دنيا

الاتحاد

خالد ناصر: الأغنية التجارية.. «فقاعة هواء»

أحمد النجار (دبي)

أكد الملحن الإماراتي خالد ناصر، أن الأغنية المحلية ربحت من موجة التغيير والحداثة في الشكل والمحتوى والإيقاع السريع، وأصبحت تواكب العصر السريع من ناحية التيمة اللحنية والتقنيات في التنفيذ والتوزيع الموسيقي، وبحسب ناصر، فإنها خسرت بالمقابل بسبب فقدانها لأصالتها في الكلمة الشعرية واللحن المستوحى من الفلكلور الذي يلامس وجدان الناس، وانحرفت عن مسارها في خط الهوية والقيم الفنية، مشيراً في حواره مع «الاتحاد» إلى أن اندماج الجيل الحالي مع الشكل الجديد للأغنية التي تتميز بجملها اللحنية الخفيفة والإيقاع السريع، وظهور طيف من الملحنين الذين لا يمتلكون الثقافة الموسيقية والموهبة، ساهم بالنتيجة إلى فقدان الأغنية المحلية جوانب من هويتها.

أغنيات الستينيات
وعاد خالد بذاكرته للوراء، بقوله: إن الأغنية الإماراتية كانت موجودة في الستينيات والسبعينيات بقوة من خلال أصوات عديدة، ومنتج غنائي زاخر متمثلاً في قصائد إماراتية لها بصمتها، تحمل سمات الهوية الشعرية الإماراتية والألحان المستوحاة من الفلكلور الشعبي، ثم بلغت الأغنية ذروتها في التسعينيات، بالأخص في فترة الأغنيات الذهبية، حيث الانتعاش والحضور القوي للأغنية الإماراتية في الخليج، الذي رافقه تنوع الألحان والأفكار، فقد تم استحداث قوالب لحنية وإيقاعية متنوعة، فشهدت تلك الفترة بداية تطور التقنيات الصوتية والتوزيع الموسيقي، وأصبحت تمثل الشكل الرسمي للأغنية الإماراتية.

حلقة وصل
وبين اللونين القديم والحديث، يجد خالد نفسه حلقة وصل تربطهما، فهو دائم الوجود والتجديد، يحمل على عاتقه رسالة الارتقاء بالأغنية الإماراتية، وخلق أفكار لحنية وموسيقية جديدة، معتبراً أن الساحة حافلة بأسماء كثيرة من المطربين والملحنين وكُتّاب الأغنية، وهي لا تفتقر إلى ثالوث الأغنية «مطرب وملحن وشاعر» لأنهم موجودون بكثرة، ولكننا نحن نفتقد صناعة المبدع المميز، ونبحث دائماً عن الصوت الطربي اللامع، والملحن الخلاّق لأفكار لحنية جديدة، وشاعر أغنية متجدد في قوالبه الشعرية وأفكاره ومفرداته، وليس الاعتماد على الموزع الموسيقي بشكل كامل.

فقاعة تجارية
والحال أن انتشار الأغنيات الخاصة وانحسار شركات الإنتاج، ساهم وفق خالد ناصر في تراجع إنتاج أغنية أصيلة ترتقي إلى ذائقة المستمع، حيث أصبحت الأغنيات حالياً تُنتَج لحساب شخص معين لمناسبة معينة، ثم تتم إذاعتها عبر منصات «سوشيال ميديا»، أو الإذاعات المحلية، وبالتالي فقدت قيمتها كمفردة وكجملة لحنية، في ظل الإقبال على الأغنية التجارية التي سحبت ذائقة الجيل، لكنها تنتشر مثل الفقاعة ثم سرعان ما تتلاشى، إلى جانب أن أبرز أسباب حضورها الخجول أو انحسارها هو فقدانها للجودة، واختلال أحد أركانها الثلاثة «مطرب، ملحن، وشاعر»، وأحياناً في طريقة تنفيذها.
وتابع: نفتقر إلى قصيدة فيها قصة ومضمون وفكرة لبداية ونهاية، فأغلب ما يكتب حالياً قصيدة جميلة في شكل ونمط واحد ثم تُلحن وتغنى، نريد قالباً شعرياً جديداً، فإذا تم خلق وابتكار أنماط شعرية جديدة، بالتأكيد ستصنع حالة من الجذب وستحفز الملحن لإبداع أفكار لحنية جديدة.

