الاتحاد

الملحق الثقافي

حتى ينضج الخيال...

لعبت الثورات على مر التاريخ دوراً بارزاً في تحفيز الطاقات الإبداعية للأدباء والكتاب والمفكرين، لتخرج من مناخاتها وتفاعلاتها الإنسانية والسياسية والفكرية العديد من الأعمال. ويعد تولستوي ومكسيم جوركي من أهم الروائيين العالميين الذين تناولوا الثورة؛ فالأول مهد للثورة البلشفية الروسية والثاني أبدع تجلياتها، ومن النماذج العربية يجيء نجيب محفوظ الأديب المصري الحائز نوبل في الآداب عام 1988 واحدا من أبرز من تجلى عليه تأثير الثورات، حيث أبدع تفاعلات المجتمع المصري لثورة 1919 وثورة 1952 وواكب تأثيراتهما وتطوراتهما المختلفة.

ظهرت أخيرا بعض من تجليات الثورة المصرية التي انطلقت في 25 يناير من عام 2011 في كتابات منها الشعري والقصصي والروائي والفكري والتأريخي، لكن هناك من يرى أن الأمر يحتاج المزيد من الوقت كون الثورة لم تنته بعد وأن أفكارها ورؤاها لا تزال في طور التكوين داخل المبدع وأن المخاض يحتاج إلى وقت.
حول تأثير الثورة على المبدعين المصريين .. كان لـ “الاتحاد” هذا التحقيق.

فك الالتصاق
بداية يؤكد الشاعر والناقد جمال القصاص أن الثورة لم تنته بعد، وقال: “ما زلت أعيشها جسداً وروحاً، أقلب بذرتها، وأراقب بعين طفل كيف تنمو في تربة تحتاج إلى التنقية والغربلة، واجتثاث الأعشاب الضارة المتسلقة من حولها. لست متخوفا من تأخر الشعر الذي يحتوي ويجسد تجليات الثورة في القصيدة، فأنا كعادة القرويين أكتب وأنمو ببطء، وانفعالي بالواقع الخارجي لا يتم إلا بعد مرحلة من التوحد والانصهار، تنتفي فيها المسافة بين الذات والموضوع.. حينئذ يصبح من مهام النص الشعري خلق مسافة أخرى ولو وهمية بينهما.
أنا الآن لم أعد بحاجة إلى هذا الالتصاق الحميم بجسد الثورة، وهو ما حدث بالفعل منذ قيامها سواء في الميدان أو في العمل الصحفي، بل أشعر بحاجة إلى فك أو تفكيك أواصر هذا الالتصاق، فيقيني أن كل رؤية تحتاج لمسافة، لكي يكتسب فعل التأمل نوعا من الكلية، ويمتلك القدرة على الدخول والخروج، على الهدم والبناء، على النفي والإثبات، وأيضا أن أرى يعني أنني تجاوزت مرحلة الإدراك والمعرفة والفهم. ومثلما أنظر إلى اللغة باعتبارها ثمرة من ثمرات الطفولة، أيضا أنظر إلى الثورة باعتبارها إحدى تجليات هذا الحقل.
أريد أن أكتب الثورة في شمولها، في قوتها وضعفها، في مفارقات مشهدها ومنعطفاتها، على مستوى التاريخ والشارع والثقافة واللغة والبشر. الثورة ثوب جديد للحياة، لا أريد أن أرتديه كتقليعة أو موضة، وإنما كضرورة وجود، ونافذة حية أطل منها على روحي وجسدي معا.
بهذا الهم أحتشد الآن للكتابة في الثورة، وليس عن الثورة، باعتبارها أولا ثورة على النص الشعري نفسه، على خصائصه ولغته ورموزه ودلالاته ومقوماته الجمالية والبلاغية. لا أريد أن أقف على السطح أدغدغ القشرة، برذاذ انفعالي هش، ساد للأسف معظم الكتابات الشعرية التي احتفت بالثورة، حيث تعاملت معها بمنظومة شعرية وبلاغية تقليدية، وبروح غلب عليها حماس عابر ومؤقت، وكأن الثورة وجبة جاهزة، معدة سلفا، خالية من حس المغامرة والدهشة والتساؤل الحي المفتوح دوما على تخوم البدايات والنهايات.
التشدد والتحرر
ويرى الكاتب الروائي السيد نجم أن الإبداع النثري والشعري والفني مع ثورة 25 يناير ذاهب إلى طريقين: طريق يتسم بالتشدد، وآخر يتسم بالتحرر وربما بعضه إلى حد الإفراط. ولا أعني بالتشدد مواقف التيار الإسلامي المنتشر على الساحة وحده، بل ممن يفتعلون الأفاعيل والثورية، كما أظن أن البعض سوف يبرر أعماله غير المتوافقة مع الوسطية الأخلاقية والأعراف المتفق عليها، بأنها من مظاهر الحرية! ولا أظن أن حادثة مدونة “علياء مهدي” ونشر صورها عارية، إلا تعبيراً فجاً عن تصور خاطئ للحرية.. ومع ذلك سوف نعاني من غيرها ولفترة سنوات قادمة، مثل تلك الانفلاتات، وهو الأمر الذي ينقلني سريعا إلى ضرورة أن يتحول الحوار المجتمعي نحو البحث عن (رؤية مستقبلية) توفر للجميع حياة كريمة.. وليس بالأمر السهل، أن تتحول الثورة إلى آليات لتحقيق ما نحلم به، وخصوصا تحقيق الإنسان المصري الخالي من السلبية واللامبالاة التي عانينا منها لعقود مضت، ولا أدعو إلى الفن والأدب الملتزم الأيديولوجي الصلب، بل إلى إنتاج المضامين الإيجابية، والتي ترى الآني والواقع الحالي فتثير السؤال حول المستقبل المرجو. وأرى أخيرا أن رؤيتي الإبداعية القائمة على البحث في هموم الناس من آمال وآلام لن تتغير، وإن تغيرت بعض الملامح الإبداعية العامة. أنتظر رواجاً لأعمال الخيال العلمي، وكذلك رواجا في مجال أدب الطفل، وكذلك الإنتاج السينمائي، وسوف تفتح المسارح أبوابها.. ثم قد تتقهقر الرواية عن المقدمة بين فنون النثر، تلك التي احتلتها خلال العقد الأخير، وقد تزداد غلبة نسبة نشر الكتاب (الديني) أكثر مما هو عليه (ولا أعني الكتب الدينية الموثقة المهتمة بمناقشة قضايا الإنسان والمجتمع.. أعني تلك التي لا تتناول إلا حديث القبور وما شابه). وبعد هذا كله، أنا متفائل!.

