الاتحاد

الملحق الثقافي

أحمد عبيد المنصوري: شغفي في جيناتي

حكاية أحمد عبيد المنصوري، مؤسس متحف «معبر الحضارات» في دبي، مع شغفه تستحق أن تروى. فهي دفينة في الجينات على حد قوله، حيث قادته «لوثة عشق الآثار التاريخية» باللاوعي، حينما كان طفلاً دون العاشرة، إلى باب إحدى غرفتين، كان الجد محمد علي المنصوري «راعي القسم» أي قاضي القضاة في دبي حينذاك، يحتفظ بمقتنياته من اللقى الآثارية بهاتي الغرفتين، وعندما حاول فتح أبوابهما لمعرفة ما تخبئان، كُفَّتْ يده بحزم من الأهل، وقيل له حينها: عندما تكبُر تعرف ما بداخلهما. وهكذا صار السر، أو اللغز «يشدني إلى غوايته»، ومن دون معرفة مسبقة بهذا الاتجاه.
وعندما كبر الفتى، أدرك أن الوالد عبيد أحمد المنصور، التاجر، هو أيضاً مغرم بالآثار حتى حدود الوله، فأخذ يتدرج معه في بواديها المدهشة، وعوالمها الساحرة، ومن هنا راح يشارك تلقائياً بالأنشطة المدرسية القريبة من التراث، ومن ثم جاء الانضمام إلى «جمعية إحياء التراث الشعبي» بدبي، حيث كانت مشاركته الحقيقية الأولى، من خلال تنظيم «أول قرية للتراث» في البرشاء عام 1986، «عرضنا من خلالها مقتنيات جمعت ما بين تقاليد البدو والحضر، وتوقعنا حينذاك زيارة المغفور له الشيخ زايد رحمة الله عليه، إلا أن مشاغله الرسمية حالت دون القيام بها».

