الاتحاد

الملحق الثقافي

الرواية الخليجية.. روح المكان ومرآته

الرواية هي سرد قصصي جاء من بيت القصة ويكتب نثراً. وفي كل رواية شخصيات تتداخل أدوارها وانفعالاتها وتنتهي بحل العقدة الروائية. وتعتبر الرواية من الفنون الأكثر رحابة واتساعاً لشرح تطورات الأحداث وعلاقات الشخصيات في مراحل حياتهم المختلفة. وقد تستمد الرواية وقائعها من الخيال أو الواقع أو الإثنين معاً، فهي: “حكاية عن الأحداث والأعمال وتصوير الشخصيات بأسلوب مشوق جذاب ينتهي إلى غاية مرسومة. وهي نوع من أنواع الفن القصصي، وهي النوع الأحدث للقصة. وتتناول مشكلات الحياة ومواقف الإنسان المعاصر منها “.

يتكون شكل الرواية الأدبي من: أدب سردي يحكيه راو، أطول من القصة القصيرة، لغة نثرية، عمل قوامه الخيال. أما عناصر الرواية فتتمثل في: الفكرة: وهي موضوع الرواية الأساسي. الحادثة: وهي الحبكة التي تتأزم فيها الرواية وتتشابك حتى تتدرج إلى الانفراج والحل. وتنقسم الحبكة ثلاثة أقسأم هي (المقدمة – العقدة – الحل). الشخصية: وهو الإنسان الذي يقدمه لنا الكاتب ويرسم ملامحه. وشكل الشخصية عنصر الرواية الأساسي. البيئة: هي الظروف المكانية الثابتة أو الطارئة التي ترافق الأحداث داخل الرواية. الهدف: وهو ما يسعى إليه الكاتب، ويعتمد في الأساس على رؤية الكاتب لإخراج الرواية بشكل ناجح. الأسلوب: وهي طريقة الكاتب في استخدام كلماته وتراكيبه اللغوية (الحقيقية والمجازية). ويجب أن يعي الكاتب نوعية الجمهور الذي سيقرأ الرواية، ويصمم أسلوبه بما يجذب انتباه القارئ.

أنواع الرواية
تتعدد أنواع الرواية حسب أهدافها، فهناك الرواية الرواية التعليمية: التي برع فيها (رفاعة الطهطاوي)، والرواية التاريخية: التي برع فيها (جرجي زيدان ومعروف الأرناؤوط)، والرواية الاجتماعية: وهي أكثر أنواع الرواية انتشاراً، ولها ثلاثة أشكال: الإقليمية: ومثالها (زينب) لمحمد هيكل، و(زقاق المدق) لنجيب محفوظ، والعمومية: ومثالها (فتاة مصر) ليعقوب حزوق، والشخصية: ومثالها (الأجنحة المتكسرة) لجبران خليل جبران، و(قدر يلهو) لشكيب الجابري، والرواية الفلسفية: التي تشكل مزيجاً من القضايا الفكرية والاجتماعية، ومثالها: (حي بن يقظان) لإبن طفيل، و (رسالة الغفران) للمعري.

