الاتحاد

الملحق الثقافي

سميح القاسم

من شبوب اللظى بورد الشّباب
هكذا كنت يا رفيق عذابي
وولجت الحياة طيفا··· وولت
عنك طيفا مسربلا بالضّباب
قيل يوما··· بالسل متّ··· ويوما
قيل: بالقلب··· والصّواب صوابي
متّ حزنا ولوعة واكتئابا
مثل موتي بلوعتي واكتئابي
وحساب الطّبيب غير حسابي
وجواب التّاريخ غير جوابي!
ربع قرن؟ هذا زمانك فينا؟
ربع قرن يمر مر السحاب
لا تؤاخذ سذاجة الوقت في
تقويم شعب مشتت في الشعاب
ربع قرن؟ ما ربع قرن وقلب
الدّهر حي بنبضك الخلاّب؟
وأغاني الحياة تدفق حبّا
وجمالا في نهرك المنساب
يا أمير النّشيد نورا وعطرا
وبهاء حيّا على الأحقاب
لك عندي من الجلال وشاح
نسجته الأنغام من أهدابي
عبقري الغناء من تونس الخضراء
وحي المحب للأحباب
والمغنّي زين الشباب عليل
بغرام حضوره للغياب
أثقلته القيود قهرا وقمعا
فتنزّى بحلمه الوثاب
وتصدّى بروحه لسجون البطش
حرا يشج نير الرقاب
فسقيم يعطي الدواء سقيما
ومعافى يثور باسم التّراب
أرهقته مرارة العيش ظلا
في ظلام الطّغاة والأغراب
فلتجلجل كما يشاء القوافي
ألف حرف بألف ظفر ونابَ!
في ظلال النّخيل أملتْ رؤاه
مشتهاها لبرتقال الروابي
والينابيع فجّرتها الأغاني
للصحارى بنعمة الوهّاب
عندليب ووردة وارتحال
من جمال لحكمة في كتاب
ورفيق في الحزن يدعي سكاليزي
قرّبته سماحة الأنساب
عربي وأجنبيّ وأرض
تجمعُ الخلق في الرّحاب الرحابِ
ومع بؤس يلتقي عنفوان
بأخيه على صليب العذاب!
شاعر الحب والكفاح··· سلاما
من أسير الطاغوت والإرهابِ
من أخيك المقيم للجرح جرحا
يزرع الورد في حقول الحرابِ
ضاق بيتي··· وصدر بيتك رحب
يا شقيقي في رحمة الأصلابِ
حضَنتْنا الأم العروبة طفلين
وزكّت حليبنا بالثوابِ
يا شقيقي··· وعشت حيّا وميّتا
بنبيذ الإبداع كنز الخوابي
في ركود الكلام وحيا جديدا
ألهَمَ السكر شهوة الأعناب
يا حبيب الحياة ضنّت شبابا
كيف ترضى بشيخها المتصابي؟
كيف ترضى وللشّباب شجون
بالنّبيّ المراوغ الكذابِ
أيّها الثائر الجميل تكلّمْ
صخرة الصّمت حطمت أعصابي
جسر ظهري يئنّ تحت مآسي
والرّصاص المصبوب يكسرُ بابي
ووحوش الناسوت تلهث حولي
وتصلّي لقاتلي وتحابي
والقصار المنافقون أطالوا
بدعاوى ملامتي وعتابي
ونفوس الغزاة في بئر نفط
ورؤوس الطغاة في الأذنابِ!
يا صديقي ويا أخي ورفيقي
جئت شوقا في موكبِ الأصحابِ
خفْق قلبي زيتونة من بلادي
حملتها إليك ريح اغترابي
وجليل الأحزان جاء مريضا
بأسى القدس والخليل المصابِ
وبروحي من غزّة النار نار
ووفود من منحة وخرابِ
يا أخا لم تلده أمّي دماء الأهل
نور يضيء درب الصعابِ
فأغثني بنور روحك برقا
نبويّا يجتاح وهمَ السرابِ
نحن أقوى معا فقم يا رفيقي
من سبات الموتى وأكملْ نصابي
نحن أقوى معا، فضمّد جراحي
بلواء الزّيتون والعنّاب
نحن أقوى· فانهض نشيدا جديدا
ردّدته مآذني وقبابي
يا أخا لم تلده أمي سلاما
وسلاما على أنين الرّبابِ
وحّدتنا أسبابُ روح ورؤيا
بارك اللّه انبل الأسبابِ
جئتُ شوقا إليك فاقبلْ دمائي
ودموعي ولهفتي واضطرابي
نحن أقوى معا· معا نحن أقوى
ورحيل الخلاّن سرّ الإيابِ!

ü القصيدة التي ألقاها الشاعر الفلسطيني سميح القاسم بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد الشاعر التونسي الكبير أبو القاسم الشابي، في احتفال أقيم في مدينة ''توزر'' بالجنوب التونسي·

اقرأ أيضا