الاتحاد

الملحق الثقافي

التناسخ بين جبران خليل جبران وإدغار ألآن بو

التناسخ بوصفه فكرة نجده ينتمي إلى تراث الشعوب الشرقية وهو فكرة قديمة وموغلة عند الصينيين والهنود، وقد استهوت هذه الفكرة الكثير من الكتاب بوصفها ثيمة أدبية يمكن بناء نصوص أدبية باستخدامها ومن هؤلاء الكتاب الأميركي ''أدغار ألان بو'' وكذلك أديب لبنان ''جبران خليل جبران''·


في قصة ''ألان بو'' المسماة ''ميتزينغيرنشتاين'' وهي مثال لقصص الرعب التي كانت قد استحوذت على مخيلة الأوروبيين والأميركيين في ذلك الوقت والتي قصد بها ''بو'' السخرية من الذوق السائد، حيث نسجها على طريقة الكاتب الألماني ''ت· أ· هوفمان'' معتمداً عنصر التشويق وبلغة شعرية مكثفة حيث نقرأ: ''في ليلة عاصفة، استيقظ ''ميتزينغيرنشتاين'' من نوم عميق، وهبط كمجنون من غرفته حيث اعتلى جواده بسرعة فائقة، انطلق إلى متاهات الغابة، لم يثر ذلك الحدث العادي أي اهتمام معين، غير أن خدم البيت ما لبثوا أن انتظروا عودته بقلق عارم حيث لم تمض بضع ساعات على غيابه إلا وأحدث شرفات قصر ''ميتزينغيرنشتاين'' ذات الفخامة والبهاء بالتصدع والتمايل من أعماق أسسها بفعل كتلة اللهب الأزرق الكثيف لا سبيل إلى السيطرة عليه''···
أسيجة الرعب والحرمان
إن قصص ''ألان بو'' وهو الذي عاش حياة غير مستقرة يملؤها الرعب والخوف محاطة بأسيجة من الحرمان والتسول والأدمان واللاحب، كانت مرآة لما يعتلج في عقله الباطن من أحداث مغيبة ومخيفة وهي صورة مجسمة لشخصيته وحياته غير المستقرة كما يبدو ذلك واضحاً في قصة ''سقوط منزل آل آشر'' حيث يصف فيها شخصية ''فريدريك آشر'': ''بشرة شديدة الشحوب، عين كبيرة سائلة وبراقة فوق حدود الوصف، شفتان رقيقتان شديدتا الاصفرار غير أن بهما تقوسا جميلا مدهشا، أنف ذو نمط عبراني دقيق، غير أن به اتساعا عند الثقبين غير معهود في ذلك النمط، ذقن أنيقة الشكل تنم في عدم بروزها عن حاجة للقوة المعنوية، الشعر أكثر نعومة من نسيج العنكبوت ومع اتساع غير عادي عند الصدغين، فقد شكلت كل تلك القسمات وجهاً يتعذر أن ينسى بسهولة''·
إن ''فريدريك آشر'' ما هو في الحقيقة إلا ''بو'' نفسه وقد تسلل إليه الرعب وقد أسقطت على مرآته الداخلية، إنها فعلاً صورة لا تنسى للكاتب المختفي خلف شخصيته·
ولو عدنا لفكرة التناسخ في الأديان القديمة لوجدناها تعبر عن رؤيا ناضجة لعودة الفادي (المخلص) في نهاية العالم، والهندوسية حسمت الإطار النصي لهذه الفكرة وأقرت بوجود طريقين لإنجازها وهما أولاً (الانطلاق والاندماج) وثانيهما التجسد والعودة، وفي كتاب الهندوس المقدس ''منوسمرتي'' يصرح باختلاف منازل الناس إلى رفيع ومتوسط ووضيع، وحسب الأعمال في الحياة، فمنها ما ينبعث من القلب ليغدو الإنسان طيراً أو حيواناً في حياة ثانية، ومن الأعمال ما ينبعث من الجسم ليغدو الإنسان جماداً في حياته اللاحقة، أو أعمال تنبعث من العقل لينحط الإنسان إلى الفرق السافلة في حياة أخرى نتيجة لأخطاء أو سيئات كان قد ارتكبها في حياته السابقة·
إن فكرة التناسخ تعبر عن حل أريب ومبتكر من قبل الكهنة في الهندوسية حتى لا يثور المنبوذون عليهم، وينالوا منهم، بل عليهم التكفير عن خطاياهم وبالتسابق في تقديم الخدمة إلى طبقة الكهان وإطاعتهم حتى يصبحوا مثلهم في حياتهم اللاحقة· إن خاتمة التحول هذا يندمج بالروح الأعظم وهو يتم عن طريق التأمل في الذات الإلهية أو أداء الطقوس والفرائض المختلفة أو الإيمان بإله بذاته إيماناً مطلقاً، إن خاتمة التحول ينتهي بالاندماج، أما التجسد والعودة فتعني تجسد الإله في جسد إنسان، فشخصية ''فشنو'' مثلاً وهي ذات طبيعة إنقاذية أو مخلصة تأتي في نهاية الحياة على شكل رجل يمتطي حصاناً أبيض وفي يده سيف يلمع ليحاكم الخطاة ويكافئ المحسنين، وقد تقمص ''فشنو'' شخصية ''كرشنا'' في ملحمة (البهابهارتا)، وكذلك تقمص شخصية ''راما'' في ملحمة (الرامايانا) بعد أن كان ''بوذا'' هو آخر شخص تقمصته روح ''فشنو''·