حدث رائع
ويؤكد الكاتب الروائي سعد القرش أن الثورة بنيان ضخم، حدث رائع أكبر من قدرتنا على الخيال، كنا نتوقع ثورة تقضي على الأخضر واليابس، ثورة جوعى، فصنع الشعب المتحضر ثورته على مهل، واستوت الأحداث فجاءت الثورة لائقة بتاريخ المصريين وحضارتهم التي بدأت مع تأسيس أول دولة مركزية في التاريخ عام 3100 قبل الميلاد، وحافظ الشعب على الحياة على الرغم من غياب الشرطة لمدة 11 شهرا، فكيف يتاح للكاتب أن يتجاوز هذا “الواقع” ليكتب عنه “خيالا”؟
المسألة تحتاج إلى وقت للاستيعاب، ولو خمس أو عشر سنوات، لأن الثورة قائمة وتفاعلاتها في الشارع، ونتائجها في الميدان، ولا يصح أن يكون الإبداع عن الثورة أقل من فعل شارك فيه الناس. فلننتظر سنوات حتى ينضج الخيال. ويضيف القرش: كتابي (الثورة الآن.. يوميات من ميدان التحرير) الذي يصدر الشهر القادم ليس كتابا إبداعيا، إنه يشمل مقدمة حول كتاب آخر كنت أنوي كتابته وتوجيهه إلى مبارك على غرار كتاب يوسف إدريس (البحث عن السادات)، وأقدم فيه بانوراما للتدمير الذي حدث للمصريين في التعليم والصحة والاقتصاد والبحث العلمي، وتوقف المشروع بعد فترة، وأرصد في تصدير الكتاب خمس سنوات من الاحتجاج العمالي والثقافي والسياسي بالتوازي مع تواطؤ مثقفين ومفكرين وصولاً إلى 25 يناير، وبعدها تبدأ يوميات الميدان والطريق إليه.