نشأة الرواية
يؤرخ استخدام كلمة “رواية” لأول مرة في انجلترا في القرن السادس عشر، عندما عرفت في القصة الإيطالية، مثل “الديكاميرون” لـ “بوكاشيو”. أما الرواية الحديثة فيعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر، وتمثلها روايات “دانيل ديفو” و”صامويل ريتشاردسون”. وفي فرنسا برع “روسو” في رواية “ألوان الجديدة”، ورواية “بول وفرجيني” لـ “برنادين دي سانت بير” ورواية “كورين” لـ “دي ستايل”.
مع حلول القرن التاسع عشر أصبحت الرواية من أكثر الفنون أهمية، وتنوعت ما بين التاريخية عند “والتر سكوت” و الاجتماعية عن “جين أوستن”، والسياسية عند “وليم جودين و بنيامين دزرائيل”، والعاطفية عند الأختين “شارلوت وإميلي برونتي”. وبعد ذلك ظهرت روايات المغامرة عند “روبرت لويس ستيفنسون ورديارد كبلنج”. وفي أواخر القرن التاسع عشر اتجهت الرواية إلى الطابع الواقعي عند “جورج مريديث” و”توماس هاردي”. وفي فرنسا حفل الأدب بأسماء من الاتجاه التاريخي للرواية عند “دوما و هوجو” والتي غلب عليها طابع المغامرة. وفي روسيا ظهرت الروايات العظيمة التي كتبها “جوجول، تورجينيف، دستويفسكي، ليو تولستوي”. أما رواية “قوة الحنان” التي ألفها “وليم هيل بروان” عام 1789 فهي أول رواية في الأدب الأميركي.
الرواية العربية
وفي الأدب العربي تعتبر الرواية فناً جديداً رغم أن البعض يرجعه إلى العصر العباسي حيث ظهور السير، وبعض الروايات مثل “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة”، ومقامات الحريري، و”البخلاء”، والقصة الكاملة ذات الطابع الفلسفي هي “حي بن يقظان”. أما الرواية الكاملة فقد كانت “زينب” لمحمد حسين هيكل عام 1914، ثم جاءت قصص محمد تيمور، ومحمود تيمور، ثم ظهر أدب “طه حسين” الذي ركز على شرائح المجتمع المصري، ويلاحظ أنه تأثر بالأدب الفرنسي. كما تأثر آخرون بالأدب الإنجليزي مثل عباس العقاد في رواية “سارة”، والمازني في رواية “إبراهيم الكاتب”.
وظهرت اتجاهات أطلق عليها “المدرسة الواقعية الحديثة” التي تأثرت بالأدب الروسي. وفي الأربعينات ظهرت روايات عبد الحميد جودة السحار، إحسان عبد القدوس، طه حسين. وبعد هزيمة 1967 اتجهت الرواية اتجاها جديداً حيث عبرت عن الثورة على المفاهيم التقليدية، حيث تداخلت الرواية مع الخيال والواقع والتاريخ. وأصبحت تميل إلى التعقيد والتشابك.

الرواية الخليجية
أخذت الرواية الخليجية المنحى الرومانسي في بداياتها. وقد تكون رواية “شاهندة” لراشد عبد الله من الإمارات، من النماذج الأولى الواضحة لهذا الاتجاه، وفق ما يذكره عبد الفتاح صبري في كتابه “مدخل ضروري عن الرواية الإماراتية”.
وقد تطرقت الرواية الخليجية لحالة التحول من حياة الصحراء والبحر إلى حياة المدينة ومقاربة أدوات التحديث بعد اكتشاف النفط، التي نقلت المجتمع الخليجي من بساطة العيش وقسوته، إلى تعقيد المدينة ورحابتها. وجاءت تلك النقلة بأفكار وآليات الاستهلاك الجديدة، كما أنها ساهمت في النزوع نحو “الفردانية” والبحث عن الجديد. واستلهمت الرواية الخليجية التاريخ حيناً والتراث أحياناً أخرى. وابتعدت قليلاً عن الصراعات الاجتماعية كي تقارب البوح الذاتي القريب من السيرة الذاتية، التي ظهرت في الحنين إلى القرية أو الساحل، أو ذكريات اللعب مع الأقران، إلى جانب بعض التشابكات مع الواقع، بما فيه من إخفاقات أو الـ “تابوهات” الممنوعة مثل الجنس أوالدين أو السياسة.
وشكّل الزمان والمكان منطلقاً مهماً للرواية الخليجية. وكانت الصحراء مصدر إلهام للوحات متمازجة من الواقع والخيال والأسطورة. ففي رواية شاهندة نرى مثال الزمان: “سارت القافلة في صمت كصمت القبور، وبعد مسيرة عدة أيام حطت قافلة الصمت حول شبه واحة في تلك الصحراء الممتدة بلا حدود،”. كما نرى مثال المكان في نفس الرواية: “بدأت الشمس الذهبية تغيب في المجهول، وبدت قشرة الذهب التي تكسو هذه الصحراء اللامتناهية تنسحب رويداً رويداً، وبدت الصحراء كأنها تلال من الوحل والظلام، وأعطى الظلام لبحور الرمال نوعاً من القسوة والوحشية”.
وإذا ما أتينا إلى البحر، فإن الروايات الخليجية حفلت بالعديد من النماذج التي تناولت البحر من حيث المجهول الذي يذهب إليه الغواص، الخوف، الوحشة لغياب الأهل والأحباب، الصراع، قسوة الربان “النوخذا” في بعض الأحيان. ولقد ظهر اسم جاسم القطامي في أواخر الأربعينيات في هذا الاتجاه، ثم فهد الدويري، ثم سليمان الشطي.
ولقد استخدم الكاتب الخليجي أدوات البحر. ولم يكن البحر – بكل قسوته – ليمنع ورود الأحلام الرومانسية في الرواية الخليجية، كما نقرأ في رواية صلاح صالح: “نزلنا من الباخرة بعيدين عن الجزيرة، وسرنا في شراع فوق منازل اللؤلؤ الراقد تحت الأمواج، والبحر ساعتئذ رهو، والهواء عليل، وشمس الصباح تتهادى على الاثنين، فبدت المنامة خلالها مشرقة بيضاء، كأنها أبراج شيدت من اللؤلؤ، بل هي أميرة اللآلئ”.
وفي “العدامة” لتركي الحمد، نشاهد تصويراً فيلمياً لمشهد الموت الذي يعاصره البحارة فوق السفينة: “نظر سالم إلى مياه الخليج المتناثرة، الأمواج تعلو وتعوي كالذئاب. أصابت سالم حالة من الجنون، قرر أن يتحدى مياه الخليج. وفي يوم عاصف بدأ يخلع ما عليه من ملابس، ويقفز عارياً تماماً في هذه المياه. وظل يسبح في هدأة الليل، يصارع الأمواج في طريقه إلى الجزيرة التي يجلس فوق صخورها من آن لآخر”.

