الاتحاد

الاقتصادي

«تويوتا».. عندما تترجل «الماكينة التي غيرت العالم»

حقيبة تصليح سيارات معروضة في مركز صيانة “تويوتا” بطوكيو

حقيبة تصليح سيارات معروضة في مركز صيانة “تويوتا” بطوكيو

لم يكن المسؤولون في شركات السيارات العالمية في حالة سعادة حين شاهدوا رئيس “تويوتا” اكو تويودا مرتبكاً وحزيناً أمام أعضاء الكونجرس الأميركي. فرغم أن “تويوتا” هي الماثلة حالياً أمام المحاكمة الأميركية عقب سلسلة ساحقة من حالات الاسترجاع المتعلقة بالسلامة في أنحاء مختلفة من العالم، يدرك المنافسون تمام الإدراك أن دورهم ربما يكون قادماً.
وهناك اعتقاد سائد في دوائر صناعة السيارات مفاده أن “تويوتا” هي التي ألحقت بنفسها هذه المشكلة الكبيرة.
وفي شهادته أمام لجنة المراقبة بالكونجرس في 24 فبراير الماضي، اعترف تويودا بأن شركته في سعيها إلى النمو مدّت فلسفتها الهشة إلى ما يقترب من درجة الانهيار، وأضحت بذلك مشوشة أمام بعض المبادئ التي أعلنتها فيما قبل مثل اهتمامها بوضع رضا العميل في الأولوية الأولى وقدرتها على أن تتوقف وتفكر وتجري تطويرات.
جيمس ووماك أحد مؤلفي “الماكينة التي غيّرت العالم”، الكتاب الذي يدور حول ابتكارات “تويوتا” في التصنيع، يرجع أصل محنتها الراهنة إلى عام 2002 حين وضعت لنفسها هدف زيادة حصتها في السوق العالمية من 11 إلى 15 في المئة.
ويقول إن ذلك الهدف لم يكن يقصد مصلحة العملاء بأي حال بل كان نابعاً فقط من الغرور. وفي رأيه أن التوسع السريع كان يعني العمل مع العديد من الموردين المجهولين المفتقرين إلى فهم عميق لثقافة “تويوتا”.
وبحلول منتصف العقد الحالي، تزايدت استدعاءات سيارات “تويوتا” إلى درجة خطيرة جعلت رئيس “تويوتا” السابق كاتسواكي واتانابي يفرض تكثيفاً مشدداً على مراقبة الجودة. غير أنه لم يكن هناك قوة تقف في طريق هدف آخر هو تجاوز “جنرال موتورز” لتصبح أكبر مصنع سيارات في العالم. وحتى حين سبقت “تويوتا” شركة “جنرال موتورز” عام 2008 كانت مشاكل الجودة والاسترجاع تتصاعد.
ومن شبه المؤكد أن معظم تلك المشاكل لم تنشأ في مصانع “تويوتا” ذاتها ولكن في مصانع مورديها. إن صناعة السيارات تعمل كشبكة معقدة. ويقعد مصنع السيارة (الذي يعرف باسم مصنع المعدات الأصلي) في مركزها. ويأتي بعد ذلك موردو النسق الأول مثل “بوش” و”ديلفي”و”دينو” و”كونتننتال” و”فاليو” و”تينيكو” الذين يوردون نظماً مجمعة كبيرة مباشرة إلى مصنع المعدات الأصلي. ويتفرع منهم موردو النسق الثاني الذين يوردون أجزاء منفصلة أو مكونات مجمعة سواء بشكل مباشر إلى المصنع الأصلي أو إلى موردي النسق الأول.
