الاتحاد

دنيا

عز الدين المناصره: محمود درويش يخشاني


عمان ـ توفيق عابد:
يلقبونه بـ 'المتطهر الثوري' كلماته كحد السيف تفرز الحقيقة عن الزيف السياسي ؛يتحدث علنا بلا وجل فيما يتحدث آخرون وهم كثر في الغرف المغلقة ودائما يدفع الثمن دون أن يلتفت الى الوراء · ساموراي ناضل بالبندقية والقصيدة ولم يحارب من مكتب مكيف أو فندق خمس نجوم ورغم ذلك أكلته الثورة وتناساه الثوار 'الابوات ' وخاصة رفقاء سلاح الكلمة المقاتلة منهم ليس بسبب تقصير في واجب وطني او قومي بل لأنه اختار موقف المعارض لما يجري حوله ·
هذا هو الشاعر الدكتور عزالدين مناصرة صاحب قصيدة ' حصار قرطاج ' الذي يثير الغبار أينما يحل لا يعرف الفرار أبدا بل يعطي الفعالية الثقافية أو السياسية التي يتواجد فيها ' نكهة خاصة ' لشجاعته وجرأته في البوح بمواقفه تجاه القضايا المطروحة · بشر بنظرية جديدة حول الأدب المقارن وهاجم محمود درويش وقال إنه يخشاه شعريا·
' دنيا الاتحاد ' استضافته على مدى ساعة كاملة خلال استراحته في الجامعة التي يعمل بها للحديث عن قضايا ثقافية ساخنة تشغل الرأي الثقافي وخاصة معاركه مع الشاعر محمود درويش التي أصبحت حديث المجالس الادبية وتندر وسائل الاعلام ·
أزمة أخلاقية وفلسفية
؟ يقال اننا نعاني من أزمة ثقافية انسحبت على المثقفين ·· ما هو رأيك ؟
أتفق مع هذا القول جدا وأضيف عليه أن هناك أزمة أخلاقية فلسفية ؛ فالمثقفون العرب وصلوا الى حالة الفساد العام من وجهة نظري مظاهرها ' مشرعنة 'اعتاد الناس عليها وأصبحت وكأنها النموذج وما يقابلها من مثل وأخلاق أصبحت مرفوضة · لدينا أزمة معرفية تصاحبها أزمة أخلاقية وهنا تكمن المشكلة فنحن تائهون بين قيم غربية مفروضة علينا في وقت نحتاج فيه الى الغرب بينما واقعنا هو التخلف والفقر والاحتلال · الوضع مزر جدا يعبر عن مرحلة انتقالية يتم فيها 'هز المثل التقليدية ' وبالتالي نضطر للمقاومة باتجاه الحدث فيما لم يتم توطين الحداثة في الوطن العربي الا بأشكال رمزية تدل كلها على الهيمنة الغربية ·
العقائد واللغة ·· اهتزت
؟ قلت إننا نعيش أزمة مشرعنة ·· ماذا تقصد بذلك؟
عندما نقول إن مصطلح الارهاب يقابله ' المقاومة ' أصبح الخلط بين المقاومة والارهاب ' مشرعنا ' أي مقبول لدى شرائح من المثقفين وهنا الخطر في القضية حيث اهتزت حتى العقائد واللغة وكل شيء · ورغم ذلك أنا متفائل لأن الهوية تصمد امام العولمة فهي تصارع وتقاوم وتأخذ من الشيء القادم ما هو مفيد كما أنها لا تتحول الى نقيضها تماما أي تمحو نفسها فاسرائيل تعمل على محو الهوية الفلسطينية لكن هذه الهوية لا يمكن حتى ولو كانت ضعيفة أن تسلم نفسها ببساطة ·
؟ هذا هو الواقع تقريبا ··أين مسؤولية المثقفين من وجهة نظرك ؟
يجب على المثقف أن يحدد أولا الوظيفة والهدف الذي يقوم به ومن وجهة نظري فإن وظيفته أن يبقي في الناس روح المقاومة سواء أكانت طرد الاحتلال أم تغييرا اجتماعيا أم سياسيا ·
ويفترض أن يساند المثقف كل قوى التغيير وحتى قوى المعارضة والمخالفة اذا كانت على حق ووظيفته الوجدانية أيضا كشاعر أو روائي او غيرهما ألا يستسلم لما هو سائد ومسيطر لأن الثقافة السائدة دائما مربوطة بالانظمة التي لها بنية محددة تحاول من خلالها أن تفرض الحل من وجهة نظرها ' وظيفة الفنان ألا يستسلم لما هو سائد في هذه الثقافة '·
