الاتحاد

دنيا

حساب «الدرور» طريقة أهل الإمارات لمعرفة الطقس

في زمن لم يكن فيه (هيئة أرصاد جوية) ولا إنترنت يتلمس منها الناس أخبار الطقس، وكانت الحياة تمضي بتؤدة، كان توقع الجو القادم هاجس أهل البر والبحر على حد سواء، كيف لا وهم يخرجون إلى لجة البحر الذي يعصف ويرمي فيهم متاهات الموج، أو قلب الصحراء الذي يكاد أن يجمد عظامهم برداً.

في الماضي الجميل كان من المهم الاطلاع ومعرفة أحوال الطقس بطرق تناسبه، ولم يكن هناك شيء أكثر من معرفة مواقع النجوم لتحديد حركة الطقس ودخول الشتاء ومواسم العواصف، أو انقضائها وتعامد الشمس في كبد السماء.
لهذه الغاية ابتكر أجدادنا حساباً فلكياً يسمى حساب الدرور، يعرفه كبار السن من المواطنين والخليجيين، لكنه يختلف باختلاف منطقة وأخرى، إلا أنه يبقى واضحاً لأهل الإمارات، البعض من أبناء الجيل الجديد عرفه أيضاً، لكن تضاؤل أهمية الإلمام به جعله يتضاءل أيضاً في العقول.
محمد يوسف يحيى واحد من قلة بقيت تهتم بالدرور وحساباتها، على الرغم من صغر سنه وجد نفسه يحب ملاحظة الطقس ويحاول الاطلاع على تحركاته، كما كان يفعل كبار السن الذين عاش بينهم، يقول محمد: كنت صغيراً أجالس جدي رحمه الله وأصدقاءه، أسمعهم يتحدثون دوماً عن “ السبعين والثمانين”، ويتساءلون: هل دخلت “العشر”؟ ويقولون “هذي الخمس المساريق”! عباراتهم تلك جعلتني أتساءل بعد أن كبرت قليلاً عن معناها، واستهوتني حتى صرت أشارك جدتي أطال الله في عمرها في هذه التساؤلات، بعد وفاة جدي رحمه الله.

حساب الدرور
يقول محمد:الدرور حساب فلكي قديم جداً في المنطقة يعمد إلى تقسيم أيام السنة بشكل عشري إلى (36) قسماً، كل قسم عشرة أيام تعرف “بالدّر” ويبدأ هذا الحساب بطلوع نجم سهيل عند منتصف شهر أغسطس من كل عام. يعرف كل دّر بالمجموعة العشرية التي ينتمي إليها فيقال (العشر، والعشرين والثلاثين، وهكذا إلى المائة الثانية، ثم يعاد إطلاق العشر والعشرين والثلاثين... الخ)
ويتابع محمد، وهو يمسك “تقويم الإمارات السنوي”: إن أمسكت يداك “روزنامة الإمارات”، ستجد في الخانات المربعة أسفل التقويم الدلو 23، سهيل 179، ذابح 2، ما يعني أننا في اليوم 179 من السنة (بعد ظهور نجم سهيل) يعني نحن في السبعين من المئة الثانية اليوم التاسع، وهكذا حتى آخر يوم بالسنة وظهور نجم سهيل مرة أخرى.
بالطبع يختلف الدرّ عن الطالع، فالطالع 13 يوماً، والحساب بالطوالع هي المستعملة في أغلب دول الخليج، بينما الإمارات وعمان يتم الحساب فيها بالدرور.

الخمس المساريق
يكمل محمد: تحسب الدرور تصاعدياً من الدر الأول للمائة، ( أول المية، ثاني المية، إلى عاشر المية، ثم أول التسعين ثاني التسعين، ثالث التسعين، ثم در الثمانين، بعده السبعين، وهكذا من در إلى آخر) حتى نكمل 100 يوم، وما أن ننتهي من عاشر العشر حتى تعود الحسبة تصاعدية، من العشر إلى المائة، وبعد أن نكمل مائة يوم أخرى وينقضي من السنة 200 يوم، نعود تصاعدياً من أول العشر إلى عاشر المئة، ثم تصاعدياً مرة أخرى إلى عاشر الستين، وهكذا تكمل السنة 300 يوم بالتمام والكمال، لتبقى آخر خمسة أيام، وهي ما يسمى محلياً “بالخمس المساريق” التي تكمل حساب الدرور للسنة كاملة، وعادة ما تكون من 9 إلى 13 أغسطس، لأن رابطة هواة الفلك الإماراتية حددت طلوع نجم سهيل يوم 14 أغسطس، وبالتالي تعود إلى السنة دورتها من جديد.

اهتمام بالطقس
محمد يوسف يهتم كثيراً بالدرور، وتراه يسجل حوادث الطقس في كل مكان، ملفات على الكمبيوتر، على الورق، وحتى في الهاتف المتحرك، يقول: أحب تسجيل النقاط المختلفة حول الطقس، وبالطبع تعلمت استعمال دولاب الدرور، الذي للأسف صار من النادر جداً الحصول عليه كمجسم، وكل ما أملكه عنه هو مجرد صورة كمبيوترية، وهو معيني الأول في تذكر الأيام والدرور والحسابات.
وبالتأكيد أحاول تثقيف نفسي في بحر توقعات الطقس عبر الانضمام لموقع العاصفة الذي يجمع هواة الطقس الإماراتيين والخليجيين، وتعلم قراءة خرائط الطقس الحديثة وتحليلاتها، فهناك أحداث ترتبط بالدرور والطقس، أشعر أن عليّ توثيقها، مثلاً هذا العام تأخرت
“الأربعين مريعي” الشتوية، ومرت الأيام المعتادة دافئة على عكس كل عام، وربما يكون هذا بشارة مطر في نهاية فصل الشتاء.

