الاتحاد

الملحق الثقافي

مشرط العمل التسجيلي

مع أنه مرشح للتنافس على جوائز الأوسكار، قَبَل مهرجان برلين السينمائي في دورته ال64 إدرج فيلم المصرية النشأة، الأمريكية الولادة جيهان نجيم «الميدان» ضمن عروض «الفوروم» في محاولة منه لإبقاء تواصله مع الحراك السينمائي الذي ترافق مع بداية انطلاق «الربيع العربي» وخصص له قبل عامين حيز خاص، وفي هذا العام أدرج الى جانبه عرض فيلم «أريج .. عطر الثورة» للمخرجة فيولا شفيق ليضمن وجوداً مستمراً للسينما العربية التي لا تزال على صلة بالتحولات التي تجري في بلادها، وقادرة على عكس واقعها بخاصة الوثائقية، بحكم وظيفتها التسجيلية شريطة طبعاً توفر المستوى الجيد لتلك الأفلام المختارة كتوفرها في «الميدان» الذي وببساطة شديدة يمكن القول عنه إنه ينتمي الى السينما قبل أي شيء.

السينما الجيدة وللأسف جاءت في غالبيتها من خارج مصر، كفيلم «1/2 ثورة» للمخرجيّن كريم الحكيم وعمر شرقاوي الدنماركي الانتاج، و«التحرير» للإيطالي ستيفانو سافونا وغيرهم من السينمائيين الأجانب الذين صوروا الثورة بمنظور محايد وبأدوات فنية تميزت عن بقية الأعمال المصرية والعربية ذات الصفة الريبورتاجية التلفزيونية الغالبة، ومن هنا بالتحديد جاء تميز «الميدان» لكون صاحبته قد أنجزته بشروط السينما الأميركية التي تعرفها جيداً وسبق وأن أنجزت في اطارها عام 2004 فيلم «غرفة التحكم» الذي يتناول دور المؤسسات الاعلامية الأميركية أثناء احتلال العراق.
عن قرب
الخاص في عمل جيهان انها تعرف مصر جيداً، تعرف ساحة التحرير وتُقيم بالقرب منها لهذا كانت متابعتها لها لصيقة بالمكان وبالتطورات التي شهدها منذ 25 يناير، ووفقها شكلت فريق عملها واختارت شخصياتها المركزية من الحدث نفسه، بفارق حرصها على أن تعبر تلك النماذج بصدق عن النسيج والتركيبة الاجتماعية المصرية كلها فأحمد الشاب المتحمس للثورة من أبناء الطبقة الكادحة السائدة، ومجدي عاشور من الإخوان، وخالد عبد الله الذي ترك اقامته في الخارج وجاء ليبقى في مصر ويساهم في تغييرها أقرب الى اليسار. ثلاث شخصيات كانت بحاجة الى رابط يشدها الى بعضها فكان لمطرب الثورة رامي عصام هذا الدور، مثلما كان لساحة التحرير المساحة الأكبر كمكان شهد الحراك منذ بدايته عام 2011 حتى أواسط عام 2013 حين استجاب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي لنداء ملايين المصريين وقام بإزاحة الرئيس السابق محمد مرسي. اقترابها من شخصياتها الرئيسية، سيسمح لها برسم بورتريهات واضحة الملامح لهم، ويقدم صورة جلية عن خلفياتهم وكيف ستؤثر لاحقاً الأحداث على مواقفهم الفكرية والسياسية ومن خلالها ستتمكن من رسم صورة للبلاد وما جرى فيها بأدوات سينمائية لا بحوارات مباشرة وكليشهات ما أعطي لكل واحد منهم فرصة وصف حالته ومواقفه بحرية وفق المتغيرات التي سجلها الوثائقي خلال أكثر من سنتين كانت كاميرتها أداة التسجيل الوحيدة لتفاصيل المشهد السياسي المصري، ما سمح لمُشاهد الفيلم بالمضي مع السرد البصري الخالص بسلاسة خلال ما يقارب ساعتين من الزمن.
يسجل «الميدان» بمرافقة أحمد وقتاً أكثر من غيره مسار «الثورة المصرية» باعتباره يمثل نموذجاً للوعي المتشكل من داخل الحدث، ومن خلال تجربة حياتية قاسية فرضها الفقر عليه. فالشاب المنحدر من الأحياء القاهرية الشعبية نزل الى الشارع وعمره ثماني سنوات باع فيها شراب الليمون ليعيل نفسه وعائلته فانتمى موضوعياً الى المتضررين من الفساد وجور سلطة مبارك وفي نفس الوقت سيكون من أكثر المستفيدين من التغيير المرتجى إذا مضى في طريقه الصحيح. لم يتردد أحمد بالنزول الى الميدان، وظل فيه حتى النهاية، ومعه كان مجدي عاشور الأخواني المعتدل المنتمي لمصريته أكثر من انتمائه الى تنظيمه فكان شديد الصلة به وبخالد الشاب الواعي المتحدث الانجليزية ذي الخبرة والثقافة السياسية المتقدمة، ومع هذا كانت معارفه بحاجة الى تكامل وجده في الآخرين. وفي هذا الصدد لا بد من الاشارة الى اللغة ومستوياتها في «الميدان» كوسيلة أثرت في الأحداث وفي تشكل الوعي الاحتجاجي. فبمقدار لباقة المصري كانت الحاجة ماسة الى لغة أجنبية فرضتها الأحداث نفسها ولهذا فلخالد تميز سنجده متجسداً في التهيئة والعمل الاعلامي التحريضي، في حين تشكل لغة أحمد ملامح مسار تطور وعيه، فبساطتها لا تلغي عمقها بل ثمة ما يدهش في أفكاره وقدرته على تحليل ما يجري حوله، فيما يبقى مجدي أسير تنازع بين انتمائه الحزبي للإخوان ووعيه الشعبي المحسوس بخيانتهم للثورة في المرحلة التي ستعقب سقوط مبارك مباشرة، ومع هذا فلغته الشخصية الرزينة تعبر عن مصالح تيار قوي في مصر يميل الى الاعتدال وهي أقرب في مضمونها الى لغة أحمد والتيار الشعبي من لغة السلفيين والإسلاميين المتذاكية.