أعترف بأنني محبط لأن معظم المثقفين العرب ذهبوا الى اتجاه آخر وبدأوا يبررون محدثين انقلابات من مكان الى آخر فقد تحول بعض المثقفين من اتجاه فكري الى آخر مطبعين ومنظرين الى أطراف ما زلنا حتى الان نصنفها في خانة الاعداء · فنحن لم نرفض الحوار مع المثقفين الاسرائيليين الديمقراطيين الذين يقولون بحقوق الشعب الفلسطيني ولكن نرفض الصهاينة منهم ومع ذلك نجد مثقفين عربا يبررون ذلك الالتقاء معهم في اوروبا للتمرير مقابل فتات هزيل وأحلام بجائزة نوبل · وأقول بصراحة أكثر ان بعض الشعراء العرب يلهثون وراء جائزة نوبل وبالتالي أقول لا يمكن لأي مبدع فلسطيني أن يفوز بهذه الجائزة الا اذا ' ختم قفاه ' بخاتم تل أبيب و' تذكر كلامي' ·
انشقاق
؟ هذا يقودني الى التساؤل ··هل ما يجري انفتاح فكري أم انشقاق بين المثقفين؟
في تقديري هو انشقاق في صفوف المثقفين لأن التطبيع معناه فلسفيا هو إزالة العوائق أمام الشيء لكي يصبح طبيعيا ·واذا طبقنا هذا على اسرائيل لوجدنا أنها لم تقدم حلولا للفلسطنيين وتعمل على محو الهوية الاصلية الأخرى لكي تبقى تتسلل الى العالم العربي على حساب الشعب الفلسطيني · فالمثقفون للأسف يقلدون الحكام والسياسيين ووظيفة الاديب أو الفنان ليست أن يقلد السياسي بل هو طليعة له حتى ولو سلم السياسي تكتيكيا ·
؟ هذا يعني اعترافا صريحا بالهزيمة أمام السياسيين ؟
نعم انهزمنا كمثقفين أمام السياسة لأن الخلل وقع عندما لم يصبح لهم دور والانظمة التي هزمت ألقت اللوم عليهم منذ عام 1967والغريب أن بعض المثقفين استسلموا أمام الكلام بأنهم سبب الهزيمة والحقيقة ان الانظمة هي السبب وأرى بعض السياسات الحكومية أحيانا تأتي على يسار المثقفين الذين قلدوا حكوماتهم وتحولوا الى مخبرين · والمخبر هو الذي ينفذ أوامر الحكومات حرفيا بطرق ذكية فيما المثقف الجذري كما يسميه ' غرامشي ' غير موجود وأمامه طريقان هما العزلة او المقاومة الفردية · وعلى سبيل المثال ما حدث في عمان في حادثة اغتيال خالد مشعل فقد تقدمت الحكومة على المثقف فوصفت ما جرى بأنه' مؤامرة ' فيما قال المثقف أنها 'طوشة وشجار شارع '· ومن وجهة نظري يجب أن يكون المثقف كما قال المفكر الراحل الدكتور ادوارد سعيد 'أن يقول الحقيقة للسلطة ' وفي ذات الوقت الا يبدو معزولا ' معادلة صعبةأن تظل دبلوماسيا عنيدا في وسط جو معاد لك '·
؟ يصفك البعض بأنك صدامي ·· ترى ما هي آخر المعارك مع الشاعر محمود درويش ؟
اولا لست صداميا ولا مغرورا ولا أي شيء آخر ؛ أنا أقول كلمتي وأمضي فتجد من يقف معها ومن يقف ضدها وفي السبعينات كانت علاقتي مع محمود درويش قوية وبيني وبينه صداقة مشهورة وكان يلجأ لي في الملمات عندما لم يكن معه أحد فقد كنا في الثورة الفلسطينية ثلاثة شعراء أنا وهو ومعين بسيسو وحتى منتصف الثمانينات كنا متعادلين لكن الاشكالية أن كل واحد أصبح يلعب في ملعبه الخاص وهذا من حق كل شاعر في أن يستعمل كل الوسائل لكي يصل الى أهدافه ' هو اختار طريقا وانا اخترت طريقا آخر'· أنا لا استطيع القول لعاموس عوز وعامور كيلان 'هذه الارض نصفها لي ونصفها لك ' أنا أقول لعوز الذي يعيش بتل عراد في بئر السبع 'انا أعيش في المنفى منذ 40 سنة وممنوع من العودة الى الخليل'·
؟ لكن الخلاف تعدى ' الشخصي ' لدرجة أنك ظللت تقاطع مهرجانات درويش ؟
ويضيف الدكتور مناصره قائلا : لقد قاطعت مهرجانا في لندن عام 1985 كنت والمرحوم ناجي العلي مدعوين فاشترط شطبنا وهذا سر أقوله لأول مرة ' لدنيا الاتحاد ' ·
وفي جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر 1983 دعيت لإلقاء القصيدة ' احتفظ بنسخة من البرقية' ففوجئت بأن درويش اشتغل من الخلف حتى لا ألقي قصيدتي التي كانت بعنوان ' حصار قرطاج ' وقصيدته ' مديح الباب العالي '·
لقد أبقيت صداقتي معه بطيبة قلب وكنا نلتقي في بيروت يوميا متحالفين سياسيا ضد تيار آخر في اتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين ولكن عندما أقنعه البعض بشطب زملائه وعلى رأسهم عزالدين مناصره دبت الخلافات ' كنا أربعة توفي واحد ·· نحن زملاؤه الحقيقيون ·· أنا وأحمد دحبور ومريد البرغوثي والمرحوم محمد القيسي ' ·
