الاتحاد

تقارير

الجنائية الدولية.. تخطئ هذه المرة

برأت المحكمة الجنائية الدولية، التابعة للأمم المتحدة، في لاهاي، الصربي القومي المتشدد «فويسلاف شيشلي»، الذي ساعد أنصاره على اندلاع الحرب الأهلية في كرواتيا عام 1991، من كافة التهم.
وما يبدو صادماً ليس الحكم بأنه «غير مذنب»، وإنما أسباب الحكم التي قدمتها المحكمة، والتي تتعارض مع كل ما أخبرتنا به من قبل بشأن الحرب التي دارت رحاها على مدار عقدين.
ويأتي الحكم بعد أيام من قرار المحكمة الجنائية الدولية بسجن الزعيم الصربي السابق «رادوفان كاراديتش» 40 عاماً بسبب جرائم حرب ارتكبها أثناء محاولته تأسيس صربيا العظمى بتطهير الأراضي من غير الصرب.
والاختلاف الكبير بين الرجلين هو أن «كاراديتش» كان مسؤولاً، وكانت لديه سلسلة قيادة واضحة يمكن من خلالها تنفيذ أوامره. في حين أن منصب «شيشلي» كبرلماني في بلجراد، اقتصر على إرسال متطوعين للقتال على الجبهة، ومن ثم لم يكن دوره واضحاً تماماًً.
ولذا فإن المحاكمة ربما أخفقت أيضاً في توضيح المسؤولية المباشرة لـ«شيشلي» عن جرائم الحرب التي ارتكبها مقاتلوه. ولكن المشكلة أن القاضيين اللذين يشكلان الأغلبية في المحكمة ذهبا إلى أبعد من ذلك بكثير.
وزعما أن المحاكمة أخفقت حتى في إثبات كون الجرائم كانت جرائم من الأساس، لأن مشروع «شيشلي» لصربيا العظمى كان سياسياً، وحدث القتال في سياق انفصال كرواتيا والبوسنة عن يوغوسلافيا، ولأن «شيشلي» ربما اعتقد أنه كان يدافع عن يوغوسلافيا ويحمي المدنيين الصرب، وهو ما كان سيعتبر أمراً مشروعاً.
وعندما أدلى «شيشلي» بخطابات على الجبهة يدعو فيها المقاتلين إلى محو الكروات من أراضي صربيا العظمى، قال القاضيان إنهما لا يستبعدان أن تصريحاته تلك كان المقصود منها «رفع الروح المعنوية للمقاتلين في معسكره، وليس الدعوة إلى عدم ترك أحد!».
وبعد تغطية الأسابيع الأولى من القتال في شرق كرواتيا عام 1991، ذهبتُ لمقابلة «شيشلي». وقال الناس الذين تحدثت إليهم من كلا الجانبين إن القتال في القرى على طول الضفة الغربية من نهر الدانوب، التي تشكل الحدود بين كرواتيا وصربيا، بدأ عندما تسلل «رجال شيشلي» عبر النهر لتسليح الصرب المحليين والقتال إلى جانبهم. وكان من الصعب تمييزهم بلحاهم الطويلة وأزيائهم المموهة المتماثلة. ومثلما كتبت في ذلك الوقت، كان «شيشلي» صريحاً بشكل جذاب:
فعلى الجدار خلف مكتبه في بلجراد، علق شعاراً بألوان حركة «جيتنيكس» القومية التي يتزعمها، وهو جمجمة بيضاء وعظمتان متصالبتان على خلفية سوداء، ومنقوش عليه عبارة: «الحرية أو الموت». ولعل الوضوح الشديد في شعار «جيتنيكس» يلائم «شيشلي» تماماً: إذ يبدو أنه جعل هذا المصطلح خاصاً به، عندما قال: «لا نرغب في أحد آخر على أراضينا، وسنقاتل من أجل حدودنا الحقيقية».
وأضاف: «على الكروات أن يرحلوا أو يموتوا».
وكان «شيشلي» واضحاً أيضاً في أنه لم يكن يحاول الدفاع عن يوغوسلافيا، وهو ما أصر الزعيم الصربي «سلوبودان ميلوسوفيتش» على أنه كان يحاول فعله:
وقال «شيشلي»: «إننا ضد يوغسلافيا، ولا نرغب أن نعيش في الدولة ذاتها مثل الكروات»، مضيفاً: «ينبغي السماح لسلوفينيا بأن تصبح مستقلة، وكذلك كرواتيا. ولكن قبل تحرير كرواتيا، لابد من نزع السلاح من الأراضي التي تمتد حتى الجنوب على طول الساحل «الدلماسي»، وعندئذ سيصبح جنوب وشرق الحدود الكرواتية الجديدة صربيا العظمى».
وبالمثل، في كوسوفو، كان 90 في المئة من الغالبية الألبانية العرقية «ضيوفاً» يجب أن يصبحوا رعايا موالين لصربيا أو يعودوا إلى وطنهم، حسبما أوضح «شيشلي». وكانت مقدونيا كياناً مصطنعاً، وكذلك كانت البوسنة في رأيه. وببساطة، كانت «مونتينجرو» هي صربيا. وكل ذلك كان صربيا العظمى.
وقد رأت المحكمة أن رغبة «شيشلي» في إقامة «صربيا العظمى» لم تجعل منه مجرم حرب! وبهذه الطريقة، يبدو كما لو أن الرغبة في «إقامة خلافة» تجعل من مسلحي تنظيم «داعش» إرهابيين! وقد جند «شيشلي» مقاتلين وحرضهم في خطبه العامة على قتل الكروات والمسلمين البوسنيين، الذين أشار إليهم أيضاً بأنهم فاشيون.
وعليه، فإن زعم أن مشروع «شيشلي» لإقامة «صربيا العظمى» لم يكن يقتضي ببساطة تطهيراً عرقياً، أو أنه ربما لم يقصد ذلك عندما قال إن على الكروات أن يرحلوا أو يموتوا، أو أن الحافلات التي شحنت المدنيين الكروات من القرى التي اعتبرت تابعة لصربيا العظمى، ربما كانت «بدافع إنساني»، مثلما قضت المحكمة، هو زعم من الصعب تبريره.

* محلل سياسي بريطاني
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا