صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

حق الاختلاف.. ضمانُ الشرعيَّة

في الاختلاف تكون العناصر متباينة متصالحة وفي التميّز متمايزة متفاضلة

في الاختلاف تكون العناصر متباينة متصالحة وفي التميّز متمايزة متفاضلة

كل المطالب الأساسية التي تتصدر اليوم الخطاب العام، وأعني مطالب التعددية، والديمقراطية كنظام لتدبير التعدد، وحقوق الإنسان كشرط أساسي لشرعية أيّ نظام، كل من هذه المطالب يتأسس كما نعلم، على مبدأ «الحق في الاختلاف»، فما الذي نعنيه بهذا المبدأ؟ محاولة للإجابة المقتضبة على هذا السؤال سنبدأ أولاً بتحديد ما ليس اختلافاً. وذلك بإثبات الفرق بين الاختلاف والتمايز، ذلك التمايز الذي قد يصبح تميّزاً في بعض الأحيان.

الاختلاف ليس مجرد التميّز. فبينما يضعنا الاختلاف أمام متخالفين مبعداً أحدهما عن الآخر، مقرباً بينهما في الوقت ذاته، ويعرض علينا أشياء يتنوع وجودها ويتباين وقد اجتمعت في الحضور ذاته، فإن التميّز يعرضها أمامنا متباعدة منفصلة. في الاختلاف تمتد العناصر في خطّ أفقي متباينة متصالحة، وفي التميّز تنتظم وفق سلم عمودي متمايزة متفاضلة. الاختلاف ينخر الكائن ذاته ويصدع الهوية، أما التمايز فيتم بين هويات متباعدة، وكيانات منفصلة، بل كيانات متفاضلة.

موقف اختباري
لتوضيح مفهومه عن الاختلاف يبدأ هيغل باستبعاد موقف رائج يدعوه هو الموقفَ الساذج عن الاختلاف، أو الموقف الاختباري. يرى هذا الموقف أن الأشياء المتباينة تختلف عن بعضها اختلافاً بحيث لا يبالي أحدها بالآخر indifférentes ما دام كل منها مطابقاً لذاته مكتفياً بها. ما «يقف» عنده الموقف الاختباري من الاختلاف هو التنوع، هو الأشياء من حيث إن بعضها يتميز عن الآخر. وإذا كان هذا الموقف يعرف الاختلاف كما يعرف التطابق، إلا أنه لا يبلغ معرفة الاختلاف الباطني أو الجوهري. يغدو الكائن هنا مجزأ إلى عناصر متعددة وأطراف مبعثرة خارج بعضها عن البعض. إن هذا الاختلاف لا يرقى حسب هيغل حتى إلى مستوى التعارض وبالأحرى التناقض.
ذلك أن التنوع والتبعثر لا ينتعش إلا إذا تلقت الأشياء التي تشكله السلب الذي هو سر الحركة التلقائية. والسلب لا يكون إلا بجرّ المخالف نحو آخره لا بإبعاده عنه. آنئذ يغدو الآخر ضرورياً للذات، ولا يتحدد المخالف إلا بتعيينه الخاص بالنسبة للآخر، بالنسبة لآخره.
لهذا، فعلى رغم الرواج الكبير لمفهوم الاختلاف، لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الأمر قد لا يتعلق، في غالب الأحيان، إلا بمفهوم التميّز. وبعض دعاة الاختلاف لا يصدرون في الحقيقة إلا عن التسليم بتمايزات، أو تميّزات. وكل ما نسمعه عن «الحق في الاختلاف» و«اختلاف الجنسين»، وعن الاعتراف باختلاف الثقافات والحضارات والأجناس واللغات، قد لا يعدو عند البعض في الغالب إقراراً بالتمايز والتميز. إنها «تمايزات» تكون في أحسن الأحوال «اختلافات» أنثروبولوجية، وفي أغلبها «اختلافات» جغرافية، بل عرقية. أما الاختلاف، فهو «مفهوم» إثنولوجي، وليس مجرد مفهوم أنثروبولوجي، وبالأولى جغرافي أو استراتيجي. إنه المفهوم الذي بفضله يتحدد الكائن كزمان وحركة، ويصبح بفضله التعدد «خاصية» الهوية، والانتقال والترحال «سمة» الذات، والانفتاح والتصدع «صفة» الوجود، والانفصال «سمة» الكائن.

