الاتحاد

دنيا

مراكز ترعى المسنين في النهار فقط


إعداد-هالة دروج:
رعاية المسنين أصبحت من المشاكل الاجتماعية البالغة الأهمية التي تواجه المجتمعات في عصرنا الحالي والتي تولدت بالطبع نتيجة للتغيرات الكثيرة التي طرأت عليها· من هذه التغيرات ازدياد نسبة المسنين في كثير من البقاع التي تشهد انخفاضا كبيرا في معدلات الولادات· فالأزواج الذين كانوا يفكرون من قبل في إنجاب عدد كبير من الأبناء والبنات كانت رعايتهم في الكبر مسؤولية يتقاسمها الجميع· أما في العصر الحالي ففي كثير من الأحيان أصبحت هذه المسؤولية تلقى على عاتق ابن واحد أو اثنين على الأكثر· حتى في بعض العائلات التي تمتاز بوجود عدد كبير من الأبناء والبنات لا يكون الأمر سهلا ويسيرا فالجميع منهمكون بمشاغل الحياة اليومية وبممارسة المهن والأعمال، وهذا ما يقلل من إمكانياتهم في تخصيص الوقت الكافي للعناية بالأب أو الأم عند الكبر ويتركهم يعانون من الشعور الدائم بذنب التقصير·
منذ زمن طويل سعت الدول لتأمين مراكز رعاية يقيم فيها المسنون بشكل دائم ويستقبلون أبناءهم وأحفادهم في زيارات قصيرة لا تكفي لسد حاجتهم من الحنان والحب· لاقت هذه المراكز استحسان البعض الذين وجدوا فيها حلا لمشكلة أساسية في حياتهم، لكنها في الوقت نفسه لاقت استهجان الكثيرين، حتى في المجتمعات الغربية، الذين يرفضون فكرة ترك الوالدين المسنين في عهدة غرباء بعيدين عن متعة القرب من أبنائهم وأحفادهم ومحرومين من العاطفة الصادقة في سنوات عمرهم الأخيرة· وفي مواجهة هذه المشكلة يضطر البعض للتوقف عن العمل للتفرغ لرعاية الأبوين، في حين يقوم آخرون بالاستعانة بأشخاص آخرين لأداء هذه المهمة أثناء غيابهم عن المنزل· لكن الحل الذي لجأت إليه الأميركية دوريس باركر يختلف عن كل تلك الخيارات ويبدو في نظر الكثيرين الحل الأنسب الذي يؤمن لكبار السن العيش بكرامة في ظل حب أبنائهم، كما يوفر للأبناء فرصة متابعة أعمالهم والاستمرار بحياتهم بشكل عادي·
تجربة واقعية
عاشت دوريس باركر البالغة من العمر 57 عاما تجربة شاقة خلال الفترة التي كانت تعمل فيها خارج المنزل بالإضافة إلى العناية بأبويها المسنين اللذين يعانيان من الزهايمر وهما بحاجة إلى عناية دائمة إذ تجاوزا التسعين من العمر· كانت دوريس تشعر دائما بضرورة حصولها على المساعدة للاستمرار بأداء واجباتها داخل وخارج المنزل· فعندما كانت تذهب للعمل كانت دائمة الانشغال بالتفكير بوالديها، لذلك قررت تسجيلهما في مركز نهاري لرعاية المسنين يذهبان إليه لخمسة أيام في الأسبوع في فترة غياب ابنتهما في العمل· الأمر يشبه تماما اصطحاب الأطفال الصغار إلى دور الحضانة خلال ساعات عمل الأهل· في ذلك المركز ينضم والدا دوريس إلى ما يزيد عن عشرين مسنا يمارسون معا مختلف النشاطات من زراعة ورسم وأشغال يدوية وإعداد طعام والمنافسة في الألعاب والقيام برحلات قصيرة وغيرها·
لقد أمن هذا المركز لدوريس فرصة الخروج للعمل مع الاستمرار بالاحتفاظ بوالديها معها في المنزل بدون أن تحتاج إلى دور المسنين العادية· كما أمن للوالدين أيضا فرصة إقامة علاقات اجتماعية مع أقرانهم من نفس الفئة العمرية، بالإضافة إلى الحفاظ على النشاط والحيوية والحصول على الرعاية الطبية من أشخاص مختصين·
فمن أهم التحديات التي يواجهها كل من يقوم بالعناية بمسن هو كيفية مساعدته على التأقلم مع الانتقال من نمط الحياة المستقل تماما إلى نمط آخر يكون فيها بحاجة دائمة إلى رعاية الآخرين على مدار الساعة· وهذه هي العقبة التي تحاول تذليلها مراكز الرعاية النهارية التي يزيد عددها عن 3500 في الولايات المتحدة· تمثل هذه المراكز نوع جديد من الخدمات التي يستفيد منها عدد متزايد من العائلات التي تجد نفسها في وضع يتطلب العناية بمسن· فنسبة المسنين في العالم آخذة بالتزايد وهذه طريقة مناسبة لحل المشكلة إذ تحول دون المعاناة من الشعور بالذنب عند أولئك الذين يضطرون أحيانا لوضع آبائهم في دور العجزة، كما تساهم أيضا في عدم إحاطة المسنين بهالة من العزلة الاجتماعية التي تؤدي بالتالي إلى تراجع حالتهم العقلية والفكرية·
نقص
وبالرغم من آلاف المراكز المتوفرة في الولايات المتحدة إلا أن الإحصائيات ما زالت تشير إلى نقص حاد فيها والحاجة إلى زيادة أعدادها بضعفين أو أكثر· وستزداد هذه الحاجة خلال السنوات القادمة بسبب التزايد في أعداد المسنين في أميركا إذ يتوقع أن يكون هناك 70 مليونا ممن تزيد أعمارهم عن الخمسين عاما بحلول عام ،2030 أي ضعف عددهم في عام ·2000
تقدم مراكز الرعاية النهارية للمسنين خدمات كثيرة مثل المواصلات والنشاطات الرياضية والترفيهية وإعادة التأهيل وتقديم وجبات الطعام· كما تقدم بعض المراكز الاستشارات والنصائح لأفراد العائلة التي تعتني بمسن· تتراوح تكاليف التسجيل في مركز من هذا النوع بين 60 و80 دولارا يوميا وهو الأمر الذي بدأت شركات التأمين الصحي في أميركا تساهم في تغطية نفقاته· لكن الأمر لا يقتصر على الكلفة المادية وحسب بل يتطلب أيضا اختيار المركز المناسب للمتطلبات الشخصية للمسن· فهناك مراكز تهتم إما بالناحية الجسدية أو النفسية للمسنين وهناك مراكز أخرى تهتم بكلا الجانبين· بعضها يختص بكبار السن الذين يعانون من حالات خرف الشيخوخة، وبعضها يركز على إعادة تأهيل المسنين الذين تعرضوا لسكتات أو أمراض أخرى· الأميركية ماي تشيري البالغة من العمر 78 عاما هي أحد المستفيدين من مراكز إعادة التأهيل هذه فقد تمكنت بفضل أحدها على المشي من جديد بعد أن أصيبت بسكتة دماغية جعلتها أسيرة الكرسي المتحرك· تقول السيدة تشيري في حديث لصحيفة بالتيمور صن: 'أنا أحب المجيء إلى المركز كثيرا· عندما أبقى في المنزل أشعر بالملل· أما هنا فالجميع يهتمون بي ويساعدونني ويدفعونني نحو الأفضل'·

اقرأ أيضا