بنية الرواية الخليجية
السرد: يمثل السرد بضمير الغائب، وما يمكن أن يطلق عليه أسلوب “السيرة الذاتية” في السرد أو السرد الملحمي، أول هياكل الرواية عموماً. ولقد اعتمدت الرواية على أسلوب السرد بضمير المتكلم، خصوصاً في الروايات الحديثة، والاجتماعية منها بالذات. وهو أسلوب يراه النقاد “مراوغاً” من حيث أنه “يخفي داخله أسلوب الحكاية المتناسلة التي يقوم بها راوٍ ملحمي يبدو حديثه أقرب إلى الراوي بضمير الغائب. صحيح أن الرواية تتقاطع مع السيرة الذاتية، وأسلوب السيرة الذاتية مسّوغ من ناحية الخبرة الروائية لدى المؤلف الذي يميل في روايته الأولى إلى استبطان تجربته الذاتية والاتكاء على مخزون تجربته الشخصية”. (انظر: ابراهيم السعافين، التقنيات السردية في الرواية الخليجية).
ونجد مثالاً لهذا الاتجاه في رواية “أحضان المنافي”، حيث تخفى الكاتب خلف الراوي، وعالج بضمير المتكلم مواقف إنسانية تبدو وكأنها متخيلة. كذلك نلاحظ السرد بضمير المتكلم عند صبا الحرز في روايتها “الآخرون”.
النمط الآخر للسرد هو بضمير الغائب، كما نجد ذلك في رواية تركي الحمد “ريح الجنة”: “كان محمد متردداً في الذهاب إلى المكتبة، فقد كان نافراً من الرمز لسبب لا يدريه. ولكنه في النهاية صلى ركعتين واستخار الله، وقرر أن يذهب”.