متابعة توثيقية
يركز «الميدان» على موقفي الجيش، بقيادة المشير محمد طنطاوي، والإخوان من ناحية وحركة الشارع المصري بكل أطيافه في ناحية ثانية، ووفقها سيتطور الوثائقي ويسير في الميدان كشاهد على ما يجري فيه. فالمرحلة الأولى التي اتسمت باصطفاف عام ضد السلطة، شهد تمزقاً أحدثه انحياز الإخوان الى الجيش، فيما يشبه الخيانة للحلف الشعبي، شعر به المنتمون الى صفوفه وكانت ردود فعلهم متباينه حوله فيما كانت شديدة وغاضبة من المحتجين الآخرين وبينهم أحمد وخالد. فالاثنان شعرا بأن تحالفاً سرياً يجري تمتينه بين الإخوان وبين قادة الجيش يضمن وصولهم الى السلطة ويبعد عامة الناس عنها وهذا ما حدث بالفعل بعد حين، وحذر منه أبناء مصر ووقفوا ضده منذ البداية وجيهان بحصافتها السينمائية تمسك هذا الخيط ولا تتركه يفلت لأنه هو من سيوصلها الى الحقيقة التي يجري الصراع حولها اليوم حول الموقف من الإخوان ولماذا تدخل السيسي لحسم الأمر. لقد خان الإخوان والتسجيلي يقول هذا بالصور. القضية التي خرج الناس من أجلها الى الشوارع والميادين في حين كان الإخوان يخططون للسيطرة على السلطة على حساب تضحيات الشعب المصري كله، وهذا ما كان!. لـ«الميدان» رؤية واضحة للحدث، تجلت في كشف وفهم الشرخ الذي حدث في المجتمع المصري وكان سببه رغبة الإخوان في استلام السلطة والى الأبد. لقد أرادوها سلطة لحزبهم لا للمصريين عامة وهذا ما سيأخذ قسطاً كبيراً من زمن الوثائقي ليشبعه بحثاً، بمعونة شهادات حية وباستخدام تقنيات مساعدة مثل الرسم والموسيقى.
لعبت الموسيقى دوراً في الثورة والوثائقي يعطيها حقها ولعب الرسم دوره في تعميق متن الوثائقي وله الفضل الكبير في انجاحه. كل العناصر التكميلية استثمرتها جيهان نجيم لتجعل من فيلمها وثيقة تاريخية منتمية الى حقل الفن السابع، حاولت عبرها تكثيف صورة «ثورة» لم يحسم أمرها حتى اللحظة وسيتوقف عليها مصير شعب أراد عبر الشخصيات التي رافقناها تذوق حلاوة الحرية والعيش بكرامة. أفضل ما في «الميدان» أنه ظل مفتوحاً على تحولات محتملة لأنه لم يذهب الى الحدث ويظل أسيره، بل أراد النظر اليه عبر أشخاص، يمثلون شرائح المجتمع المصري، ينتمون لوطنهم أكثر ما ينتمون الى غيره من الجهات السياسية أو الفكرية! في النهاية لابد من قول «برافو» لجيهان ولعملها التسجيلي الرائع!

اقرأ أيضا