الانتهازيون جاهزون
ويعتقد الكاتب المسرحي وأستاذ علوم المسرح بجامعة حلوان د. نبيل بهجت أنه لم تظهر إلى الآن آثار واضحة خاصة لإبداع الثورة، “وأن المخاض الثوري لم ينته بعد. شخصيا لم تتكون عندي رؤية شخصية يمكن أن يطرح من خلالها إبداع يتعلق بالثورة، إذ أن الرؤية تحتاج لوقت، وما طرح من نماذج يعد من الإبداع الاستهلاكي خاصة في مجال المسرح، مثل بعض العروض التي كرست لشهادات مختلفة، وكل هذا من قبيل الاستهلاك إلا أنه من الملاحظ ظهور إبداعات تشكيلية وانتشارها بشكل واضح وملحوظ، ونلمح فيها نضج الرؤية مثل إبداعات الجرافيك التي تنتشر الآن على حيطان القاهرة، وهو فن لم تشهده القاهرة بهذه الكثافة من قبل، ويستحق التقدير والاحترام، لأنه مشارك بشكل إيجابي في الثورة، ومن ثم تأتي رؤيته وإبداعيته من قدرته على المشاركة في الحراك الثوري. وأضاف: “نحن في لحظة الفعل الثوري فإما أن نشارك فيها فعليا أو فنيا، والفن الوحيد الذي أراه عبر بشكل مباشر وحقيقي هو جرافيك الحيطان، أما محاولات البعض لإنتاج فن “يرطن” للثورة فهي شكل من أشكال الانتهازية التي عودنا عليها النظام السابق، وسنشهد ذلك بكثافة في يناير المقبل، إن النظم الاستبدادية تحول الفعل الثوري لمظاهر احتفالية، وهو ما نخشاه وهو ما يحدث الآن لميدان التحرير، وليس من قبيل المصادفة أن تراه تحول لمولد بفعل الباعة الجائلين، وما نخشاه أن تتحول الثورة لفن أو احتفالية يستلهمها الانتهازيون الآكلون على جميع الموائد بحجة تخليد الثورة، وقصدهم تنويمها وأرشفتها”.

مخاوف
وينتظر الشاعر والروائي صبحي موسى أن تنتهي حالة الثورة، ونقف على شاطئ ثابت وواضح، وتأخذ السفن طرقها المعلومة في بحر ثابت لا عباب فيه ولا أمواج هادرة. ما حدث ويحدث وسوف يحدث يحتاج إلى سنوات وسنوات من التأمل، وقد لا نكتبه إلا بعدما تنحني ظهورنا ويجتاحنا الحنين لتلمس ذكريات الشباب، ربما وقتها سنكتب عنه بوهج ودقة وأهمية.
في ظني أيضاً أن الكتابة كانت قبل الثورة، ومن لم يكتب أو يحلم في كتابته بهذه الثورة فإما أنه بليد وميت، وإما أنه لا ينتمي إلى عالمنا، وكغيري فقد كتبت كل ما كنت أحلم بتحققه. كتبت في “صمت الكهنة” عن هذا الصمت التاريخي المطبق على واقع قابل للانهيار أو الانفجار، كتبت في “حمامة بيضاء” عن مشهد ميدان التحرير وهو يغص بالمتظاهرين في ميدان التحرير من أجل ما يجري في العراق وفلسطين وأفغانستان، وتساءلت: هل قدر الشعوب التي لا تستطيع أن تخرج من أجل نفسها أن تخرج من أجل غيرها، وفي “لهذا أرحل” جاءت قصائد ما تبقى من جثتي وروعة أن تكون نبياً، ورسالة إلى من لا رسالة لهم، وصمت، وسقوط ، ورجل لا يحب، ولأنني لا أقدر على الحرب، وفي ديواني الصادر قبيل الثورة بشهور قليلة كتبت (في وداع الدكتاتور، ولأننا لا نحب الأشباح، وبيان ختامي لرجل علمته المدينة، وحثالة لا معنى لهم، والطريق إلى البيوت، وكيف ينجب الموت أطفاله، وقاتل الأحبة، وأمنيات بسيطة، وحقائب تتلو المزامير)، وجميعها قصائد لا أقول إنها تنبأت أو كانت تتنبأ، لكنها الأحلام والأماني واليأس والرغبة في تحطيم كل شيء. لم أكن أستطيع القول بأن ثمة ثورة يمكنها أن تحدث، لكنني كنت أتعجب من أنها لم تحدث، كنت أدعو إلى الحرب، وأكره الحرب، وأسعى إلى الفوضى الخلاقة التي يمكنها أن تنتج عالماً جديداً، عالماً يأتي بأبناء بالمهمشين من القرى والأماكن التي لا يسمع بها أحد إلى المقدمة، مثلما فعل ميدان التحرير، لكنني رغم مروري اليومي من هذا الميدان لم أتصور أنه سيكون النموذج المحتذى به في العالم كله، فكيف لي الآن أن أدعي أنني قادر على الكتابة عنه.
بالطبع كتبت بضع قصائد، وفي كل قصيدة كنت أشعر أن الواقع أجمل من الشعر، وأن الخيال في الميدان أفضل، وأن السياسة تعلو كل شيء. ما حدث ويحدث أكثر جللاً، بعد الكتابة اكتشفت أنها لم تأت من الفرح بالثورة، لكن من الخوف عليها، من الإحباط الملازم للحلم. كرهت الكتابة كي لا أكون مصدر شؤم، كرهت أن يكون ما أكتبه قابلا للتحقق، وها أنا للآن أبتهل إلى الله ألا تكون مخاوفي صحيحة، ولا أعرف هل صمتي يعود إلى خوفي أم لأنني للآن أقل من أن أتعرض إلى هذا المجد العظيم بالكتابة عنه شعراً أو سرداً، فله الله نجيب محفوظ، كيف استطاع الصبر على تلك السنوات العجاف في متاهة التأمل.

تزاحم
ويشير الشاعر علي عطا إلى أن الثورة حدث لا مفر من انعكاسه على تجربة أي مبدع. ويقول: قد رأينا منذ 25 يناير وحتى الآن تزاحما بين المبدعين أو ربما سباقا لنيل شرف الارتباط إبداعيا بحدث الثورة، حتى ولو جاءت النتيجة سطحية ومباشرة في كثير من النماذج، سواء كانت نثرا أو شعرا أو فنا تشكيليا، وحتى بالنسبة إلى المسرح والسينما والموسيقى والغناء. الرؤية غائمة وأظن أن من سارعوا إلى التجاوب إبداعيا مع حدث 25 يناير وتداعياته باتوا يدركون ذلك الآن وربما ندم بعضهم على تسرعه وقرر التروي إلى أن تنجلي الصورة وتتضح معالمها، وهذه مسألة بديهية في الإبداع. وعن نفسي فإنني كتبت عددا لا بأس به من القصائد خلال عام 2011 ولكن لا علاقة لها بالثورة. أقصد أنه لا توجد علاقة مباشرة بميدان التحرير وتضحيات الثوار وتنحي الرئيس وانطفاء السيدة الأولى والصراع المكتوم والمعلن على السلطة. ثمة علاقة بالتأكيد بين ما نبدع والواقع الذي نعيشه بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورصد تلك العلاقة وكشف مداها يقع بالتأكيد على عاتق النقاد. أنا مثلا أتوقع انعكاسا ما لثورة 25 يناير وتداعياتها على رؤيتي الإبداعية. أرى حتمية المقاومة، بعدما أثبتت جدواها. مقاومة الفساد والقمع والقبح والتردي على المستويات كافة، لكنني لا أعرف كيف سيتجسد ذلك إبداعا، مع العلم أنني لا أؤمن بالقصدية في الإبداع لأنها حتما تضعفه.

إبداع الشعب
ويقول القاص والروائي أحمد طوسون: إذا كان الكتاب ملهم روح الثورات (لا أذكر اسم صاحب المقولة)، فإن الثورات هي روح الكتابات العظيمة التي تُنضج التجربة الإنسانية كما حدث في الكتابات التي أعقبت الثورة الفرنسية.
بالنسبة لي لا يمكنني الكتابة عن الحدث أثناء معايشته.. كنت أعكف على كتابة رواية جديدة تتناول الوضع الثقافي والاجتماعي المصري قبيل انتخابات 2005 وما بعدها، وحين هبت رياح الثورة توقفت عن الكتابة لأن الإبداع الجمعي للشعب المصري تخطى كل كتاباتنا. نحتاج ككتاب إلى الكثير من الوقت لنعايش ونرى ونحلل ونستوعب ونستخرج من أحشاء الثورة كنوزها ولحظاتها الإنسانية الخالصة. كل لحظة تمر بالثورات تكشف عن الجديد، فالثورات هي الكتاب الملهم للإبداع ولا يمكن اختزالها في الكتابات اللحظية والتي مهما برع أصحابها في صياغتها الفنية، فإنها ستكون أشبه بصورة الفوتوغرافيا ذات البعد الواحد، وأستلهم هنا مقولة النفري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”، فهي مقولة تعبر عن عجزنا عن الإحاطة الكلية بالمشهد المتسع.
فرؤيتنا الإبداعية يجب أن تنضج مع الأحداث ولا يجب أن ننصاع لأفكارنا ورؤانا السياسية الجاهزة، في انتظار ما ستتمخض عنه الثورة من مولود جديد.

زاد للأدب
وترى الكاتبة والروائية انتصار عبد المنعم أن ثورة 25 يناير لن تكون بداية تأريخ لحقبة جديدة فقط، بل سيمتد أثرها إبداعيا لتكون فتحا لأعمال أدبية فارقة جاءت أحداثها عن معايشة ورؤية لتساقط الشهداء.
وتضيف: الثورة أصبحت زادا متجددا للأدب وهذا من شأنه خلق حالة من الحراك، بل حالة من البعث للواقع الثقافي الذي طالما وصفناه بالركود.. ولكن أجود الأعمال لن تخرج إلا بعد فترة يستطيع فيها الكاتب هضم الأحداث التي توالت منذ بداية الثورة في 25 يناير إلى لحظة التنحي، ثم ما تبعها من أحداث غير مفهومة وغير مبررة من عدم محاسبة قتلة الشهداء والمسؤولين عن الفساد. فالكاتب إن أراد الكتابة عن بدايات الثورة بأفراحها، لن يستطيع تناسي دماء الشهداء، كل ذلك سينتج أدبا فارقا تمتزج فيه مشاعر الفرح بخيبة الأمل، والتطلع باليأس.
بل سيكون الاختلاف في رسم شخوص أي عمل أدبي، فكما أخرجت الثورة أجمل ما لدينا، فهي أيضا أظهرت أسوأ ما فينا.. فنحن لسنا بملائكة، وإن كان هناك من ضحى بحياته من شرفاء فقد خلفوا وراءهم الكثير من الأنذال الذين يشوهون ما قام به هؤلاء الشهداء. ولذلك ستكون لدينا صورة واضحة للبطل النذل والشهم والفصامي ولكن بمقومات جديدة تطبعت بطابع العيش ضمن جماعات مختلفة جمعتها وحدة الفكرة. وسيشمل التغيير النظرة إلى المرأة ليس بصفتها البيولوجية كأنثى، ولكن كمواطنة كاملة الأهلية، عانت مثل الرجل وأكثر منه أحيانا. المرأة تساوت مع الرجل في الألم والمعاناة وامتهان الكرامة، ولذلك خرجت تطالب بحقها في حياة كريمة لها ولابنها ولزوجها ولمصر. ولذلك أتوقع أن ينظر لها الأدب نظرة منصفة معترفا بأن نضالها كان في ميادين الثورة وليس في تبذلها وكشف جسدها.