مخاوف
هذه المفهومات: الحركة والترحال والانفتاح والانفصال والتعدد تدفع البعض عندنا إلى التخوف من ترديد شعار «الحق في الاختلاف»، وذلك خوفاً من تصدع الهويات. فهم يعترضون: إن «حق الاختلاف» إذا انشغل به أفراد من المثقفين، أو فئات في مجتمعات غربية، فلأن هذه الأخيرة قد حققت وحدتها القومية، واستقرت فيها مؤسسات الدولة الحديثة، ونما فيها المجتمع المدني القوي، ومن هنا فإن «حق الاختلاف» إذا طرح فيها فإنه يكون مطلب أفراد أو جماعات هامشية، وهو لا يهدد وحدة وطن، ولا كيان أمة، ولا استقرار دولة. في حين أن الكيان القومي عندنا مازال شعاراً تُعقد عليه الآمال، والمجتمع المدني ما زال ضعيفاً بضعف الاقتصاد القومي، هذا فضلاً عن استمرار الروح القبلية والطائفية. ونتيجة لذلك، فالدعوة إلى «حق الاختلاف» قد لا تعمل في النهاية إلا على مزيد من التفكيك والتشتيت.
لا يمكن الردّ على هذه التخوفات، التي قد تبدو مشروعة في نظر البعض، إلا بالوقوف عند مفهوم «التعدد» ومحاولة تأسيسه هو كذلك تأسيساً فلسفياً. لا يسمح المقام بالتوقّف الطّويل عند أصول المفهوم وإقامة جنيالوجياه، فلنقل بسرعة إن المدّ الفلسفي الذي طوّر هذا المفهوم هو المدّ التّجريبي، وخصوصاً عند الفيلسوف دافيد هيوم (D. Hume)، كما أوضح ذلك جيل دولوز (G. Deleuze) في كتابه الأساس «التجريبية والذاتية». ليس من المناسب استعراض تحليلات دولوز، ويكفي أن نستخلص خلاصاته التي تهمّنا هنا.
الكائنات في المنظور التّجريبي (empiricisme) علائق و«بيْنِيات» لا تحيل إلى أطرافها المكوّنة. فالوجود الفعليّ هو للروابط، وهو ما كان الفيلسوف الفرنسي جان فال (J. Wahl) يعبر عنه بقوله: «الوجود للمعِيّات (et) وليس للماهيّات (est)». العلاقة هي الأصل في الذّات، وليس العكس. العلائق هي ما يُوَلّد العناصر، وليست هي ما يتولّد بيْـن العناصر. هناك أوْلوية للعلاقة والبيْنيات على الأطراف والحدود. فلا شيء يتحقق بذاته، كل عنصر يتولّد عما يتجاوزه. ولا وجود لكل موحِّد. كل ما يوجد هو الانفتاح اللانهائي وحركة التّداخل والتعدّد التي لا تنقطع. ها هنا يغدو الكائن ترابطاً ظرفياً حركياً لا يخضع لأيّ مبدأ قار، وتصبح الوحدة مفهوماً ثانوياً، أعني يأتي ثانية، ما دامت توليفاً بين أطراف. لن يعود الاختيار مطروحاً بين الوحدة ونفيها، وإنما بين وحدة مفتوحة على إمكانات متعدّدة، وأخرى محدّدة تحديداً أزلياً. ستغدو الوحدة هنا جمعاً يقال على المفرد. إنّها، على حدّ قول دولوز، «تركيب جغرافي، وليست نشأة تاريخية».
لن تعود المسألة الأساسية إذاً تحرير المتعدّد، وإنما توجيه الفكر نحو مفهوم متجدّد للواحد. كما لن يعود التعدّد هو ما يقابل الوحدة، وإنما ما يقابل الكثرة Pluralité /‏‏‏‏Diversité. الكثرة تقوم على مفهوم الوحَدة الحسابي وتنحل إلى «تعداد»، إنها كثرة من الوحَدات، أما التعددية فهي تروم خلخلة مفهوم الوحْدة ذاته، وتفكيك الثنائي وحدة/‏‏‏‏ تعدد. الكثرة كثرة «خارجية»، أما التعددية فتقيم «داخل» الوحْدة، كي تجعل الاتصال ينطوي على انفصال، والوحدة تشمل حركة تضمّ أطرافاً. فليست علاقة الوحْدة بالتعدد كعلاقة الكلّ بالأجزاء، أو المجموع بمكوّناته، وإنما هي كعلاقة الهوية بالاختلاف. ليست التعددية والحالة هذه هي كثرة الوحدات، وإنما هي تعدّد الاختلافات. وبهذا تصير الوحدة من الحيوية بحيث تستطيع أن تستوعب التعدّد، ويصبح التعدّد مفهوماً باطنياً «يصدّع الوحدة ويضمّ أطرافها».

التعددية والوحدة
التعددية التي يتخوف منها الرافضون لمبدأ «الحق في الاختلاف» والتي تنتهي في زعمهم إلى الفوضى الاجتماعية والبلبلة الذهنية لا تنفصل عن مفهوم الوحدة: إنها تحاول أن تقيم وحدات أخرى إلى جانب الوحدة، فتضيف أحزاباً إلى الحزب، وآراء إلى الرأي. لا تروم التعددية هنا خلخلة مفهوم الوحدة، وإنما إقامة وحدات أخرى إلى جانب الوحدة القائمة. التعددية بهذا المعنى تعداد، إنها مفهوم حسابي «عددي» يجعل الوحدة كثرة. ومعروف أن توليد العدد في الحساب يقوم على إضافة «وحدة» إلى العدد الذي يتقدمه. وراء هذا المفهوم عن التعددية تكمن الوحدة وفي النهاية، نكون أمام مفهوم واحد سميناه تعدداً أم وحدة.
ما يميز هذا الموقف إذاً هو الاعتقاد بأن كل كثرة تعدد، وكل توالد عشوائي حيوية وديناميكية، هذا في حين إن توالد الحزب، على سبيل المثال، لا يكون مبرراً إلا إذا عجز بالفعل عن تصريف ديناميكيته الداخلية. وحينئذ، وحينئذ فحسب، يكون «انفجاره» مبرراً، وهو يكون وليد حيوية بنيوية. أما إن نتج الانشقاق عن خصام بين زعامات وتنازع حول مصالح فردية شخصية فإن التوالد يكون وليد أسباب سيكو- أخلاقية، والتعدد المتولد عنها تعدد وهمي، وهو بالأولى تعداد رياضي نهايته القصوى ظهور عدد من الأحزاب والفرق بقدر ما هناك من أفراد ينضوون تحت الحزب- الأب: وهنا لا فرق بين التشرذم والتعدد. ذلك أن المهم ليس تكاثر الأحزاب وتوالدها، المهم هو أن يكون الحزب من الحيوية بحيث يستطيع أن يستوعب تعدد الأصوات والرؤى. فالتعددية، مثلها مثل مفهوم الاختلاف، مفهوم باطني وليس مفهوماً خارجياً. قوة الحزب وتعدديته هي أن يمكنك أن تقيم «فيه» مخالفاً، لا خارجه وبجانبه متميزاً. فكأن التعدد يقوم على مفهوم الوحدة لا الكثرة، إلا أن تلك الوحدة ليست وحدة متطابقة تحكمها المطابقة والهوية، وإنما وحدة يطبعها الاختلاف. والاختلاف، كما أتينا على القول، ليس علاقة خارجية بين طرفين وإنما علاقة تجر طرفاً إلى الآخر بفعل التباعد بينهما.
على هذا النحو يغدو الشعاران: شعار التعددية وشعار «الحق في الاختلاف» وجهين لأمر واحد يجعل الكثرة حاصل ضرب لا ناتج جمع وضم. وحاصل الضرب في مجال الحساب، كما نعلم يكون بين «عوامل فعالة - Facteurs»، أما الجمع والضّم فلا يكون إلا بين «عناصر - Eléments».
ها نحن نرى أن الرد على المعترضين على «حق الاختلاف» والمتخوفين من نتائجه لن يتحقق بالقفز على الواقع التعددي باسم وحدة أيديولوجية، أو بانعزال كل طائفة دينية أو إثنية أو ثقافية باسم خصوصيتها المطلقة، وإنما بإعادة النظر في مفهوم «التعدد» ذاته، وفي دلالة «الاختلاف». آنئذ يغدو الاختلاف أساساً لتعددية لا تعني الشتات والتشتت، ولا عودة إلى طائفية أو قبلية، بل تكون نظاماً لمجتمع مدني متعدد العناصر والمصالح، تتعاقد أطرافه حول مؤسسات بناء على وفاق عام متجدد بالوسائل الديمقراطية، من حيث إن الديمقراطية ليست إلا تدبيراً للتعددية عن طريق مؤسسات قائمة على رباط المواطنة، ذلك الرباط الذي هو القاسم المشترك بين العناصر المتعددة و المؤلِّفة للوفاق العام. وبهذا المعنى تكون «التعددية» إطاراً سياسياً واجتماعياً متقدماً بالقياس إلى المفهوم التبسيطي الاختزالي لـ«الوحدة»، ويغدو مبدأ «الحق في الاختلاف» هو الخلفية الأساس التي يستند إليها مطلب التعددية، ومطلب الديمقراطية، ومطلب حقوق الإنسان.