إن موضوعة التناسخ هذه كان قد تأثر بها أيضاً الكاتب اللبناني الكبير ''جبران خليل جبران'' واستفاد منها في أحد أعماله، ففي كتابه ''عرائس المروج'' نقرأ حكاية تحت عنوان ''رماد الأجيال والنار الخالدة'' بوصفها ثريا رئيسة تتفرع منها عتبتان فرعيتان هما ''توطئة في خريف 116 ق·م'' والثانية ''في ربيع 1890 لمجيء يسوع الناصري''·
نار ورماد
إن الرماد والنار في الثريا الرئيسية تحيل إلى أسطورة العنقاء وكيف أن الحياة تنبثق من الرماد، وكأن الأجيال هي الوقود المغذي لاستمرار النار (الحياة) وهي إحالة واضحة لسرمدية الحياة كما أن العنوانين الفرعيين يشيران إلى أسطورة ''دموزي'' حيث يموت في الخريف ويبعث في الربيع، ولو دخلنا إلى متن الحكاية نجد أن الكاتب يعزز رأينا هذا حيث يصف لنا مشهد وداع ''ناثان بن الكاهن حيرام'' لحبيبته المتوفاة حيث قبلها بأمر من عشتار ليواريها الثرى، ثم ليهيم مع الغزلان والوحش في البراري وهذا حدث في خريف (116 ق·م) حسب الحكاية، ثم لينبعث بعد أكثر من ألفي عام ''ربيع 1890 لمجيء يسوع الناصري متقمصاً شخصية ''علي الحسيني''، وهو ما ينطبق على روح حبيبته أيضاً حيث حلت في جسد الصبية ذات الجرة، والتي هي حبيبة ''علي الحسيني''·
إن اللغة السحرية الأخاذة التي استخدمها ''جبران'' قد طغت على أجواء الحكاية والتي بدت وكأنها مقحمة إقحاماً فضلاً عن الهوامش الكثيرة والتي لم تدع مجالاً للتلقي في القراءة والتأويل، حيث نقرأ وعلى لسان الفتاة وهي على فراش الموت ما تقوله لحبيبها ناثان: ''قد نادتني الآلهة يا عريس نفسي، وجاء الموت ليفصلني عنك، فلا تجزع لأن مشيئة الآلهة مقدسة ومطالب الموت عادلة، أنا ذاهبة الآن وكأس الحب والشبيبة ما برحتا طافحتين في أيدينا ومسالك الحياة جميلة منبسطة أمامنا، أنا راحلة يا حبيبي إلى مسارح الأرواح وسوف أعود إلى هذا العالم لأن عشتروت العظيمة ترجع إلى هذه الحياة أرواح المحبين الذين ذهبوا إلى الأبدية قبل أن يتمتعوا بملذات الحب وغبطة الشبيبة، سوف نلتقي يا ناثان ونشرب معاً ندى الصباح من كؤوس النرجس ونفرح مع عصافير الحقل بأشعة الشمس ·إلى اللقاء حبيبي''·
في أسطورة تموز (دموزي) نجد أن الذي يموت وينبعث هو دموزي ذاته، وهو ما أحالته الثريا أيضاً وصرحت به، ولكن متن النص يتقاطع مع الأسطورة حيث تموت الفتاة ويبقى ''ناثان'' هائماً في البراري وهذا يعني أن سلطة الآلهة الأم قد اندحرت لأنها فقدت الحيازة (احتياز الأطفال) وحلت محلها سلطة الذكورة بأمر من السماء، إن موت الجسد الأنثوي وعدم مقاربته النشوة يعني أن سلطة الأمومة قد عقمت، ولكن ''ناثان نجى من الموت باتجاه الجنون والذي يمثل حالة من التسامي باتجاه السماء والابتعاد عن كل ما هو أرضي ومدنس، وإذ يرسم جبران لبطليه هذا المصير فهو يتماهى مع مصائــــــر الشعــــراء الوثنيــــين في الجاهليـــــة من أمثـــــال ''قيس بن الملوح'' و''جميل بثينة'' واللذان كان حبهما عذرياً وطاهراً، إن مصير الجنون كان قدراً سماوياً لمن يمارس هكذا نوع من الحب ولكن السماء لن تتهاون مع من يهتك ستر الحبيب وكشف المسكوت عنه حيث سيكون مصير هؤلاء الموت كما حدث مع المنخل اليشكري·