الشخصية
تمثل الشخصية ركناً مهماً في الرواية حيث تمازج في سلوكياتها وأنماط تفكيرها مع الحدث الروائي ومع المكان والزمان وبقية أدوات الرواية. وعبر الشخصية يقوم الكاتب بتحويل مجرى الأحداث ونقلها من مكان إلى آخر، تماماً كما تكون الشخصية الجسر الأهم للحالات النفسية والانفعالية التي تموج بها أحداث الرواية. الشخصية في الرواية الخليجية دوماً نجدها تعيش الحالة والزمان والمكان. الروائي الإماراتي علي أبو الريش تعامل مع الشخصية الروائية على أنها كائن حي له وجود تام، ونحت ملامحها على غرار الروائيين التقليديين، وأوكل لها المهام التي ترسم الخَلقية والخُلقية:
“أجل إن أبي من هذا الشعب القوي العنيف الصامد الذي لا ينكسر، إلا أنه يسعى لكسر القيود وتحطيم الأغلال. الليل العابس الذي ينشره الخوف في عيني لا مكان له في عين أبي، القيد المكبل لا حيلة له أمام ساعدي أبي المحروقتين، القوة تتدفق من عينيه كالشعاع المنير المنبعث من سراج مرفوع فوق قمة جبل”. (رواية السيف والزهرة).
ونلاحظ أن الشخصية في الرواية الخليجية يمكن أن تكون “بطلاً” غير منازع من حيث استحواذها على معظم أحداث الرواية كما هو الحال في رواية “أبو شلاخ البرمائي” لغازي القصيبي، وقد تشارك البطل شخصية أو أكثر في أحداث الرواية، كما هو الحال في رواية “الأرجوحة” لحمد الحمد حيث شخصية “شافي” و”سعد” و “مريم”.
ونفس الشيء نجده في رواية “العيش في منطقة حدودية” لساير المسباح. حيث تقع أحداث الرواية في منطقة “حفر الباطن” في السعودية، ويتورط بطل الرواية “راشد المعدل” في عمليات تهريب إلى الكويت والعراق. ولقد مزج الكاتب مزجاً فنياً بين البيئة الصحراوية في المنطقة وبين سلوك الشخصيات وما ينتابها من خوف وترقب، في الوقت الذي ظلت فيه زوجته “منيرة” في الظل تقريباً، مستجيبة لكل ما يأمر به زوجها حتى لو كان الأمر متعلقاً بوقوعه بيد الشرطة، لكن الكاتب حجز مساحة واضحة لـ “صالح” مخطط عمليات التهريب وممولها.
خلاصة القول عن الشخصية في الرواية الخليجية أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بخبرة المؤلف وتجربته الذاتية. وقد تكشف “اللاشعور” لديه. وللأسف، لاحظنا على بعض الروايات حاجتها لتوصيف دقيق وواضح ومعبّر عن الشخصية كي يبرر المؤلف اتجاهاتها وسلوكياتها. أي أن البعض لا يغوص في سيكولوجية البطل أو الشخصية عموماً والتي تبرر تصرفاتها، ونجدها مسطحة ترتبط بالحدث ولا تؤثر فيه أو تساهم في تطوره. ذلك أن الشخصية في الرواية الاجتماعية تمتلك ميزات لا نجدها في الشخصية التاريخية من حيث انطلاق تلك الشخصيات الاجتماعية “من الذات الإنسانية ومن داخل المؤلف ولا شعوره تماماً، لتتطبع بطابع إنساني حي. وتبعاً لذلك تكتسب حياة ولا تتمرد”، حسب نجم عبد الله كاظم في جماليات الشخصية في الرواية العراقية بعد مرحلة الريادة.

الحوار
يشكل الحوار اتجاهاً مهماً ومؤثراً في الرواية الخليجية ويساعد على كسر حدة السرد أو الوصف، مما يعتبر “استراحة” لتأكيد الفعل السردي بلون مختلف. وهذه الاستراحة ليست للاسترخاء أو الترف الفكري بقدر ما هي تعزيز لسير الأحداث، وزيادة حجم الوصف للشخصية التي يرد الحوار على لسانها. ولقد درجت معظم الروايات الخليجية على استخدام “العامية” في الحوار، كونها أقرب إلى الحدث وإلى البيئة وأكثر تعبيراً عن الشخصيات. ولكن وردت “الفصحى” في العديد من الروايات الخليجية مثل “شقة الحرية” لغازي القصيبي، و”تداعيات الفصول” لمريم آل سعد، و”ترمي بشرر” لعبده خال، ومن الروايات الخليجية التي جاء فيها الحوار بالعامية رواية “العريضة” لنورة آل سعد، ورواية “الحمام لا يطير في بريدة” ليوسف المحيميد، ورواية “شارع العطايف” لعبدالله بن بخيت.
كما نُشرت روايات لم يكن فيها حوار البتة، أو كان الحوار نادراً في موقع أو موقعين من الرواية. كما نجد في رواية “الجنية” لغازي القصيبي، ورواية “سلالم الهواء” لمحمد عبدالملك، ورواية “محمد صالح وبناته الثلاث” لعبدالله المدني؛ حيث خلقت الرواية الأخيرة من أي حوار باستثناء سطرين أو ثلاثة في نهاية الرواية.
نحن نعتقد أن الحوار يشكل إضافة أساسية لجماليات الرواية الخليجية، مع تأكيدنا على ضرورة تفسير الكلمات المغرقة في الشعبية “في الهامش” حيث يمكن أن تُشكل على القارئ غير الخليجي.