ألحان
قدم ناصر ألحاناً لأغنيات وطنية كثيرة في مناسبات احتفالية مختلفة، حيث يصنف بأنه من المبدعين في مجال الألحان الوطنية، وهو يعتبر أن ألحانه الوطنية ناجحة بامتياز، ووصلت للمستمعين كونها صادقة من القلب، وأضاف: كانت إحدى قيمي الأساسية في المجال الفني هي الولاء وحب الوطن وخدمة قضاياه، من خلال الألحان لإبراز الفن الإماراتي والنهوض به، وعند تأليف لحن وطني أحمل على عاتقي مهمة أنني أُلَحن للوطن. وكذلك لم أكن منذ بداياتي موجوداً بكثرة في مجال الأغنيات الشبابية، لأنني دائماً أبحث عن الجودة والتميز اللحني.
ولا يضع خالد ناصر شروطاً لقبول تقديم أي لحن للمطربين الشباب، ولكنه يهتم بالطبع أن يكون النص الغنائي ذا قيمة بعيدة عن الإسفاف، وأن يكون المغني لديه حس إبداعي ومتقن للغناء، متمنياً من الجهات المختصة أن تهتم بعملية إجازة الألحان وتقييم المنتج الغنائي وتصنيف الأصوات؛ لأن المطرب الحقيقي يجب أن تتوافر فيه شروط معينة.

مثلث الأغنية
ولم تختفِ الأغنية الشعبية ولن تندثر، وهناك أهمية وجدوى فنية لإعادة إحيائها وتسويقها وإنتاجها لهذا الجيل، ولكن تداخلت مع الموجة الحالية من الأغنيات الجديدة، فلم يعد لها جاذبية لهذا الجيل الذي أصبح منفتحاً على ثقافات أخرى، ولكن إذا تواجد مثلث الأغنية المتميز والمبدع، لا شك أنها ستصبح أقوى حتى من الفترات السابقة، في ظل تطور التسويق الإعلامي لها في فترتنا الحالية، ولا يزال هناك مستمعون يتواصلون معي، لمناقشة أغنيات مضى عليها أكثر من 15 عاماً، وما زالت تذاع حتى اليوم، وتعزف في محافل رسمية على سبيل المثال أغنيتي «حبكم وسط الحشا»، و«مشغوب».

تراجع مستوى الإنتاج
مشكلة تراجع مستوى إنتاج الألحان المحلية، على عكس فترة التسعينيات التي كانت توصف بأنها العصر الذهبي للأغنية الإماراتية، حيث شهدت دبي آنذاك افتتاح عشرات الاستديوهات، ساهمت في استقطاب كثير من المطربين العرب والخليجيين للتعاون مع ملحنين محليين، ليست مشكلة حقيقية حسب خالد ناصر، بل إنها حالة في ندرة وجود المبدعين الحقيقيين، ومرحلة «التسعينيات» كانت فترة لامعة لصناعة الأغنية الإماراتية بمفهومها الحرفي، حيث كان هناك زخم وتفرد في الكلمات والألحان والأصوات، وكانت فترة ثرية غنائياً، وكان لاهتمام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في فترتها، الأثر الأكبر، وبالنسبة لي شخصياً، وضعت أساسات للعديد من الأنماط اللحنية والإيقاعية، أو بالأصح أنشأت قوالب باتت رائجة حالياً، وأكمل: «أتمنى من الجيل الجديد من الملحنين، البحث والاستماع المستمر، وتحفيز هرمون الإبداع والابتكار لديهم، لصناعة حقبة جديدة من الأغنية الإماراتية».

ازدهار أم انحسار؟
هل تعيش الأغنية المحلية اليوم مرحلة ازدهار أم انحدار؟، سؤال رد عليه خالد ناصر بقوله: نحن نعيش حالياً في مرحلة الكم وليس الكيف، باتت الأغاني في دائرة واحدة، لا يوجد تجديد أو ابتكار، فمثلاً أثناء تلحيني لأغنيات من كلمات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان هناك في الساحة كبار الملحنين الخليجيين، وكان هناك رخاء في الأغنية الخليجية، لكنني أوجدت بصمتي، وأثبت وجود الأغنية الإماراتية، وتفوقت في فترتها على الأغنية الخليجية، كنت متفرداً في ابتكار قوالب وجمل موسيقية، وكان المجال مفتوحاً أمامي لتجربة وخلق كل ما هو جديد.

 

اقرأ أيضا

«تحدي الرسم».. رسائل بألوان التفاؤل