الأربعين مريعي والعقربي
وحول “الأربعين مريعي” يقول محمد: في الشتاء هناك فترتان مهمتان تتكون كل واحدة من 40 يوماً و تتميز بما يخصها من خصائص، وهما أربعين المريعي وأربعين العقربي، فالأولى تتميز بالبرودة الشديدة وتساقط الأمطار، ولكن لا تكون شاملة، أما أربعين العقربي فتتميز بغزارة الأمطار وشموليتها، حتى أن كبار السن عندهم هذه المقولة (العقربي يسقي بر
وبحر) ويكون ادفأ من المريعي.
ويتابع محمد: في أربعين العقربي تشتد الريح، وتصبح ذات عواء كصوت الذئاب، حتى أنها تسمى محلياً بـ” العوي”، في هذا الوقت من العام قد ينزل البرد إلى درجات حرارة متدنية، حتى أن الناس يبدأون في إشعال التدفئة وتطيب ليالي السهر بجوار “شبة الضو”.

الحسوم تبيّع الهبيل لحافه!
الغريب أن بين الأربعين مريعي وأربعين العقربي هناك عشرة أيام دافئة، تسمى الأيام “الحسوم”، نمر بها حالياً، وفيها يسود ارتفاع في درجة الحرارة بشكل ملحوظ، فيظن بعض الناس أن البرد قد انتهى، وأطرف ما يعبر عن دفئها، عبارة تجري على ألسنة كبار السن، فهم يقولون: “الحسوم تبيّع الخبيل لحافه” بمعنى أن هذا الدفء جعل رجلاً “خبل” وهي كلمة محلية تعني المغفل، اشترى قفطانا ثقيلا أول البرد، وبمجرد أن جاء دفء الحسوم باعه، فلما عاد البرد قضى عليه.
بعد الحسوم تمر أيام باردة تأتي في نهاية الشتاء وقدوم الربيع، ويوافق ذلك نهاية شهر فبراير وبداية شهر مارس تسمى “برد العيوز”، وحول تسميتها تدور الحكايات، فهناك من يقول: تسمى برد العيوز نسبة لعجوز جزت صوف خرفانها بعد انتهاء أربعين المريعي، ثم جاءت أربعين العقربي فماتت خرفانها من البرد، وهناك من يقول إن القصة تنسب لعجوز كانت تعرف أحوال الطقس، وحذرت أهلها من برد شديد قادم، ولم يأخذوا بتنبيهها، فارتحلوا من بيوت الطين ثم جاءتهم الريح والبرد وماتوا.

اختلاف حسب المواقع
ويختلف الحساب الفلكي في الإمارات باختلاف المناطق، يقول محمد: هناك فرق درّ كامل بين كل أهل ساحل الخليج العربي وبين أهل الساحل الشرقي، لاختلاف مواقع الأرض نسبة إلى النجوم، أهل الفجيرة يسبقون بقية الإمارات بعشرة أيام تقريباً، فأهل الساحل الشرقي (خليج عمان) يرون نجم سهيل قبل بقية إمارات الدولة.
وعن الفصول السنوية القديمة في الإمارات يقول محمد: على أساس الدرور قسم الإماراتيون القدماء سنتهم إلى أربعة فصول أسموها كتالي “الصفري” وهو الخريف، تصفر فيه أوراق الشجر والسماء، تأتي بدايته في الأربعين الأولى (شهر سبتمبر) وهو حار قائظ، ينتهي ببعض البرودة، مؤذنا بدخول “لشتا” وهو الشتاء، حالياً يدخل في نهاية الثلاثين أي شهر ديسمبر.
بعده الصيف وهو الربيع حالياً (كان أهل الإمارات يعتبرونه صيفاً فهو حار أيضا بدرجة أقل قليلا من شدة الحر الفعلية في الصيف) يبدأ في نهاية العشرين الثانية منتصف مارس، وأخيراً “القيظ” وهو ما يعرف الآن بالصيف الذي يكون في بداية العشرين الثالثة أواخر شهر يونيو.

“الدرور” هو حساب فلكي قديم في منطقة الخليج العربي، يعتمد على حساب أيام السنة في شكل عشري يقسمها إلى (36) قسماً، والقسم الواحد يتكون من عشرة أيام عرف بـ “الدر”، ويبدأ هذا الحساب بطلوع نجم سهيل عند الفجر في منتصف شهر أغسطس من كل عام في (8/15)، ويعرف كل در بالمجموعة العشرية التي ينتمي إليه، فيقال: (العشر والعشرين والثلاثين.. هكذا إلى المئة، ثم تبدأ المئة الثانية) (العشر والعشرين والثلاثين.. الخ).. ولقدم الذاكرة الشعبية، وبالتجربة والملاحظة فقد سجلت لنا ما يرتبط بهذا النظام من تغيرات في مظاهر الطبيعة والحياة.
والتقويم أعلاه يجمع الشهور الأجنبية وما يقابلها من الدرور والطوالع والأبراج وضمن أي فصول السنة تقع، بالإضافة إلى رموز تشير إلى المواسم ومظاهر الطقس وتقلبات الجو، بحيث يستطيع القارئ أن يتعرف إليها جميعاً بسهولة ويسر.

اقرأ أيضا