الزمان
لا شك أن الزمان ركن مهم من أركان الرواية، إذ لا يمكن إقناع القارئ بأن البطلة لبست الجاكيت أو “الفرو” الثمين ونزلت إلى الشارع، دون وصف زمن الحدث وهو الشتاء طبعاً. ويتجاوز الزمان زمن الراوي أحياناً ليعود إلى الوراء “كنوع من الفلاش باك” على هيئة منولوج داخلي عبر البطل أو البطلة أو داخل رسالة أو نحوه، أو ليذهب إلى المستقبل في إشارات تنبؤية دالة على تطور الأحداث لتصل إلى ما يرد أن يصل إليه المؤلف. إن إيقاع زمن الطفولة يختلف عن إيقاع زمن الشباب أو سن العقل! وبذلك لا بد وأن نقرأ التحولات على تصرفات الشخوص داخل الرواية من خلال الزمن. وكثير من الروايات العربية عكست التحولات الزمانية بالانتقال من القرية إلى المدينة “وهما مكان” لكن عالم القرية يفرض أيضاً الزمان. ويفرض سلوكيات ومشاهد ذاك الزمان، تماماً كما عكست المدينة النزعات التحررية والإيقاع السريع للزمن على الشخصيات.
وللأسف ظهرت روايات لم تعكس الزمان بصورة مقنعة أو كافية. لأنها روايات اجتماعية قد ينأى بها أصحابها عن الزمان لمحاذير رقابية أو سياسية. أو لجهل بتلك الخصوصية. وأحياناً يلجأ الكاتب إلى الإرباك المتعمد في تداخل الأزمنة، وهو اتجاه يُشكل على القارئ خصوصاً إن حصل ذاك التحول دون مقدمات أو مفاتيح تنبه القارئ إلى التحول الزماني.
في رواية “الحمام لا يطير في بريدة” نلاحظ الزمان متواجداً في الصراع بين الليبراليين والمتشددين، معروف أن “بريدة” معقل المتشددين في المملكة العربية السعودية. كما كان حاضراً بوضوح في رواية “العريضة” لنورة آل سعد. حيث تتحدث الرواية عن الحراك السياسي في مراحل مختلفة، ما يقّرب الرواية من التاريخية، وعن أحوال عمال البترول في منتصف الأربعينيات، وكذلك فرص العمل المتاحة في ذاك الزمن، والأفكار التي كانت سائدة في عقول الشباب من ماركسية وقومية وغيرها، إلى موضوع النقاب والعمل المختلط الذي حتّمته الفترة التحولية في حياة المجتمع، وأساليب الإدارة في المؤسسات. كما نلاحظ تداخل أدوات الزمان مع أدوات المكان. وفي العديد من الروايات الخليجية ربط الكتاب بين أحداثهم التي صوروها في الرواية وبين الأحداث التي تقع أثناء كتابتهم للرواية. وهذا ما نلاحظه في رواية “الكليجا” لعلي القحيص.
ونلاحظ أيضاً تلازم الزمان والمكان في الحدث. ومن نماذج استخدام الزمان للكشف عن سلوكيات وأفكار مجتمع الرواية ما نجده عن عبد الله بخيت في رواية “شارع العطايف”: “طرأت على حياته تجربة حب واحدة كانت تنقذه من شغفه بنوف، لكنها في النهاية أدت إلى العكس، عندما اشترى والد “سعندي” أول جهاز تلفزيون في الحارة، وضعه في البداية في الروشن، ولكن مع تكاثر زيارات الجيران للمشاركة في مشاهدة التلفزيون اضطر إلى أن ينقله إلى المصباح الذي يغطي مدخل الروشن حتى يمكن مشاهدته من الداخل والخارج. فصارت النساء تجلسن في داخل الروشن والرجال في المصابيح الخارجية، لكن هذا لم يمنع من بعض الاحتكاكات السريعة بين الجنسين”.
أحياناً لا يتجاوز الزمان حدثاً معيناً أو مهمة محددة، كما نجد ذلك في رواية عبد الله المدني المسماة “بولقلق” حيث أخذت الرواية شكل سيرة ذاتية محكية عن فترة كُلف فيها البطل “خالد” بمهمة في مانيلا و بانكوك بواسطة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، لتسجيل النازحين من الحرب الفيتنامية عام 1975. وبشكل التحقيق الصحفي يغوص الكاتب في ثنايا ضحايا الحرب، ويروي على ألسنة الضحايا ما تعرضوا له من إهانات وتعذيب في طريق هروبهم من جحيم الحرب، ونلاحظ دقة الكاتب في التقاط خيط الزمن. وهكذا نرى أن للزمان أهمية كبرى في تداخل أحداث الرواية خصوصاً مع اقترانه بالمكان، والذي كما قلنا يشكل أفكار ورؤى وتصرفات شخصيات الرواية.