معارضو الاختلاف: يصلح للغرب فقط!
يقول المعارضون لشعار «حق الاختلاف»، إن المجتمعات الغربية حققت وحدتها القومية، واستقرت فيها مؤسسات الدولة الحديثة، ونما فيها المجتمع المدني القوي، ومن هنا فإن «حق الاختلاف» إذا طرح فيها فإنه يكون مطلب أفراد أو جماعات هامشية، وهو لا يهدد وحدة وطن، ولا كيان أمة، ولا استقرار دولة. في حين أن الكيان القومي عندنا مازال شعاراً تُعقد عليه الآمال، والمجتمع المدني ما زال ضعيفاً بضعف الاقتصاد القومي، هذا فضلاً عن استمرار الروح العشائرية والطائفية. ونتيجة لذلك، فالدعوة إلى «حق الاختلاف» قد لا تعمل في النهاية إلا على مزيد من التفكيك والتشتيت.

ردّ على الخائفين
الرد على المعترضين على «حق الاختلاف» والمتخوفين من نتائجه لن يتحقق بالقفز على الواقع التعددي باسم وحدة أيديولوجية، أو بانعزال كل طائفة دينية أو إثنية أو ثقافية باسم خصوصيتها المطلقة، وإنما بإعادة النظر في مفهوم «التعدد» ذاته، وفي دلالة «الاختلاف». آنئذ يغدو الاختلاف أساساً لتعددية لا تعني الشتات والتشتت، ولا عودة إلى طائفية أو قبلية، بل تكون نظاماً لمجتمع مدني متعدد العناصر والمصالح، تتعاقد أطرافه حول مؤسسات بناء على وفاق عام متجدد بالوسائل الديمقراطية.