صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتوطين الصناعات الحلال

وضعت التجربة الاقتصادية للسنوات العشر الماضية قضية التوازن في التنمية بين النمو الاقتصادي والنمو الاجتماعي في محور اهتمام حكومات العالم. فبعد ما أفرزته الأزمة المالية العالمية من دروس عن أسباب اختلال النمو في الاقتصاد العالمي، أصبح تحفيز ودعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة هدفاً عالمياً ومدخلاً لنمو الاقتصاد، كون هذه المشاريع تشمل ضمن ملكيتها وطاقتها الإنتاجية أكبر فئة اجتماعية ممكنة، كما تعتبر حاضنة الابتكار والإبداع للأشكال الاقتصادية الأكثر استجابةً لمتطلبات النمو، وفي الشراكة في صنع توجهات السوق وتصويبها نحو استدامة الاقتصاد.
وبالرغم من أن الشركات والمؤسسات التي تمثل العلامات التجارية العالمية الأكثر ضخامةً وشهرة هي التي تتصدر المشهد الاقتصادي العالمي، فإن حجم مساهمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الناتج الإجمالي المحلي للكثير من الدول، يفوق توقعات المتابع العادي للحالة الاقتصادية. فالنهضة الصناعية في اليابان، على سبيل المثال، قامت أساساً على هذه المشاريع وليس على الشركات الكبرى، إذ تمثل اليوم ما نسبته 99.7% من عدد المشاريع العامة في الدولة، وتشغل 40 مليون عامل بنسبة 82% من إجمالي القوي العاملة، كما تساهم بنسبة 80% من إجمالي الناتج المحلي الياباني.
أما في الصين فتمثل المشاريع الصغيرة والمتوسطة نسبة 60% من الإنتاج الصناعي وتستوعب 75% من القوي العاملة، حتى وصل عدد المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى أكثر من 10 ملايين مشروع بنحو 99% من العدد الكلي للمشاريع الاقتصادية للصين.
نحن في الإمارات العربية لسنا استثناء من هذه الأمثلة، إذ تمثل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الدولة نسبة تزيد عن 94% من إجمالي المشاريع المحلية، تعمل 11% منها في قطاع الإنتاج الصناعي، وهو القطاع الذي سيشكل قاطرة للنمو والتنوع الاقتصادي وفق استراتيجية الدولة للعام 2021.
إن مساهمة هذا النوع من المشاريع في الناتج الإجمالي المحلي للدولة اليوم، يفوق نسبة 60% اليوم، لكن الاستراتيجية التي حددتها الدولة لمستقبل هذه المشاريع تدفع باتجاه أن تصبح القاعدة الرئيسة والمساهم الأساسي في الناتج الإجمالي المحلي بنسبة تزيد عن 70% بحلول عام 2021، وتعتبر الصناعات الحلال سواء كانت غذائية أو تلك المتعلقة بنمط الحياة الإسلامي أحد أهم محفزات النمو للاقتصاد المحلي، وهو ما يتيح فرصة تاريخية للمشاريع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة لأن تستحوذ على حصة كبيرة من هذه السوق الناشئة، وأن تنقل منتجاتها إلى العالمية، مستفيدة من معدلات النمو المتسارع في قطاع المنتجات الحلال، ومن التمويل الإسلامي الذي يركز في هذه المرحلة على إنشاء قاعدة صناعية للمنتجات الحلال في الدولة، وعلى دعم المنشآت العاملة في هذا القطاع.
إن حجم الصناعات الحلال وآفاقها كبيرة، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار سرعة نموها مقارنةً بالمنتجات التقليدية التي تعاني ذبذبات في الإنتاج والطلب، فقد قدرت منظمة التعاون الإسلامي حجم هذه السوق بنحو 2,3 تريليون دولار، 1,4 تريليون دولار منها للأغذية والمشروبات فقط، وتتوقع المنظمة أن يرتفع هذا الرقم ليصل إلى 1,6 تريليون دولار عام 2021.
إن أهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة تلك المختصة بالإنتاج الصناعي الغذائي الحلال، تفوق مجرد كونها حاضنة للطاقات الاجتماعية ومحفزة للإبداع والابتكار أو أنها تشكل في ناتج نشاطها إضافة أصيلة لمداخيل الدولة، وتنوعاً لا غنى عنه في مصادر الدخل، فهي أساس في توطين صناعة الحلال، وليس من هو أقدر على إنتاج السلعة الحلال أكثر من منشأة محلية تعي وتدرك الثقافة الإسلامية ومعايرها في الإنتاج والاستهلاك. كما أن دخول هذه المؤسسات في سوق المنتجات الحلال يسهم في رفع مستوى التنافس الذي يعتبر دافعاً أساسياً لتطوير وسائل الإنتاج الحلال ورفع كفاءة الطاقات المشغلة لها.
وللمشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاع صناعة الحلال، دور كبير أيضاً في تعزيز القطاع المالي، وضبط مستوى السيولة والحد من التضخم، يتمثل في أنها وعاء لتكوين رأس المال الاجتماعي من خلال امتصاص المدخرات الفردية والعائلية الفائضة، وجذب المستثمرين من ذوي الرساميل الصغيرة، ما يجعل من دورة رأس المال المحلي في مسارها السليم، أي توظيفه في الإنتاج الوطني التي يعود بالربح من السوق المحلية والوطنية، والمساهمة في رفع ميزان الصادرات للدول التي بحاجة للمنتج الحلال، فمعظم الدول الإسلامية لا تزال تعتمد بنسبة 75% على الدول غير الإسلامية في استيراد منتجاتها من هذه السلع والمنتجات.
إن مزايا المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة بشكل عام، والتي ذكرنا جزءاً منها، تعتبر قدراً متواضعاً مقارنةً بالمزايا اللامحدودة لهذا النوع من النشاط الاقتصادي، فهي سمة اقتصاد الغد، وضمانة استدامته وعدالته في توزيع الفرص وإتاحة المجال للإبداع الفردي والجماعي وفق اعتبارات محلية بمعايير عالمية من الجودة، كما أنها استعادة لدور المجتمع كقوة إنتاج وليس سوقا استهلاكية فقط كما كان حاله قبل عشرات السنين.
إن تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي مرتبط إلى درجة كبيرة بإشراك الأفراد ليكونوا مساهمين أساسين في العمل والإنتاج، وإتاحة الفرصة لهم للمساهمة في تشكيل المشهد الاقتصادي والدفع قدماً نحو تنمية حقيقة مستدامة في ظل اقتصاد له أثر اجتماعي إيجابي يقابل الأثر المادي التقليدي، وهذا هو الهدف الذي نتشارك قيادتنا في السعي لتحقيقه عبر توفير الحاضنة والدعم اللامحدود للمشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة في قطاع صناعة الحلال.

* الرئيس التنفيذي لمدينة تجارة الجملة