هنا حوار مع المنصوري حول عشق الماضي الذي يضيء به الحاضر:
? كيف كان إدراكك في البدايات لأهمية المقتنيات الآثارية بالمعنى الثقافي؟
? ? لقد جاء هذا الإدراك متأخرا قليلاً، ولم يظهر ذلك الإدراك إلا بعد سفري للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تبلورت مداركي التاريخية، وكل ما اكتسبته من معرفة عن تلك القطع والمخطوطات، كان امتداداً لفهمي ومعرفتي بهُويتي الثقافية، فأدركت حينها كيف يمكن للماضي السحيق أن يكون جزءاً من الحاضر، ولغة مشتركة أستطيع أن أتحدث بها مع أناس من حضارات وثقافات أخرى.
وأثناء دراستي في الخارج، ومن خلال نقاشاتي مع الطلبة حول الثقافة والتاريخ والآثار، تجسد البعد الإنساني للتاريخ لدي في تلك اللحظة. وأدركت حينها أن اختلاف الحضارات جزء من وحدة الإنسانية، فقد كنا نناقش اختلافات الحضارات وتمايزاتها بمحبة عامرة بالصدق، وكانت تلك المناقشات توحدنا وتقربنا من بعض البعض بعمق إنساني شفيف، ما جعلني أدرك مبكراً أن الإنسانية ربما تتشكل حسب قوالب مختلفة، ولكنها في الأصل من نفس المادة، ومن ذات الطينة أو العجينة، كما يقولون بالدارج.
دافع غريزي
? كيف استطعت أن تجمع هذه اللقى النادرة.. ما الطريقة التي اعتمدتها؟
? ? هذا السؤال على أهميته، أعتبره غريبا بالنسبة لي، وكأنك تسألني كيف كنت تتنفس؟ فجمع الآثار لم يكن في البدء - وربما إلى الآن - عملاً منظماً مدروساً من قبلي، وإنما كان يتم بدافع غريزي. فكلما وجدت قطعة في مكان أو لدى بائع أو جامع للآثار، سارعت لاقتنائها. وقد حصلت بعض القطع كهدايا من جامعين آخرين سُعدوا حينما وجدوا شاباً يشاركهم عشق الماضي، وبعضها فاوضت لشهور من أجل الحصول عليها بسعر أستطيع توفيره، والبعض الآخر من القطع جمعته من أشخاص لا يعلمون مدى قيمتها، كإحدى المخطوطات المهمة، التي كان يستخدمها بائع في بغداد للف المكسرات. وبعد هذه المدة من الاهتمام، والولع بالآثار، التي قاربت الثلاثين عاماً، تكونت لديّ شبكة من العلاقات الواسعة مع تجار القطع الآثارية والمخطوطات والخرائط في مختلف أنحاء العالم، وهم يواصلون الاتصال بي، كلما توفرت لهم قطع جديدة، ومن خلالهم أستطيع الاستمرار في جمع التحف والمخطوطات الأثرية بسهولة الآن.
الشغف والجنون
? لا شك أنك واجهت صعوبات مالية في تحقيق هوايتك.. كيف تغلبت على تلك الصعوبات؟
? ? مما لا شك فيه، أن الشغف بجمع الآثار، يخلق الكثير من المصاعب المالية، ربما كان أبرزها أن أفراد عائلتك وأصدقائك لا يستطيعون فهم مدى ذلك الشغف أو قيمته، وعليه فإن أي أنفاق لا يعد منطقياً بالنسبة لهم، بل هو في نظرهم جنون مطلق، ولك أن تتصور نوعية وحجم المتاعب، التي تجد نفسك بمواجهتها، جراء تلك الرؤية، أو ذاك المفهوم، وخصوصاً على مستوى المحيطين بأفراد العائلة. وفي الكثير من الأحيان كنت أحاول أن أجعل من حولي يفهمون مدى قيمة تلك الآثار بالنقاش والتوضيح، ولكن بالغالب كان الحوار من دون جدوى، وحينذاك كنت ألجأ إلى الصمت كرد وحيد على تساؤلاتهم وتعليقاتهم وحيرتهم وغضبهم في بعض الأحيان. وكانت ومازالت الدهشة تتملكهم من كوني أعامل ما لديّ من مقتنيات آثارية، بالقدر عينه، الذي أمنحه لأبنائي من الرعاية والحب و«المَعَزَّةِ»، كما كان والدي وجدي يفعلان من قبل، لأنها ميراثي الحقيقي لهم من بعدي، وأتمنى أن ينشأوا على حبها كما نشأت.
إن أهم دعم حصلت عليه كان معنوياً، من بعض الأصدقاء المقربين، الذين تفهموا توجهاتي وساندوني باهتماماتي الثقافية. وقد كان منح إدارة التراث العمراني في بلدية دبي، بيت الشيخ حشر لإقامة هذا المتحف، هو أبرز جوانب الدعم المادي الذي تلقيته حتى الآن. كما أن التشجيع الذي وجدته من سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم أثناء زيارته للمتحف، له قيمة ثقافية كبيرة، وأن جهدي خلال السنوات الماضية لم يكن عبثاً، لا بل وجد التقدير الذي يستحقه، وأني استطعت أن يكون لي أثر، ولو بسيط في تحقيق رؤية دبي الاستراتيجية.
الآثار والسيارة
? هل واجهت متاعب شخصية في سعيك وراء مبتغاك؟
