منذ الصباح الباكر ولا يعودون إلا عند غروب الشمس بحثاً عن الكنز الموعود، عن الذهب، وقد سرت حكايات وروايات في ذلك الزمن، من أن الذهب المدفون تحت الرمال هو من بقايا مملكة جلفار، هذه المملكة التي أدارت حكماً جغرافياً امتد لمئات السنين، واتسعت رقعة غناها، ما جعلها حلقة الوصل ما بين بابل وسومر في العراق والعالم الخارجي.

كنوز الزباء!
وحكايات أخرى منحت الذهب للزباء مملكة تدمر، وأشيع أنها كانت هنا بقدرات الملوك، وسعة أفق سلطانهم، وسطوة نفوذهم، ويرجع بعض الحكاءين أن الذهب طمر تحت تراب المطاف لأن هذا المكان كان مجرى مائياً يصل ما بين الخليج العربي حتى قمم الجبال التي تستقر فيها موانئ المملكة الموقرة، فالمراكب التي كانت تخب في مياه الخليج محملة بكنوز الذهب واجهت صعوبات كثيرة، وأهمها طوفان من السماء، فأفرغت ما في أجوافها من ذهب وبشر، وغاصت هاربة نحو الأعماق الغارقة، ومع مرور الزمن أصبح لذهب المراكب مناجم تحت الأرض رزقاً لعيال الناس الذين داهمهم شظف الحرب العالمية الأولى، حتى قيل إن الناس في هذه الحقبة الزمنية أطعموا أبناءهم غسول التمر، وألبسوهم الجونيه.
ويضيف سيدنا المبتلى بأشواق زمانه قائلاً: وقد رويت حكايات أخرى عن سبب وجود هذه الكنوز بأن جنية حسناء تقدم لخطبتها أحد أثرياء الجن، فاشترطت ست الحسن والدلال أن يكون مهرها حمولة عشرة من الإبل ذهباً، ولم يكن في وسع العاشق المدنف إلا أن يذعن للشروط، وينصاع صاغراً ضارعاً لتحقيق غايته والزواج من فتاة أحلامه الجنية الحسناء. ولكن قبل أن تصل القافلة من أقاصي العوالم السفلية، باغتها قُطاع الطرق من الجن الآخرين واستولوا على جل ما في جعبة الركاب، ما اضطر الجني العاشق من استخدام نفوذه وسطوته كزعيم للجن، فأمر جنده بأن ينسفوا ويخسفوا بالسارقين الأوغاد ويحيلوهم إلى جماد بائس يستفيد منه البشر.
يشحب وجه الرجل، وتكسوه سحابة باهتة، شعرت بأنه يريد أن يتخلص مما في جعبته من مفردات الحكاية، ليهرب بعيداً طالباً أمانه النفسي، ويقول في لهجة مرتبكة: عندما أتذكر هذه الحكاية أشعر بالخوف، أحس وكأن أحداً ما يقف خلفي مصلتاً على عنقي سيفاً.. ثم يهز رأسه، لا أدري لماذا، ولكنني أعيش هذا الإحساس دوماً.. ثم يضيف قائلاً: منطقة المطاف هذه تبدو لي أسطورة تاريخية تحتاج إلى قراءة، ثم الكتابة عنها، لأنها خبأت أشياء في باطنها وما عرفناه ليس أكثر من حكايات مروية على لسان أناس عاشوا التجربة في حالة من اللاوعي بقيمة الانثروبولوجيا، منهمكين فقط في سرد حكايات أغلبها وهمية لا يمكن أن يصدقها عقل إنسان.. يصمت الرجل، ثم يطرق. وكان مقابل المكان جزيرة صغيرة، صغيرة جداً تمتد على طول اللسان البحري من الجهة الأخرى، وكانت مستوطنة لطيور الشتاء القادمة من شمال آسيا وشرقها في هذا الموسم بالذات، تأتي إلى الساحل البحري جيوش من أسماك “العومة” فيلتقي الضدان، لأجل الحفاظ على النوع، كنا نصطاد الطيور، والطيور تفترس هذه الأسماك، والمتابع لهذا المشهد، تلك الجزيرة الرملية النائمة على سجادة الماء الأجاج.