«تنظيف» ثقافي
ويعتبر الروائي محمد العشري أن الكتاب في مرحلة التقاط الأنفاس، والتعمق فيما حدث من نجاح للثورة في بدايتها زلزل الكيانات، وخلخل مفاهيم كثيرة، لذا يحتاج الأمر إلى التأمل والتعايش الآن، أكثر مما يحتاج إلى كتابة.
ويوضح أن ثورة يناير والثورات العربية ستنتج نوعاً مغايراً من الأدب، بمفاهيم ورؤى جديدة تتناسب مع كسر القيود والتحرر منها، كذلك لابد أن يظهر تأثير تلك الثورات بشكل إيجابي لأنها حررت المجتمع من خوفه، وكشفت الزيف والخداع اللامتناهي الذي كنا نحيا فيه ونلمسه، وما زالت تكشف الوجوه المتلونة، والفاسدة، وتسقط وتزيح في طريقها كثيرين ولم نكن قادرين على إزاحتهم. ذلك على المستوى السياسي والاجتماعي، وما زال الأمر يحتاج إلى “غسيل وتنظيف” على المستوى الثقافي من الرؤوس التي صدعتنا بوجوهها اللزجة في كل مكان.
لأنه حتى الآن ما زالت وزارة الثقافة تعيش بالمفاهيم القديمة، وتحاول أن تجاري أحداث الثورة بمؤتمر هنا، ومعرض هناك، لكن لابد أن يكون لها دور حقيقي في نشر الثقافة وجعلها سمة ولازمة حياتية في حياة المواطن العادي قبل المثقف. هناك أمور وأشياء كثيرة يكمن أن تقدمها وزارة الثقافة للمواطن وخدمات حقيقية يمكنها أن تجعله أكثر تفاعلاً بحيث تصبح الثقافة في النهاية سلوكا نحيا به.
لا أخفي عليك أنني غير قادر على الكتابة الآن فيما يخص الثورة وأحداثها، وتأثيرها، خاصة أننا نعيش كل يوم على الحافة بأحداث جديدة، سواء في الداخل، أو في الخارج مع متابعة الثورة في سوريا، والقتل الوحشي اليومي، الذي يدمي القلب والروح معاً.
لذلك أعود من وقت لآخر لمتابعة ومحاولة الانتهاء من روايتي الجديدة “تانيس.. رائحة منسية”، وهي جزء أول من مشروع روائي أخطط له منذ فترة لرصد التغييرات التي طرأت على الريف المصري من خلال قرية تقع على ساحل بحيرة المنزلة،‏ هجر معظم أهلها حرفة صيد الأسماك،‏ وانتشروا في البلدان العربية،‏ مخلفين وراءهم بيوتاً ونساءً وأطفالاً في حاجة إلى من يرعاهم،‏ تاركين الأسماك تتوحش في مياه البحيرة ويأكل بعضها بعض‏ا.‏ هي رواية متوغلة في “تانيس” القديمة، تلك المدينة الفرعونية التي تمجد القطة باستيت، الغارقة في السحر، ومن جرائه غرقت تحت مياه بحيرة المنزلة، واكتشفت مؤخراً بعض آثارها الباقية تحت الماء. تمر الأحداث بتتبع سيرة الفلاح المصري القديم وارتباطه بالأرض والمكان، وصولاً للفلاح العصري. وتتوقف الأحداث أمام وباء اجتاح الريف المصري في بدايات هذا القرن، وما زال كبار السن في مصر الآن يذكرونه “وباء الكوليرا الشهير سنة 1947”، والذي انتقل من الهند- موطنه الأصلي- عن طريق بعض جنود الاحتلال الإنجليزي، وقد بدأ الوباء في معسكر الجنود الإنجليز في التل الكبير ثم انتقل إلى بلدة القرين بمحافظة الشرقية ثم انتشر كالريح في جميع أنحاء مصر وقد أدى الوباء إلى وفاة حوالي عشرين ألف شخص. وينتهي هذا الجزء من الرواية عند أحداث هزيمة 1967، وتأثيرها في الروح المصرية، مع وصول الفكر الناصري إلى ذروته. من أجل استكمال أحداثها السردية في أجزاء أخرى للوصول إلى الوقت الراهن.

المصريون لا الشعراء
ويقول الشاعر حمدي عابدين: كنت أعي تماما أن الشعر بإنسانيته قادر على المدى الطويل على البناء. لذا سعيت عبر قصائدي لرصد كل ما هو إنساني قانعا بأن هذا هو الذي سوف يكتب لقصائدنا الحياة. هذا هو وعيي بالكتابة الشعرية ورؤيتي لدورها في حياة الشعوب. كانت كتابتي تحفل بهمس حزين ممض، لكنني لاحظت قبل قيام الثورة بسنوات أن هذا الهمس الحزين توارى لتحل مكانه لغة حادة تعبر عن حالة ثورية تجلت في قصائد ديوان صانع العاهات، والقصائد التي تلتها والتي تابعت مقتل خالد سعيد وأحداث كنيسة القديسين وغيرها مع جرائم ارتكبها مجرمو نظام المخلوع في حق مصر.
هذه الحالة تنامت بداية من ليل 25 يناير وأنا أسير بجوار أصدقاء لي في قلب ميدان التحرير لكنها لم تأخذ طزاجتها، لأنني في صبيحة اليوم التالي كنت على موعد مع غربة لم تطل، لكن هذه الغربة جعلتني أتعامل مع الكتابة الشعرية بروح من تمنى أن يشارك في ثورة كان يؤمن بأن المصريين سوف يشعلونها في لحظة ما، المصريون وليس الشعراء. وقد جاءت قصائدي من هنا فاضحة لكل مظاهر الوثوب على الثورة وكل محاولات إخمادها. كنت أرى، وأنا اكتب، كل ما يحدث الآن، لذا سعيت من غربتي إلى فضح كل المواقف المناوئة للثورة المصرية، وهذا ما كنت مقتنعا به كدور للكتابة الشعرية، سعيت لفضح هذا العالم المتواطئ الظلامي الذي يعمل بروح خفاشية ضد العدل والحرية والخير والجمال.

اقرأ أيضا