وإثباتا لكلامي فإن مجلة الكرمل التي يرأس تحريرها لم تعرض كتابا واحدا لي من مؤلفاتي الثلاثين شعرا أو نقدا فيما نشرت مجلة الشعراء في رام الله لشعراء لم يصلوا الى ' كعب حذائي ' الشعري ؛ وعندما قيل لهم ' عزالدين مناصره ' وضعوا علامة سوداء ·
وفي مهرجان فرانكفورت شطب محمود درويش ويحيى يخلف اسمي لأنني معارض ·· أليس من حق المعارض أن يكون شريكا ؟؟
إنه يخشاني شعريا
؟ بصراحة هل تريد أن تقول إنه يخشاك؟
أعتقد شعريا لا يخشى محمود درويش سواي
؟هل هناك وساطات لمصالحة بدلا من المساجلات والمناكفات عبر الإعلام ؟
لا أقبل فكرة الشاعر الأوحد أو الزعيم الأوحد فقد صرح غير ذات مرة ضدي وقد رددت عليه وذكرته بصداقتنا القديمة ومواقفه السلبية التي كنت أعرفها جيدا لكنني كنت ' أصبر واطنش ' ·
أما المصالحة فأنا لست ضدها لكنها مربوطة بإصلاحات ؛ أطالب بها وهو يقول إنه لا علاقة له · وأنا أجزم بأن علاقته مباشرة فالجوائز التقديرية الفلسطينية أعطيت لأناس يستحقون ولآخرين لا يستحقون والذين لا يستحقون حصلوا عليها لوجود علاقات عامة · الناس يعرفون ذلك ويقولون في الغرف المغلقة ما أقوله علنا · أنا مع ثقافة فلسطينية متعددة ولما عملت الموسوعة التشكيلية الفلسطينية في مجلدين بعد عشر سنوات من الجهد لم أحصل على قرش واحد في مشروع تبناه الناشر ' مجدلاوي ' لم نجد أية امكانية مالية لاضافة صورة لارتفاع تكلفتها فيما دفعوا ' لم يحددهم ' الالاف لأناس في عمان ولم ينجز شيء بل صوروا عدة لوحات لفنانيين ثم أودعت المخازن·
الأبحاث الأكاديمية ·· تشغلني
الملاحظ أن إنتاجك الشعري شحيح هذه الأيام ·· ماذا وراء ذلك ؟
ويضيف قائلا : هذا صحيح فآخر ديوان صدر لي رقم 10 عام 2000 ' لا أثق بطائر الوقواق ' فقد انشغلت بالبحوث الاكاديمية وأصدرت ' الهويات والتعددية اللغوية ' عن اشكالات اللغة الكردية والسريالية والامازيغية والفرنسية وسيطرتها ·
أعمل على عدة جبهات ؛ أركز على الجانب الاكاديمي تارة و' أخربش ' قصائد لكن لم يتجمع عندي مجموعة جديدة كاملة ·ثقافيا أعمل على نظرية جديدة حول استبدال الادب المقارن بعلم جديد وقريبا سأنهي البحث ·
الأخت الكبيرة
هذا يقود الى سؤال ·· ما هي آخرالخربشات؟
لا أذيع سرا اذا قلت ان آخر ' خربشاتي مشروع قصيدة ' للا فاطمة ' وتعني ' الاخت الكبيرة أو السيدة ' وهي بطلة جزائرية من الجبال قاومت الاحتلال الفرنسي وقادت المقاومة ·
وفي الجزائر يعشقون قصيدة لي بعنوان ' حيزية ' ويطلبون مني قراءتها في كل ندوة أشارك فيها هناك وهي شخصية شعبية صحراوية ·
واذا جاز لي التوسع أقول : إن ' أمازيغ ' الجزائر كما قال القديس أوغسطين وابن خلدون إنهم فلسطينيون من جنوب فلسطين لكن البعض يقولون إنني أحاول ' كنعنتهم ' والحقيقة أن كل الاشارات تدل على أنهم الفرع الهكسوسي الكنعاني الذي حكم مصر وعندما انهارت الدولة الهكسوسية عاد جزء الى القدس وبلاد الشام والاخر الى شمال افريقيا ·
القديس اغسطين ليس بالصدفة يقول إن في ' لوميديا الشرقية ' يقصد الجزائر يقولون اننا كنعانيون ·· هل يمكن أن تكون هذه الجملة دون رصيد!!
ويقول ابن خلدون صراحة إن قبائل 'الامازيغ' من كنعان جنوب فلسطين بعد أن هزم جالوت سافروا الى شمال افريقيا ·
واختتم الدكتور مناصرة حديثه بالقول : لماذا كان تيار ' ثقافة التأسرل ' يطالبنا في مطلع الثمانينات بالفصل السياسي عن الثقافي والان لم يعد يتحدث عن فصل السياسة عن الثقافة عندما اندمج ' المثقف المتأسرل ' بطروحات العولمة ·· هذا سؤال يحيرني !!

اقرأ أيضا