? ? نعم، ففي إحدى المرات كنت أحاول الحصول على قطعة مهمة من أحد الجامعين، ولم يكن لديّ المال الكافي، نظراً لأنني كنت قد عدت للتو من دراستي، ولم أكن قد حصلت على عمل بعد، وكان الحل الوحيد بالنسبة لي هو بيع السيارة، التي كنت أمتلكها للحصول على القطعة، وكان ذلك، ما جعلني أستخدم المواصلات العامة لفترة ليست بقصيرة، وأخذت أستعين بالأصحاب في تنقلاتي الضرورية في بعض الأحيان، حتى تسنى لي شراء سيارة أخرى. لقد كانت تلك المرحلة على صعوبتها، من أفضل مراحل «الصعلكة»، التي مرت بحياتي، لأنني كنت سعيداً للغاية بحصولي على القطعة، لدرجة أنني لم أكن أبالي خلالها بالتطفل على أصدقائي المتكرر في تنقلاتي، كما لا أنزعج من انتظار المواصلات العامة بصيف دبي القائظ.
? ما أهم مفارقات التنافس التي واجهتها بالمزادات وما القطع التي أصريت على الاستحواذ عليها بأي ثمن.. ولماذا؟
? ? إن أهم تلك القطع التي ما زلت أنافس في الحصول عليها، هي ستارة الكعبة الموجودة حاليا في المتحف على سبيل الإعارة، لأنني ما زلت أتفاوض مع مالكيها من أجل شرائها، وقد بدأت تلك المفاوضات منذ عامين وما زالت مستمرة، خصوصا أن هناك منافسين آخرين من قطر الشقيقة. فالقطعة لا تقدر بثمن لعدة جوانب تاريخية، كونها جزءاً من كسوة الكعبة، التي أرسلها سليمان القانوني في «حج جمعة» عام 1850م، وكذلك لأنها نجت من قصقصتها إلى قطع صغيرة وتوزيعها على الحجاج، كما كانت العادة في تلك الأيام. كما أنها مهمة بالمعنى «المتحفي»، حيث إنها الأفضل حفظاً حتى الآن في جميع أنحاء العالم. أما قيمتها الشخصية بالنسبة لي كستارة لبيت الله الحرام فإنها «بركة» لا تقدر بثمن مهما غلا. وما زلت آمل في الحصول عليها بسعر أستطيع توفيره.
قصة أول قطعة
? كيف حصلت على أول قطعة؟
? ? كانت هدية من الوالد بمناسبة عيد ميلادي، وكانت تلك بمثابة تدشين لمرحلة من أهم مراحل عمري، لأن الهدية كانت عبارة عن مخطوطة عربية تضم مراسلات بين بعض الشخصيات المهمة في دبي، وتتضمن قصائد كانت دارجة في ذلك الوقت، وتتحدث عن نوعية العلاقات الاجتماعية وطبيعتها، والمناخ الثقافي السائد، وكانت تلك القصائد في تلك الأيام تقوم بدور وسائل التواصل الاجتماعي حاليا. وعلى الرغم أن القطعة كانت هدية، فإن الوالد رحمه الله طلب لها ثمنا غالياً، هو الوعد بالمحافظة عليها مهما حصل أو استجد بحياتي، وبحمد الله حققت الوعد حتى الآن ولم أفرط بها، وما زالت بالحفظ والصون حتى اللحظة، ولم تخرج من مكانها، الذي أحفظها به، رغم إلحاح الكثير من الأصدقاء، لأنني أريد أن أفي بالوعد لوالدي، بوضعها في المتحف الذي يليق بها ويحفظها للأجيال المقبلة.
اختلاف الأجيال
? هل تتذكر بعض المواقف اللافتة من تجربة الجد في اقتناء التحف الآثارية، في زمن لا يعير أهمية كبيرة للثقافة؟
? ? إن الأمر على عكس ما يتصور المرء، إذ إن أجدادنا كان لديهم من الاحترام والتقدير للأثار، أكبر بكثير مما لدى جيلنا الحالي. ذلك لأننا في زمن الاستهلاك، المصحوب بانتشار التقنية بين أفراد المجتمع على نطاق واسع، الأمر الذي جعل الجيل الراهن يفكر بالحاضر، ويركز على المستقبل، متناسيا الماضي ودلالاته الإشراقية، وهذا قلل من أهمية الآثار والمخطوطات التاريخية لديهم. أما لدى الجيل الماضي فقد كان الأمر مختلفاً تماماً، حيث كان الأجداد يولون احتراماً أكبر للتاريخ وللثقافة والمعرفة عموماً، لدرجة أنهم كانوا يحافظون، ويهتمون بنفس القدر من العناية على جميع القطع الآثارية، بما فيها تلك التي تعود إلى حضارات وثنية.
تحقيق قاعدة البيانات
? هل هناك جهود لتحقيق قاعدة بيانات خاصة بالمتحف، وما طبيعة الآليات التي اتبعتها في ذلك؟
? ? إن هذه المسألة استغرقت وقتاً ليس بقصير، ومع ذلك لم تكتمل بالشكل الذي أريده، نظراً لتعدد القطع الموجودة، والاختلاف بنوعياتها وطبيعتها الثقافية. ولكل كانت الحاجة إلى التوثيق والتحقق من المعلومات ضرورية ملحة لتطوير قاعدة بيانات يمكن أن يُستدل من خلالها على القطع وفتراتها التاريخية، فبدأت بمساعدة بعض الأصدقاء في تطوير قاعدة البيانات، وقد استغرق الأمر وقتا في تصميم شكل القاعدة ونوعية المعلومات التي تحتاج إلى تصنيف، وبعد ذلك بدأت في فرز جميع القطع الموجودة وتصويرها والتأكد من جميع بياناتها، كذلك قمت بالاتصالات اللازمة للحصول على بيانات القطع، التي وصلت إلي كهدية أو منحة دون أوراق مثبتة. وقد أثبتت قاعدة البيانات الحالية بأنها من أهم الخطوات، التي قمت بها حتى الآن، ولا شك أنها ستكون بالغة الأهمية في مستقبل، خصوصاً للباحثين والمهتمين، في حال تم تعميمها على كل جامعي الآثار للمساهمة في تكوين صورة أكثر دقة حول عدد القطع التاريخية والأثرية في الدولة.

اقرأ أيضا