مفارقات الموت والحياة
يقول الرجل الوقور: إن السبب في اكتشاف كنز المطاف يعود إلى حادثة طريفة وغريبة.. ففي الفترة الزمنية هذه، انتشر في المنطقة وباء الجدري، وكان الناس عندما يُصاب أحد أقاربهم فإنهم لا يملكون من وسيلة إلا التخلص منه في أسرع وقت وأقرب مكان، فكان أن أصيب أحد الرجال بهذا المرض، وتوفي بعدها بثلاثة أشهر، ما اضطر ذويه إلى أن يبحثوا له عن مكان قريب ولم يكن لديهم أقرب من المطاف.. وربما تكون هذه الحادثة المفاجئة، فأثناء الحفر لإيجاد قبر يؤوي جسد الميت فوجئ الباحثون عند ثقب الإبرة، بقطع لامعة، متحجرة، قابضة على أسنان الحجر، متشبثة بخرز الرمل، متدفئة في العتمة الأبدية، فأعرض الجميع عن الدفن، وانهالوا يقصون أكثر فأكثر في أعماق التراب، وكلما غاصت الأيدي، كلما لثمتها أقراط وأساور وخواتم ذهبية، ألهبت مشاعر من انكبوا لاهثين بحثاً عن المزيد، وكان الميت مسجىً في انتظار الرحلة الأخيرة، والآخرون منهمكين في نبش أتون الأرض المباركة، وحتى وقت قبل الغروب، انفض الجميع واستحالوا إلى جيش جرار، يهيل التراب على الجثمان الهامد للتخلص من حزن النهايات، وفتح نافذة على فرح البدايات.
ويضيف الرجل، قائلاً: من تابع المشهد عن قرب يشعر بالغرابة، فمن حزن مريع على فقدان عزيز إلى فرح عارم أطفأ نيران الفقدان، وبدا لجميع الذين جاؤوا ليواروا الفقيد التراب، أن الميت ميت لا محالة، ولكن عندما تولد الحياة من رحم، الفقدان والفقر المدقع، فإنها لا بد وأن تكون ذات احتفاء واحتفال بهيج لا تساويه بهجة وسرور ثم يتابع الرجل قائلاً: فمن كان يصدق أن الأرض التي مات فيها الزرع والضرع، وتشظى الناس شظفاً، تنبت فيها هذه الأشجار الحمراء، لذلك كان الصراع شرساً بين الباحثين عن الأمل، ونتيجة هذا الصراع أريقت دماء وأزهقت أرواح، حتى أن بعض الناس سموا ذلك العام الذي عثر فيه على الذهب بعام الذهب، وبعضهم أطلق على المطاف بمدينة الذهب.
يتنهد الرجل، ويرسل آهة عبرت مناطق واسعة من الذهن، وحفرت في الذاكرة أخدوداً عميقاً، ثم أردف: أحتاج إلى راحة الآن، وكأني قطعت مسافة شاسعة مشياًَ على الأقدام، لأن المنطقة التي انطلقت منها هي منطقة الذاكرة المنسية وهي المنطقة المعزولة وسط غابات من التطورات والتغيرات التي شكلت مشاهد ملوثة في حياتنا، لكنها لم تستطع أن تعيد ترميم بعض الأبنية التي استوطنت في الداخل وما زال عويلها يدوي في الروح كأنه الريح تصفر في أنبوب معدني محكم الإغلاق في أحد طرفيه. وعند هذه النقطة في آخر الطريق تبدو العبارة غير مكتملة طالما لم تعبر الكلمة بعد المناطق الأعمق في المطاف.. عند هذه الفقرة يبدو أن الذاكرة تفتقر إلى الأبجديات الأولى.. متى.. وكيف حدث ذلك الجحيم اللذيذ؟

اقرأ أيضا