وإذ تحفظ لنا كتب التراث هذه السطوة الهائلة للتراث الديني الوثني فإن ''جبران'' يسقطه على حاضره في ذلك الوقت حيث عاش وبالتالي فهو يؤطر رؤياه فكرياً بحدوس ميتافيزيقيا تعبر عن رؤية تكاملية للأديان كافة، حيث نقرأ في متن النص ''علي الحسيني'' يناجي الصبية ذات الجرة قائلاً: ''من أنت أيتها القريبة من قلبي، البعيدة عن ناظري، الفاصلة بيني وبيني، الموثقة حاضري بأزمنة بعيدة منسية، أطيف حورية جاءت من عالم الخلود لتبين بَطلُ الحياة وضعف البشر أم روح مليكة الجان تصاعدت من شقوق الأرض لتسترق من عاقلتي وتجعلني سخرية بين فتيان عشيرتي؟، من أنت وما هذا الفتون المميت المحيي القابض على قلبي، وما هذه المشاعر المالئة جوانحي نورا ونارا؟، ومن أنا وما هذه الذات الجديدة التي أدعوها (أنا) وهي غريبة عني؟ هل تجرعت ماء الحياة مع دقائق الأثير فصرت ملاكا أرى وأسمع خفايا الأسرار، أم هي خمر وساوس سكرت بها وتعاميت عن حقائق المقولات؟''·
ويبدو النفس الإسلامي الديني واضحاً في المقطع أعلاه، ولكنه يعمق حالة التقمص التي يؤمن بها الكاتب، ورغم انطواء الذات على (أنا) وآخر بمفهوم علم النفس الحديث، إلا أنه يبدو لي أن جبران لم يطلع عليها في وقته فهي غير واضحة هنا ومرتبكة لديه، ولكنه ينظر للذات الإنسانية بوصفها روحاً تخترق الزمان من خلال الأجساد البشرية فهي واحدة لديه رغم اللبوس الدينية التي تلبسها باختلاف الزمن الذي تعيشه إذ أن روح ''ناثان الوثني'' تحل في جسد ''علي الحسيني'' المسلم، وكأن الروح الإنسانية روح مذعنة لزمنها الأرضي بالرغم من تمردها السماوي فهي قد غيرت دينها عندما غيرت الجسد الذي دخلته، وهذا يعني أن الكاتب غير معني بانتماء الأرواح دينياً ولربما هذا هو ما يؤمن به على الأقل، وإذ يشي العنوان الفرعي بمرجعية مسيحية فهو يحيل إلى أن المسيحية هي نقطة عبور أو جسر ذهبي للمرور من الوثنية للإسلام، ولا شك أن جبران قد أفصح عن مهارة عالية عندما استثمر هذا الحشد من المعلومات الدينية وهذا على الأقل ما توحي به الهوامش العديدة المستقاة من الكتب المقدسة والبوذية والأساطير القديمة وغيرها·
إن هم جبران في حكايته هذه يختلط فيه المعرفي بالديني بالرغم من اللبوسات الرومانسية التي تعصف بأبطاله، وأحياناً يشعر القارئ بأن أحداث الحكاية ملصوقة لصقاً مثل الكولاج حيث تفتقد الخيط الرفيع الذي يشدها فهي خالية من الحبكة وما يجمعها هو الإطار الذي أراد لنا الكاتب أن نؤمن به وهي ثيمة تناسخ الأرواح فقط، على عكس ''أدغار الآن بو'' فهمه يبدو هماً ذاتياً هم الكاتب الفنان الذي يبحث عن الجديد والممتع بعيداً عن لبوس الدين ومرجعياته مؤطراً ذلك بمستويـــات عـــدة كالســرد والبنيــة والحبكــة فضـــــلاً عن اللغة، حيث نقرأ هذا المقطع من قصة (ميتزينغيرنشتاين): لحظة، وإذا بصدى الحوافر المصلصلة بحدة ثاقبة يتعالى فوق زئير اللهيب وصراخ الريح· لحظة ثانية ثانية، وإذا بالجواد وبوثبة واحدة عبر الخندق المائي والبوابة يقفز عالياً فوق سلالم القصر المتهاوية، مختفياً براكبه في لجة النيران المتصاعدة، ثم فجأة هدأت غضبة العاصفة، وانتشر سكون مطبق فثمة اهيب أبيض مازال يحلل البناء كالكفن، نحو الهواء الساكن، انطلق بعيداً وهج ضوء خارق، بينما حطت غيمة من دخان ثقيل فوق الشرفات متخذة هيئة عملاق على شكل·· حصان''·
إنه تناسخ من نوع آخر، إحلال روح إنسان في جسد حصان، ولا شك أن هذا له مرجعية هندسية واضحة·

اقرأ أيضا