المكان
لا يوجد حدث إلا ويحدث في مكان معين. ولا توجد شخصيات أو حوارات أو حوادث إلا وتجري ضمن نطاق جغرافي يختلف باختلاف الأزمنة ورحلات الشخوص داخل الرواية.
“والمكان حاضن الوجود الإنساني وشرطه الرئيسي، وأكثر متلازماته قابلية للتحول، واختزال المفاهيم هو الاكتظاظ بعدد كبير من الحدود والتصورات والمحمولات وشحنات الجَمال. فالمكان قابل لزحم المسافات الهائلة القائمة بين أصغر مساحة يتخيلها الإنسان وأقصى ما يمكن أن يكون عليه الكون العظيم”. (عبد الحميد المحادين، الزمكانية في الرواية الخليجية).
الرواية الخليجية اعتمدت على مكانين مهمين – كما سبق بيانه – هما الصحراء والبحر. وإذا ما أضفنا عامل النفط، كشخصية لها مكانها المحدد في الرواية الخليجية، حيث مقار شركات النفط، مثل “أرامكو” السعودية، و”عوالي” البحرين، و”دخان” قطر، فإن التحول في الشخصية الخليجية في الرواية قد تأثرت بذاك المكان حتى باللغة التي تعلمها العمال من الأجانب، كما ساهمت المدينة – بكل مظاهرها وتكويناتها - في إثراء الرواية الخليجية. نلاحظ مكان العمل في رواية “تداعيات الفصول” لمريم آل سعد، وكيف أن المكان بتوجهاته القذرة قد صاغ شخصياته في قالب محدد هو الفساد:
“ اتسعت حدقتا عينيها غير مصدقة ما تسمع، غير متوقعة أن تكون ردة فعل الوزارة على ما يحدث فيها من فساد هذا الأسلوب الرخيص. هل هذا تقييمهم للموقف؟ إسكات مثيريه وشراؤهم وجرهم للجوقة، وإجراء غسل مخ للنزهاء لتلطيخهم ولإسعاد العصابات الفوضوية، وإغراقهم أكثر في مستنقع الفساد”.
المكان أيضاً يتجلى في رواية “شقة الحرية” لغازي القصيبي، حيث تحفل الشقة بممارسات الشباب الطائشة، والأفكار المتطرفة والليبرالية، وشقاوة الشباب. ويأخذ المكان في الرواية أشكالاً متعددة مثل: مكان التسجيل في الجامعة، كازينو قصر النيل، نادي الطلبة، الأهرامات، فيلا الباشا، قاعة مبنى جامعة الدول العربية، قصر جمال عبدالناصر. وتكاد تقترب الرواية من روايات نجيب محفوظ لإحاطتها بتفاصيل حياة الشبان الخليجيين في الشقة واندماجهم بالمجتمع المصري.
المكان أيضاً نجده حاضراً بقوة في رواية “محمد صالح وبناته الثلاث” لعبدالله المدني. حيث يستعرض الكاتب البيوت الطينية في إحدى بلدات “برّ فارس” وهجرة “محمد صالح” البلدة إلى الشاطئ الآخر طلباً للرزق. ومن ثم استقراره في “الشارقة”، حيث المكان قد أمّن لهذا الأمي أن يدرس ليلاً ويتعلم القراءة والكتابة ويعمل كاتباً، كما رصد الكاتب دور المكان في تعلم اللغة.
وكما كان للمكان – في الرواية – أثر في اللغة فإن المكان قد أنهى حالة الفراق بين البطل “محمد صالح” وأهله، بل وأصبح ضمن عائلة الميسور “حاجي عبدالقادر” الذي تزوج إحدى بنات “محمد صالح”.
وهكذا نرى أن للمكان حضورا مؤثرا ليس على جماليات الرواية فحسب، بل على سلوكيات شخوصها وعواطفهم وأفكارهم وآمالهم.

اقرأ أيضا