الاتحاد

دنيا

بيئة اللحى والشوارب

منذ أكثر من عقد كنت أعمل في أماكن تعج بالرجال، أينما أولّي وجهي أجد شارباً أو لحية، فالزميلات نادرات ويعملن في أقسام لا يدخلها إلا المحظوظون من الفرّاشين، بل لم تكن هناك زمالة فعلياً، فنحن لا نرى إلا عباءات تدخل وتخرج. وكنت أستمع وأنا أعض على شفتي إلى حكايات أصدقائي الذين يحظون بالعمل مع الجنس الآخر الأسطوري.
أخيراً استجابت الأقدار لآهاتي، وفركت يدي وأنا أبدأ مشوار العمل المختلط. لكن بعد أشهر قلائل اكتشفت الحقيقة. فالعمل معهن مربك ومقيد للحرية ولا يناسب العقلاء. ذلك أن الرجل يحاول قدر الإمكان، ورغم أنفه، مراعاة أمه وزوجته وأخواته، وعدم إيذاء مشاعرهن، وتقدير الحساسية النسائية المبالغ فيها، فإذا به ملزم بمراعاة جيش من الزميلات، وممارسة النفاق معهن، وتجنب إظهار شخصيته أو التعامل معهن بسجيته.
ومع أهل الشوارب لا يضيع وقته في تهذيب شعر وجهه إلا مرة في الشهر، ولا يحفل كثيراً إذا اتسخت كندورته أو ارتدى كندورة لم تلسعها حرارة المكواة، لأن القضية لا تستحق، بينما لا يعود الأمر كذلك في وجود الزميلات الغارقات في مواد التجميل والمتفننات في الإكسسوارات، أو اللاتي ينظرن إليه من فوق إلى تحت لتحديد مستواه.
أما المزاح، فسلام على العمل في البيئة الذكورية، فالزملاء يمزحون بلا مراعاة لذمة أو ضمير، ويضحكون حتى يروا الديك حماراً. لكن لا أحد يجرؤ على المزاح في البيئة المختلطة، وعلى الموظف أن يحاذر ويحرص على انتقاء الكلمات ويراعي حجم وشكل الضحكة وسعة فتحة الفم وإظهار أسنانه وتراقص بلعومه كأنه جرس.
وحدث ولا حرج عن التحاسد الذكوري في وجود الزميلات، واستظراف الدم أمامهن. وتكون الكارثة إذا هام أحدهم بزميلة له، فإنه يفعل المستحيل ليبعد الشوارب عن طريقها. والأسوأ إذا تشارك أكثر من زميل في الهيام، أو تشاركن في الإعجاب بزميل، فالجو يتكهرب ويطفح الحقد على الوجوه وتشتغل ماكينة الغيبة والنميمة وتتعطل مصالح الناس.
وإذا كانت بيئة العمل معتادة على تبادل الهدايا، فإن الموظفين يجدون أنفسهم في وضع حرج، فالموظف الذي لا يتذكر مناسبات أهله ويسخر من هذه الخزعبلات، يضطر إلى دخول جو الهدايا في العمل، فهدية لهذه بمناسبة عيد ميلادها، وهدية لتلك بمناسبة المولود الجديد، وهكذا.
وكما يتأذى الموظف من العمل مع الزميلات، فإن الموظفة أيضاً تتأذى، لأنها تضطر إلى النهوض فجراً لبدء مرحلة ضبط الملامح ووضع الماكياج أو على الأقل كي تزيل آثار النوم ولا تفاجئ الناس بوجه منفوخ وعينين متورمتين، باستثناء المنقبة التي تستطيع أن تنهض من الفراش وتأتي إلى عملها مباشرة.
ولا تظهر المشكلة في المجتمعات المختلطة على الآخر، لأنهم ينشأون على وجود الجنس الآخر، ويتربون على أساسه، ويكيّفون أنفسهم معه منذ البداية، لكن الأمور لا تكون كذلك في المجتمعات التي يختلط فيها الجنسان بعد فوات الأوان، وبعد أن يكون كل جنس قد حلم ملايين المرات بمجرد الجلوس ساعة من الزمن مع الجنس الآخر، فإذا به يعمل ثماني ساعات معه على طاولة واحدة.
وربما تكون المشكلة أهون لمن لم يجرّب العمل في بيئة مقتصرة على جنسه، ولم يحظ بمزايا الانغلاق، لكنني جرّبت النموذجين، وأعرف أن البيئة الذكورية لا تعوّض، فأنت تتكلم بلا تحفّظ، وتفكّر بصوت مسموع، وتضحك مثل المساطيل، وتمزح بتلقائية من دون وضع جدول زمني للمزحة والتفكير في آثارها الجانبية، وتجلس إلى مكتبك مرتدياً نظارة سوداء كما كنت أفعل في الأيام الخوالي.
أشتاق إلى رؤية الشوارب المقدسة واللحى المباركة والكنادير الملونة والزمالة الحقيقية بلا تحفظ.

اقرأ أيضا