يذكر أن “سي تي اس كورب” الشركة المصنعة لدواسة البنزين التي كشفت “تويوتا” أنها من ضمن أسباب التعجيل غير المقصود في بعض سياراتها هي أحد موردي النسق الثاني والتي يشكل نشاطها في مجال السيارات نحو ثلث مبيعاتها. ويأتي في الحلقة الخارجية للشبكة موردو النسق الثالث الذين لا يصنعون غالباً إلا مكوناً واحداً لعدد من موردي النسق الثاني. وعلى الرغم من وجود آلاف من موردي النسق الثاني والنسق الثالث في أنحاء العالم إلا أن أعدادهم تقلصت في العقد الماضي بالنظر إلى أن المصنعين الأصليين وشركات النسق الأول عملوا على تعزيز سلسلة توريدهم من خلال تركيز النشاط مع عدد أصغر من الشركات الأقوى.
وأحدثت “تويوتا” ثورة في ادارة سلسلة التوريد من خلال تعيين موردين محددين كمصدر مد لمكونات معينة ما أدى إلى نوع من التعاون الوثيق مع شركاء طويلي الأجل وإلى نوع من المصلحة المشتركة. وعلى عكس ذلك توجهت شركات التصنيع الغربية إما إلى التعهيد الداخلي أو إلى إرساء عقود قصيرة الأجل على المتقدمين بأقل الأسعار. وأتاحت الجودة التي بلغتها “تويوتا” وموردوها أسلوب تسليم المكونات في التوقيت المحدد إلى مصنع التجميع. ومعظم شركات السيارات الكبرى اليوم تعمل بطريقة مشابهة. “فورد” مثلاً تعمل مع مورد نسق أول لما يصل إلى ثلاث سنوات قبل إطلاق موديل جديد من خط الانتاج لضمان سلامة تصميم وتصنيع المكونات الهامة. كما تنشط ما تسمى بفرق الوظائف المتبادلة من كلا الشركتين لمنع العيوب. وبدلاً من اختيار العرض الأقل سعراً ينظر صناع السيارات الآن إلى اجمالي سعر المكون أو الجزء بما يشمل عراقيل الانتاج ومطالبات ضمان العملاء إن لم تكن الجودة على المستوى المطلوب.
وعموماً تسير العلاقات بين المصانع الأصلية وموردي النسق الأول بسهولة ويسر. وحين تنشأ مشكلة فعلاً فهي عادة تكون مع شركات النسق الثاني والنسق الثالث. ويقول مدير عام المشتريات في أحد مصانع السيارات إن التعزيز والاحتياج إلى تقليص السعة وصدمة الطلب التي بدأت في منتصف 2008 أخضعت أضعف حلقات التوريد لضغط شديد. وكانت من ضمنها أعمال هشة جداً. وهناك الحاجة إلى الشفافية. فإذا حدثت مشكلة ما فإنه يلزم كشفها ونقلها بسرعة لضمان عدم وصولها إلى العميل.
وكانت إحدى عواقب توسع “تويوتا” تكمن في اعتمادها المتزايد على موردين خارج اليابان لم تتعامل معهم لفترة كافية. كما أنه لم يكن لـ”تويوتا” عدد كاف من المهندسين الخبراء لمراقبة أعمال الموردين الجدد. ومع ذلك لم تكتف “تويوتا” بالاستمرار في وضع ثقتها في أسلوب تعهيدها الوحيد، بل تجاوزت ذلك بأن اكتسبت أحجاماً اقتصادية ضخمة غير مسبوقة من خلال الاستعانة بموردين وحيدين لمجموعة كاملة من سياراتها في أسواق متعددة. ويقول أحد المديرين التنفيذيين في شركة توريد نسق أول كبرى، إنه رغم أن فلسفة المورد الوحيد أفادت “تويوتا” جداً في الماضي إلا أنها انحدرت بها إلى مستوى بالغ الخطورة، وخصوصاً مع اقترانها بصنع قرار شديد المركزية في اليابان. وحتى وقت قريب جداً كانت “تويوتا” تشكل نموذجاً لا نظير له، أما الآن فهي تتلقى على الأقل إنذاراً خطيراً.


عن “ايكونوميست”

اقرأ أيضا

بنك أوف أميركا: المستثمرون يضخون الأموال في صناديق السندات