الاتحاد

الأبناء يدفعون ثمن خلافات الأبوين

أثناء عملي في إحدى المدارس استوقفتني إحدى التلميذات في الصف الأول بوجهها البريء لتسأل سؤالاً أعتقد أنها احتارت أن تجد له إجابة ، والخوف ظاهر على ملامحها الطفولية· وبكلمات حائرة سألتني: هل يجوز للأب أن يضرب الأم؟
فأجبتها وأنا أمسح على رأسها وأحاول أن أزيل ما يمكن أن يتركه هذا السؤال من شوائب في أعماقها ونفسيتها والتي لاشك ستكون النواة الأولى لتكوين شخصيتها قلت لها برفق ومبتسمة:''لا··لا يجوز للأب أن يضرب الأم''·إلا أنها قالت بنفس العفوية وبكلمات شعرت بها وكأنها قنابل موقوتة- يعلم الله متى ستنفجر في نفسها- إن لم تجد من يزيحها عن طريق تفكيرها أو ينزع فتيلها من أعماقها·قالت:''بس بابا بيضرب ماما''!!
وشعرت أني أمام امتحان صعب وأن إجابتي لها لابد أن تكون حاسمة لتنهي حيرتها وأن أكون صادقة معها لا مجاملة،فلو قلت لها''ربما بابا يمزح أو يلعب مع ماما''لأصبح موقف الضرب أمامها من المواقف التي تستعذبها وتنظر إليه وكأنه لعبة مسلية، وقد تصاب بعقدة التلذذ بالضرب والقسوة!!
ولو قلت لها يمكن قد تكون ماما غلطت لذا ضربها بابا لاهتزت صورة أمها في نفسها وعاشت في رعبٍ من الخطأ أو الغلط مهما كان بسيطاً حتى لا تتعرض لمثل هذا العقاب،ولأصبح الوالد أو الرجل الذي تعتقد أن له في نفسها من المكانة ما يخوله لمحاسبتها هو المارد الجبار فتخافه ولا تحبه، وتكذب عليه ولا تصارحه خوفاً من هذا العقاب·
ولو قلت لها''كل الآباء والأمهات هكذا'' لكرهت الارتباط برجل ما في المستقبل حتى لا يصبح صورة أخرى من والدها الذي يضرب أمها·
كل هذه الإجابات مرت بخاطري في ثوانٍ وأنا أشعر بمدى ثقة الطفلة بإجاباتي فنحن معشر هيئة التعليم نشكل القدوة التي قد توازي إذا لم تزد على قدوة المنزل·
أيها الآباء والأمهات رفقاً بفلذات أكبادكم· كونوا لهم القدوة في السلوك الحسن ساعدوهم على تكوين شخصياتهم السوية،ازرعوا في أنفسهم الاحترام المتبادل بينكم أبعدوهم عن خلافاتكم وإذا كان لا مفر من المشاحنة و الخلاف بل و الضرب فليكن بعيداً عن أعينهم وأسماعهم ادخلوا غرفكم الخاصة وافعلوا ما شئتم·
ما زال صدى سؤال هذه الطفلة باقياً في نفسي يصيبني بالغصة والألم وتخنقني العبرة التي أحياناً ما تجد لها طريقاً لتنهمر منيٍ ترحماً على هؤلاء الأطفال الذين نكون سبباً لتعاستهم مستقبلاً بما يترسب في نفوسهم من سلوكياتنا الخاطئة·
ارحموا أطفالكم إن لم تكونوا تريدون رحمة أنفسكم·

مريم محمد

اقرأ أيضا