الاتحاد

تقارير

الإصلاح العربي

تتميز سياسات الدول في الغالب بالثبات والاستقرار الظاهري، فالقائمون على السلطة، عادة لا يرغبون في التجديد أو الإصلاح أو التغيير، إذ قد يتمخض عن إشكالات لم تكن في الحسبان. لكننا نشهد اليوم أن مفردة الإصلاح دخلت العالم العربي كمفردة تحمل معاني عديدة، فالإصلاح في نهاية الأمر هو دعوة للديمقراطية والحداثة، دعوة للعدالة الاجتماعية والمساواة، دعوة للإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. لهذا فإن دعوات الإصلاح وما تحمله من عناوين، لاسيما الديمقراطية، هي في حقيقة الأمر طرح لمسألة الحكم من خلال ما تفرزه صناديق الاقتراع من نتائج تخول هذا الطرف أو ذاك بالحكم. وهذه هي المسألة الأساسية في سياسات الدول عامة.
وإذا كانت المطالبة بالإصلاح والتغيير من لدن الأنظمة، فإن الأنظمة التي تعد بالديمقراطية من خلال الكلام فقط، سرعان ما تتراجع عنها إذا ما رأت أن سلطتها مهددة، وقد تخشى من الديمقراطية عندما تتجذّر في بنية أي نظام فتصبح كقانون عام من الصعب العودة عنه.
كما أن كثيراً من الحركات السياسية طالبت وتطالب بالإصلاح والتغيير لكنها لا تختلف عن أغلب الحكومات، من حيث التنكر للمبادئ التي تنادي بها، إذ تلجأ إلى ممارسة صنوف من القمع والقهر ضد من أولاها الثقة ومحضها التأييد، وأوصلها إلى سدّة الحكم.
بعض النظم تنصلت من دعوات الإصلاح والتغيير، متذرعة بالخصوصيات المحلية مرة، وبالظروف الإقليمية مرة أخرى. وكثيراً ما تتراجع السلطة في العالم العربي عن وعودها الديمقراطية ليتبدد الإصلاح كسحابة صيف!
إن نظرة متأنية إلى الواقع الإقليمي والدولي، وملاحظة الدعوات الواسعة من النخب والجماهير معاً للإصلاح والتغيير، تؤكد أن الانتقال الديمقراطي طريق لابد من السير فيه، وأن الوصفات القديمة لم تعد تعفى منه، وأنها ما عادت مرضية لإيهام الناس. وعلى هذا الأساس يمكن أن ينظر العالم إلى أية دولة ويقيمها وفق ما يتمتع به شعبها من حرية أو ما يتعرض له من قمع واستبداد. وهكذا أصبح يجري تصنيف الدول في عالمنا الراهن.
ومن أهم العوامل التي تدفع باتجاه التغيير، هو الوعي العام، والتقدم الثقافي والمعرفي، وسعي النخب الفكرية والثقافية لبيان الحاجة إلى الإصلاح... وضمن هذا تأتي محاولات الرواد العرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في دفع بلدانهم نحو التغيير واللحاق بركب التطور. لكن الليبراليين العرب فشلوا في مسعاهم بسبب الأرضية غير المؤاتية حينها لتثبيت وترسيخ الديمقراطية في بلدانهم، لتخلفها عن الواقع العالمي ولوجود قوى راديكالية، قومية ويسارية وإسلامية، فضلاً عن قوى متشددة قادت شعوبها في المنطقة.
إن من مقتضيات الإصلاح الإقرار بمبدأ المواطنة التامة أولاً، والمساواة أمام القانون، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين. وهذا الأمر بالطبع يشرعن للتعددية الفكرية، بعيداً عن ممارسة القسر والإقصاء والعنف، وتوسل السبل السلمية للنضال، فلا داعي أيضاً لقوانين الطوارئ، ولا حاجة للمراقبة والملاحقة والاعتقالات الكيفية.
إن معوقات الإصلاح الداخلي في العالم العربي عديدة، منها هشاشة بنية الدولة العربية، والعقلية القبلية السائدة، ونمو روح الطائفية، وحداثة التجربة وضعفها بالنسبة للنظم العربية، وافتقارها للتراكم التاريخي، والنظر إلى الغرب كعدو فحسب، والتنكر لحقوق الأقليات، وعجز النخب عن تعبئة الجماهير، وملاحقة النخب من قبل النظم أو حتى احتوائها بالإخافة والتضييق والملاحقة أو ببعض الإغراءات...
إن الدعوة اليوم للإصلاح، تأتي استجابة للمطالبات الوطنية في أكثر من بلد عربي، والتي تجسدها الطبقات الفقيرة في المجتمع، وتنظر لها النخب الفكرية، وتدعو لها الحركات السياسية.
وثمة فريق استبد به اليأس من الإصلاح الداخلي، وأصبح ينظر إلى الخارج كسند ومعين، فيبرر التدخل الخارجي، ويدعو له، بعد أن استنفد محاولات التغيير من الداخل. وبالمقابل هناك فريق آخر يدعو إلى الإصلاح والتغيير من الداخل بمشيئة وطنية، لكنه لا ينفي المعونة السياسية والمعنوية الخارجية وفقاً لظروف وواقع كل بلد على حدة وحسب الظروف الدولية.



دهام حسن
كاتب سوري
ينشر بترتيب مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا