الاتحاد

تقارير

بريطانيا... وعودة براون الممكنة

منذ شهور قليلة كان جوردون براون يبدو، في نظر الكثيرين، كشخصية تعيش تراجيديا شكسبيرية، أو كقيصر سيئ الطبع محوط بمساعدين غير أوفياء، أو ربما حتى كملك يعيش خارج الواقع مثل "الملك لير" ويبدو على وشك فقدان عرشه.
ومع ذلك لا يبدو أن براون مستعد بعد للخروج لتحية الجماهير على خشبة المسرح بعد انتهاء العرض التراجيدي. ولكن، هل انتهى العرض حقاً؟!
لا يبدو أن براون ينوي رفع الرايات البيضاء قريباً حيث يخوض الآن حملة استرداد للمكانة قبل الانتخابات القادمة، وقد نجحت مساعيه بالفعل في تقليص الفارق بينه وبين حزب "المحافظين" المعارض، الذي يقوده ديفيد كاميرون، من 20 نقطة إلى ما يتراوح ما بين 2 إلى 6 نقاط فقط الآن، وذلك قبل أسابيع فحسب من الانتخابات الحاسمة.
ومع أن حزب "العمال" الحاكم لا يزال متأخراً عن حزب "المحافظين" في الاستطلاعات على رغم استمراره في السلطة 13 عاماً، فإن ذلك لا يعني أن البريطانيين يأخذون مسألة هزيمته في الانتخابات القادمة، على أنها أمر مسلم به سلفاً.
ويرجع السبب الأكبر في الزخم الذي حصل عليه الحزب الحاكم في الآونة الأخيرة -وهو ما قد يشد أيضاً من أزر الحزب "الديمقراطي" في الولايات المتحدة- إلى التعافي الاقتصادي الذي حدث هناك.
ومثلها مثل الولايات المتحدة، تعمل بريطانيا على ترسيخ تعافيها الاقتصادي من خلال زيادة الإنفاق العام، وهو ما يعارضه المحافظون هناك الذين يدعون إلى تخفيض الإنفاق.
ولكن الحجـة التي يقدمهـا براون في مواجهة هذه المعارضـة هي أن تخفيض الإنفاق في الوقت الراهن سيقذف بالاقتصاد ثانية إلى دائرة الركود تبدو وكأنها تحظى بقبول الناخبين، وهو ما ينعكس على تحسن وضع "العمال" في استطلاعات الرأي. ولاستشعار "المحافظين" لهذا الإحساس لدى الناخبين اضطروا بما في ذلك رئيس حزبهم نفسه، ديفيد كاميرون، إلى تخفيف لهجة الانتقاد والتحفظ في الدعوة لفرض قيود مالية على الإنفاق على العكس مما كان الحزب يفعل من قبل.
ويعلق "بيتر كيلنر" رئيس مؤسسة "يو جاف" لاستطلاعات الرأي -ومقرها لندن- على ذلك بقوله: "نلاحظ مؤخراً أن الغضب الشعبي من حالة الكساد قل إلى حد كبير... فالناس يشعرون بعدم الراحة عندما يغيرون ولاءاتهم بين الأحزاب في الوقت الذي يكون فيه الوضع الاقتصادي آخذاً في التحسن لأنهم يدركون أن هذا الوضع يمكن أن ينحرف بسهولة عن مساره فيما إذا تم اتخاذ قرارات سياسية مختلفة".
وإذا ما فاز حزب "العمال" في الانتخابات القادمة، فإن ذلك سيعد بمثابة تغير مذهل في حظوظ براون الذي تولى الحكم في بريطانيا خلفاً لبلير عام 2007.
فعلى رغم تولي براون المنصب دون خوض انتخابات، وقد كان يحظى بشعبية قبل توليه إياه مستمدة من السنوات التي شغل فيها منصب وزير الخزانة، إلا أن تلك الشعبية سرعان ما تدهورت في استطلاعات الرأي بسبب التدهور الذي لحق بالاقتصاد البريطاني ومحاولات التمرد والانشقاق على سلطته داخل حزبه وهو ما اضطره للتصدي له بصرامة.
وكذلك تغيرت صورة براون التي كان الجمهور يحفظها له، من سياسي ذكي، معتز بنفسه، وموضوعي عموماً، إلى سياسي عاطفي لا يجد غضاضة في التعبير عن أحزانه وآلامه الشخصية علناً كما حدث في مقابلة تلفزيونية أجريت معه عندما تطرق الحديث إلى وفاة ابنته الطفلة عام 2002.
وقد أدى هذا التعبير العلني عن العواطف إلى ذهول الشعب البريطاني وهو ما عبر عنه "بول كيلي" رئيس قسم دراسات الحكومة في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية الذي يقول عن ذلك: "لعلك تعرف أننا مجتمع عاطفي على نحو ما، ولكننا لا نحب أن نرى سياسيينا وقد اغرورقت عيونهم بالدموع"!
يذكر أن موعد إجراء تلك الانتخابات يجب أن يكون وفقاً للقانون البريطاني قبل الأسبوع الأول من شهر يونيو. ومع أن هذا الزمن القصير نسبياً قد لا يكون كافياً في حد ذاته لضمان فوز "العمال" في هذا الاستحقاق، إلا أن الشعب البريطاني يبدو الآن على استعداد كي يقدم لبراون شيئاً طالما كره أن يقدمه لساسته، وهو ميزة الشك أو بعبارة أخرى أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"!
وفي يوم الجمعة الماضي كان براون يستشعر من نفسه الرغبة والقدرة على الحديث بشكل علني عن شأن رأى الكثيرون أنه يمثل خطأ، وهو قراره دعم إجراء تحقيق حول دور بريطانيا في حرب العراق.
وعلى رغم قوله إنه يفي بالوعد الذي كان قد قطعه الحزب على نفسه بإجراء ذلك التحقيق إلا أن بعض المحللين يرون أن النبش في الظروف التي قادت إلى تلك الحرب غير المقبولة أمر يحمل في طياته قدراً كبيراً من المجازفة السياسية غير المبررة.
وعندما ظهر براون أمام اللجنة يوم الجمعة عبَّر عن امتنان الشعب البريطاني وشكره لأهالي الجنود الذين قضوا نحبهم في حرب العراق وتحدث عن الدروس المستفادة، وهو شيء لم يفعله بلير عندما ظهر أمام تلك اللجنة ذاتها.
ومع أن براون انتقد الخطط الأميركية لفترة ما بعد الغزو إلا أنه دافع عن قرار بريطانيا الانضمام للولايات المتحدة في غزوها للعراق ووصفه بأن كان الخيار "الصائب".
يذكر أن "نيك روبنسون" المحرر السياسي لهيئة الإذاعة البريطانية "بي .بي. سي" كان ضمن من أبدوا إعجابهم بالطريقة التي تعامل بها براون مع التحقيق حيث قال في الموقع الرسمي للهيئة: "لقد بدا الأمر وكأننا نشاهد لاعب شطرنح ماهراً لديه حركة دفاعية جاهزة لصد أي هجوم قد يتعرض له".


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا