ثقافة

الاتحاد

مسرحيّة بالمجّان

مسرحيّة بالمجّان

مسرحيّة بالمجّان

سرياليّون إلى أبعد حد، أرقبهم في الصّباح الباكر من شرفة بيتي حين يمشون، يبدو بعضهم كمن سُرقت قدماه، بعضهم الآخر يبدو لو أنه فقدت أذنيه، في حين يملك آخرون بدلًا من الأذن الواحدة والقدمين الاثنتين، ثلاثًا وأربعًا وخمسًا.
بعضهم رأسه يتخذ شكلًا مخيفًا كما أفكاره المختلطة، آخرون تعوزهم الملامح أو تتضاعف فيهم، دواخلهم تسيل، تتجاوزهم وتتجاوز الواقع كلّه معهم.
قد لا أملك تفسيرًا لكنّي مع ذلك أستلطف الأمر حين أفكر في أنّه لا يجاوز مشاهد مسرحيّة أحضرها دون أن أدفع حتّى قرشًا واحدًا.
أجلس هنا في هذا الركن منذ سنين، بينما ينبح كلب غريب في الجوار، لا يلبث أن يرد عليه آخر في الركن المقابل، ليستمرا بشكل دائم.
في الآن ذاته تمر جماعة، مآقيهم تملؤها الشمس حرارةً، خطواتهم دافئة وأيديهم ترتعد، بوجوههم النحيلة يلوّحون للريح كمن يأبى أو يرفض، لكنه يخشى شبحًا سيخرج من العدم في كلِّ لحظة.
عيونهم باردة مملوءة بشظايا ندمٍ يلتمع، يسابقون بعضهم بانتظام لا يلبث أن يتزعزع لأنّ يدًا ما تمطّ ثياب أحدهم، وهذا الأخير يلتفت نحو المسكين وراءه.. أراه إذ يلكمه، إنّه لا يبدي أي ردةِ فعل، لا يعلّق، بل يستمر في مشيته الموبوءة، كما يفعل الكلبان اللّذان يتبعانهم.
في لحظات غير معلنة، تظهر الشمس مجدّدًا، ليخترق شعاعها أبصار الجميع سواي، فما زلت هنا، في ركني البعيد، أطالعهم، بينما أقشر برتقالةً وأبتسم، لكنّه الصوت ذاته، يأتي مجدّدًا. يزمجر خلفنا، بيد أنّي لا أبالي، ثمة ما يعنيني أمره أكثر، البرتقالة.
ينطلق ذوو الوجوه النحيلة بسرعة أكبر، يحجّون لا يقصدون سوى الفرار، (أينُهم) هارب.. ويسيل لعابهم، يسيل. ها قد بلغت البرتقالة فمي، لكنّ يدًا أخرى تمتدُّ.. إصبع رخوة دبقة تدقُّ كتفي اليسرى لتخبرني أنها اللحظة: لالتقاط هذه الاستعارة.
أين البرتقالة؟!.

اقرأ أيضا

حيدر التميمي لـ«الاتحاد»: «علم الكلام» ضروري لتجديد الثقافة والفكر