الاتحاد

تقارير

إندونيسيا··· ما بعد تراجع الأحزاب الإسلامية

نتائج الانتخابات تعكس تنامي شعبية الأحزاب العلمانية

نتائج الانتخابات تعكس تنامي شعبية الأحزاب العلمانية

أظهرت النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية، التي جرت في إندونيسيا يوم الخميس الماضي، قدرة الأحزاب العلمانية على استقطاب عدد أكبر من الناخبين مقارنة بخصومها من الأحزاب الإسلامية· ففيما حصدت ثلاثة أحزاب علمانية كبرى أكثر من نصف الأصوات، حسب توقعات استندت إلى عينات لاستطلاعات الرأي لم تتجاوز حصة ''حزب العدالة المزدهرة'' الإسلامي الأكثر محافظة في البلاد، نسبة 8 في المئة من أصوات الناخبين وهي النسبة ذاتها التي حصل عليها في الانتخابات السابقة، هذا في الوقت الذي فقدت فيه باقي الأحزاب الإسلامية التي خاضت المنافسة حصتها السابقة من الأصوات على رغم مشاركة 38 حزباً في السباق الانتخابي· وتشير هذه النتائج إلى أن التأييد المتنامي للإسلاميين، الذي تجلى في انتخابات عام 2004 أثناء الضجة التي شهدها العالم الإسلامي بسبب حرب أميركا على الإرهاب، لا يعبر حقيقة عن المزاج العام في إندونيسيا، ويؤكد أنه كان مجرد ردة فعل عابرة، كما أن دعوات الإسلاميين إلى إحقاق العدالة واحترام الأخلاق العامة لم تخلف صدىً قوياً لدى الناخبين الذين فضلوا سياسيين ركزوا في حملتهم الانتخابية على الاقتصاد والمعركة ضد الفقر·
لكن حتى قبل انتخابات يوم الخميس الماضي شهدت الساحة السياسية في إندونيسيا توجه السياسيين الإسلاميين نحو الوسط وتقليلهم من شأن القضايا الخلافية المرتبطة بالدين مقابل التركيز على البرامج الداعمة للفقراء، ناهيك عن غلبة الاعتدال على خطابهم بسبب مشاركتهم في ائتلافات حكومية أدخلتهم في تحالفات براجماتية مع شركائهم العلمانيين الذين ساهم تحالفهم مع الإسلاميين في تحسين صورتهم أمام الرأي العام بالتأكيد على احترامهم للدين وعدم خروجهم عنه· ومع ذلك يحذر البعض من الخطر الذي ما زالت تشكله الأرثوذوكسية الإسلامية في إندونيسيا ذات الأعراق والديانات المتنوعة، ذلك أن تزايد مساحة التدين في الحياة العامة وتنامي مظاهره أصبح مصدر قلق لغير المسلمين الذين يتخوفون من تراجع المبادئ العلمانية للدولة، لكن التأييد المحتشم الذي حصلت عليه الأحزاب الإسلامية في الانتخابات الأخيرة يؤكد أن الجماعات الإسلامية باتت تواجه معركة صعبة لفرض أجندتها· وفي هذا الإطار يقول ''روبين بوش''، الخبير في الشؤون الإندونيسية بمركز ''مؤسسة آسيا'': ''إن الإندونيسيين لا يهتمون كثيراً بأجندة إسلامية، فهم يعيشون في بلد مسلم ومتدين يتنامى فيه دور الدين في الحياة العامة من دون أن يعني ذلك أنهم يريدون دولة دينية''· فمنذ عام ،2003 أقرت عشرات المجالس المحلية الإندونيسية الشريعة الإسلامية، كما حظر في بعض المناطق على النساء الخروج وحدهن في الليل، ومع أن تلك القوانين لا تطبق بصرامة إلا أن المنتقدين يرون فيها زخفاً ملحوظاً للإسلام السياسي على الحياة العامة·
ويخشى البعض من استهداف المتشددين لمنظمات وهيئات معتدلة يتم اقتحام مساجدها والاستيلاء عليها من قبل عناصر في ''حزب العدالة المزدهرة'' وباقي الجماعات الإسلامية الأخرى، وهو ما يهدد حسب ''أحمد سوريدي''، مدير معهد ''وحيد'' الليبرالي في جاكرتا، التعايش بين المكونات الإسلامية المختلفة في إندونيسيا· ويرد الإسلاميون بأنهم يطرحون على الناخبين خياراً ديمقراطياً، وبأنهم يصوغون سياساتهم لتتناسب مع احتياجات الإندونيسيين، كما ينفون تهمة زرع بذور الانقسام بسبب تركيزهم على سن قوانين إسلامية، مشيرين في هذا الصدد إلى أن المشرعين العلمانيين أنفسهم يقرون تلك القوانين ويمررونها· ويضيف ''أحمد زين الدين''، أحد مؤسسي ''حزب العدالة المزدهرة'' قائلاً: ''لقد فهمنا منذ البداية أنه يتعين علينا العمل مع باقي الأحزاب والتعاون معها''، ومن المرجح أن يشارك الحزب في الحكومة الإندونيسية القادمة على غرار الحكومة الحالية بعد تحالفه مع الرئيس ''سوسيلو بامبانج يودويونو'' الذي يحاول تأمين دعم الأحزاب الإسلامية لإعادة انتخابه مجدداً في شهر يوليو القادم·
وفي مقابل هذا التأييد الذي خصت به الأحزاب الإسلامية الرئيس في انتخابات عام ،2004 حصلت على حقيبتين وزاريتين ورئاسة الغرفة الثانية للبرلمان الإندونيسي· ويعتمد ''حزب العدالة المزدهرة'' في حشد التأييد على شباب الطبقة الوسطى من المسلمين الذين يلعبون دوراً أساسياً في الانتخابات بطرقهم الأبواب وإقناع الناس بالتصويت لصالح مرشحي الحزب، وهم باعتمادهم على العمل التطوعي والتركيز على أجندة إسلامية واضحة يختلفون عن باقي الأحزاب الإسلامية التي تلجأ إلى الإعلانات التلفزيونية والحشود الكبيرة للتواصل مع الناخبين·
وفي شرق العاصمة جاكرتا التي ترشح فيها ''زين الدين''، أكد أن فريقه وصل إلى بيت من كل أربعة في محيط منطقة يبلغ فيها عدد السكان حوالي مليونين ونصف مليون نسمة، وهذه المثابرة في العمل المقرونة بسمعة النزاهة في بلد يغرق في الفساد آتت ثمارها في انتخابات عام 2004 التي تضاعف فيها عدد مقاعد الحزب في البرلمان بأربع مرات· لكن نزاهة الرئيس سحبت البساط من تحت أقدام الحزب الإسلامي الذي كان يفاخر بأنه الهيئة السياسية الوحيدة النزيهة في البلاد· وعلى رغم تراجع قوة الإسلاميين، كما اتضح ذلك في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تبقى الأجندة الإسلامية حسب ''سيدني جونز''، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية بجاكرتا، حاضرة بقوة، موضحاً ذلك بقوله إنه: ''لا يمكن الاعتماد على نتائج الانتخابات الأخيرة للحكم على موقع الإسلام السياسي في إندونيسيا، فقد رأينا عودة الأحزاب القومية، لكن هذه الأخيرة سعت أيضاً بقوة إلى التواصل مع المسلمين المحافظين''·

سيمون مونتليك - جاكارتا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريسيتان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا