الاتحاد

رمضان

الأربعاء المقبل نهاية عصر الاستفتاءات في مصر


القاهرة - 'الاتحاد': عند غروب شمس الأربعاء القادم سيعود الناس إلى منازلهم بعد أن انتهوا من تشييع جنازة آخر استفتاء في سلالة الاستفتاءات الرئاسية التي يعود تاريخها العائلي إلى ثورة 23 يوليو ··1952 وبذلك تنتهي هذه العائلة الاستفتائية الكريهة التي شبعت سخرية وتندرا ونكاتا وكانت نسبة كراهية الناس لها مثل النسبة التي تسفر عنها دائما وهي 99,9 في المئة·· واستفتاء الأربعاء الخامس والعشرين من مايو ليس مثل سابقيه· فهو آخر العنقود في عائلة الاستفتاءات·· وهو استفتاء على موت ونهاية الاستفتاءات لأنه يخص تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور ليكون اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب الحر المباشر بين أكثر من مرشح بدلا من الاستفتاء·· أي ان الموافقة المتوقعة على التعديل الدستوري ستكون بمثابة حكم بإعدام نظام الاستفتاء الشهير·
ويجري استفتاء الأربعاء في مناخ سياسي غير عادي·· لذلك فإنه لن يمر مرور الكرام مثل سابقيه·· أي ان آخر عنقود الاستفتاءات هو أكثرها شهرة وجذبا للانتباه·· رغم ان الكثيرين يقولون انه سيكون تحصيل حاصل ومجرد استكمال للإجراءات الشكلية القانونية والدستورية لان المادة السادسة والسبعين المعدلة أصبحت في واقع الأمر سارية المفعول بمجرد اقرارها من البرلمان· وبهذا المعنى سيكون استفتاء الأربعاء عبارة عن مهرجان احتفالي كبير بميلاد المادة السادسة والسبعين المعدلة·· ولذلك يتوقع الكثيرون ان يكون الحضور كبيرا والاقبال ملحوظا·· لان الحزب الوطني الديمقراطي بدأ تحركا واسعا لحشد الجماهير حول صناديق الاستفتاء كما أكد ذلك صفوت الشريف أمين عام الحزب·· ولأن الذين ليس لهم في الثور ولا في الطحين ولا يعرفون ما معنى الدستور وما معنى المادة السادسة والسبعين -وما أكثرهم- سيعتبرون يوم الاستفتاء عطلة رسمية وينتهزون الفرصة 'للتزويغ' من العمل وسيعتبرون الذهاب إلى لجان الاستفتاء نزهة·· ولان الحكومة هذه المرة قد تكون جادة في توقيع عقوبة الغرامة التي قدرها عشرون جنيها ضد من لا يمارس حقه الانتخابي ويدلي بصوته في الاستفتاء·· ولأن هناك فريقا من الناس مل الثبات والتكلس ويسعده سماع كلمة 'تعديل' -أي تعديل- سواء للدستور أو لمسار المرور·· أو للرواتب والاجور·
وسيحرص الحزب الوطني الديمقراطي على ان يكون مهرجان الاربعاء القادم استفتاء على جماهيريته في الشارع في ظل إعلان احزاب 'الوفد' و'الناصري' و'التجمع' و'الغد' مقاطعة الاستفتاء·· فالحزب الوطني يريد أن يؤكد يوم الأربعاء ان المعارضة ليس لها تواجد حقيقي بين الجماهير وان مقاطعتها 'لا تعطل المراكب السائرة' وان القافلة ماضية في طريقها سواء حضرت المعارضة أو غابت خاصة ان حزب 'الغد' مثلا الذي يرأسه الدكتور أيمن نور مرشح رئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة أعلن ان قرار حزبه بمقاطعة الاستفتاء جاء بعد التنسيق مع حركة 'كفاية'·· والحزب الوطني يعنيه بالتأكيد ان يكون الاقبال على الاستفتاء منقطع النظير ليوجه ضربة موجعة إلى 'الغد وكفاية' بالتحديد ويثبت ان حركة 'كفاية' التي سببت كثيرا من الصداع في الأيام الماضية ليست سوى قطرة معارضة وسط محيط مؤيد ومبايع وانها مجرد نقطة 'لا' في أفق 'نعم' الممتد·
ويرى الحزب الوطني الديمقراطي ان استفتاء الأربعاء والحضور الجماهيري الكبير والمأمول فيه سيكون خير تدشين لحملته الدعائية لمرشحه في انتخابات الرئاسة والذي لم يعلن اسمه بعد لكن الرأي الأكثر ترجيحا هو أن مرشح الوطني سيكون الرئيس حسني مبارك نفسه·· والاستفتاء الذي ستكون نتيجته الأكبر 'نعم' للتعديل الدستوري سيعني بالتبعية 'نعم' لمبارك·· أي ان نعم هذه المرة تساوي بالفعل 'نعمين'·· لانها نعم للتعديل الدستوري ونعم لمرشح الحزب الوطني في انتخابات الرئاسة·
وأكد كمال الشاذلي -الأمين العام المساعد للحزب الوطني الديمقراطي- ان الأيام القادمة حتى موعد الاستفتاء ستشهد مزيدا من الاجتماعات والمؤتمرات على مستوى 6700 وحدة قاعدية للحزب في انحاء الجمهورية لشرح أبعاد التعديل الدستوري وحشد الجماهير للتوجه إلى اللجان والادلاء بأصواتها في الاستفتاء·
وقد اتمت الحكومة من جانبها الاستعداد للاستفتاء وأعلن علي هاني وكيل وزارة التربية والتعليم انه تم تعديل مواعيد امتحانات النقل في المدارس التي ستكون مقار للاستفتاء·· وقال المهندس محمد مجدي نجيب مدير التعليم بالجيزة انه تم تقديم موعد امتحانات الصف الثالث الابتدائي لتكون يوم الرابع والعشرين بدلا من الخامس والعشرين من مايو على ان يتم استئنافها في الأيام التالية ليوم الاستفتاء·
وقال اللواء محروس شبايك -مدير الإدارة العامة للانتخابات بوزارة الداخلية- انه قد تمت معاينة جميع اللجان العامة والفرعية بكافة انحاء البلاد للتأكد من صلاحيتها حيث ستجرى عملية الاستفتاء على مستوى 920 لجنة عامة تنقسم إلى 54 ألفا و329 لجنة فرعية وستخصص لجنة فرعية واحدة لكل ستمائة ناخب· وقال ان عدد الناخبين بعد تنقية الجداول الانتخابية يبلغ 22 مليونا وخمسمئة ألف ناخب وسيتم عقد اجتماع في اليوم السابق على الاستفتاء لشرح القواعد والإجراءات وتوزيع الأوراق والبطاقات على رؤساء اللجان وستجري عملية الاستفتاء من الثامنة صباحا إلى السابعة مساء وستكون هناك أربع نسخ من كشف الناخبين·· الأولى مع رئيس اللجنة ويتم تعليق الثانية على باب اللجنة وتذهب الثالثة إلى المركز أو القسم بينما تذهب الرابعة إلى مديرية الأمن ليسهل على كل ناخب التعرف على لجنته·
وأعلن المستشار محمود أبوالليل وزير العدل ان 11 ألفا و225 قاضيا وعضوا في النيابة العامة والهيئات القضائية سيشاركون في الاشراف القضائي على الاستفتاء، وهناك 1225 عضوا سيتولون رئاسة 329 لجنة ويتولى 10 آلاف عضو الاشراف على اللجان الفرعية بينهم 703 سيدات·
الوجه الآخر
ويجري استفتاء الأربعاء وسط جدل سياسي عميق في الشارع ومعارك كلامية تشعلها المعارضة بكل اطيافها بينما يقابلها الحزب الحاكم بما يشبه التجاهل ماضيا في طريقه المرسوم نحو الاستفتاء وبعده انتخابات الرئاسة·
وعلى مستوى المعارضة أعلنت الاحزاب الرئيسية وهي 'الوفد والتجمع والناصري والغد' مع حركة 'كفاية' انها ستقاطع الاستفتاء لانها ترفض التعديلات الدستورية والتي تعتبرها اجهاضا للخطوة الإصلاحية·· وترى ان الحكومة لم تستجب لمطالبها وانها فرضت قيودا وضمانات تعجيزية على الترشيح للرئاسة وافرغت المادة السادسة والسبعين المعدلة من مضمونها· وعقد ما يسمى تيار المحامين الناصريين بنقابة المحامين اجتماعا اكد فيه رفضه القاطع للتعديل الدستوري· وقال ان الأغلبية التي ايدت هذا التعديل في البرلمان مصطنعة·
ولم تكتف التيارات المعارضة الرسمية أو المحظورة بمقاطعة الاستفتاء بل وجهت دعوة الى كل أفراد الشعب بأن يقاطعوا ويلزموا منازلهم يوم الاستفتاء· وأرجأت احزاب 'التجمع والوفد والناصري' في اجتماع مشترك اعلان موقفها بشأن ترشيح قيادات لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة حتى يتم حسم هذا الموضوع داخل كل حزب·· كما قررت عدم المشاركة في جلسات الحوار الوطني لأن الحوار على حد قولها استنفد اغراضه ولتمسك الحزب الوطني الحاكم بكل ما أراد عند تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور واجهاضه لأي أمل في وضع نص دستوري ملائم وعادل·
وقال محمد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين المحظورة ان قرار الجماعة مقاطعة الاستفتاء يأتي اتساقا مع موقف الأحزاب والقوى السياسية·· وايمانا بأن نص المادة السادسة والسبعين المعدلة أفرغ التعديل الدستوري من مضمونه وحال دون وجود مرشح حقيقي للرئاسة غير مرشح الحزب الحاكم وقدم صورة اسوأ مما كانت قبل التعديل·
وردا على قرارات المقاطعة قال صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطني الحاكم ان جماهير مصر وفي طليعتها ابناء الحزب الوطني ستخرج الى الاستفتاء لتثبت ان الشعب صاحب ارادة وان دعوات المقاطعة سلبية· وقال ان الضوابط التي وضعت للترشيح للرئاسة هي اخف الضوابط ولذلك فإن دعوات مقاطعة الاستفتاء تتعارض مع مبادئ الديمقراطية·· بل انها طعنة للديمقراطية·
اما القضاة في الجمعية العمومية الطارئة لناديهم فان هناك حديثا آخر بشأنهم حتى لا يسارع البعض بتصنيفهم إلى مؤيدين أو معارضين للنظام· فقد استثمرت حركة 'كفاية' وبعض الاطراف في نقابة الصحفيين والمحامين اجتماع القضاة ونظمت هذه التيارات اعتصاما صامتا امام مقر نقابة الصحفيين سمته اعتصام التضامن مع القضاة في مطالبهم·
الحكم بعد المداولة
وقد اتضح ان هذا التوجه كان محاولة للزج بالقضاه في اللعبة السياسية وتصويرهم على أنهم جزء من المعارضة للنظام·· لكن القضاة على ما يبدو لم يبتلعوا الطعم وفطنوا لهذه الحيلة·· وكانت كلمات اكثر من اربعين قاضيا في هذا الاجتماع التاريخي غاية في الرصانة الموضوعية· وقال المستشار زكريا عبدالعزيز -رئيس نادي القضاة- ان قضاة مصر ملتزمون بالقانون والدستور ويرفضون التدخل الاجنبي في شؤون مصر الداخلية تحت اي مسمى وبأي صورة· وأكد ان رفض القضاة للاشراف على الانتخابات القادمة ما لم يتم تعديل قانون السلطة القضائية لا يعني تخليهم عن المسؤولية بل يعكس تصميمهم على الاشراف الحقيقي على انتخابات نزيهة· وجاءت كلمات المستشار زكريا عبدالعزيز بمثابة رسالة واضحة لمن يحاولون الزج بالقضاة في اللعبة السياسية حين قال ان القضاة يرفضون استغلال بعض الساسة لقضيتهم من أجل مصالحهم وتوجهاتهم·· لأنه لا توجد اي علاقة لمطالب القضاة بالسياسة وتقلباتها وأهوائها·· والقضاة ليسوا محسوبين على المؤيدين أو المعارضين·· واختلافهم في الرأي خلال اجتماع جمعيتهم العمومية يعد نوعا من المداولة التي تسبق الحكم·
وقال المستشار محمود الخضيري -رئيس نادي قضاة الاسكندرية- ان القضاة يرفضون بكل قوة التدخل الاجنبي والضغوط الخارجية·· لكن الاصرار على تزييف ارادة الناخبين هو الذي يعطي الفرصة للتدخل الخارجي والتربص الاجنبي·· واننا لنعجب من الذين يزيفون ارادة الشعب ويدعون أنهم يحمون الامة· وأكد ان الإصلاح الشكلي يزيد الامور تعقيدا وان صناديق الاقتراع الزجاجية هي الحل·· وهي التي تكشف عن الراغبين حقا في التغيير وهؤلاء الذين يريدون بقاء الوضع على ما هو عليه· وقال ان من يطالبون ليل نهار باستمرار المسيرة يريدون البقاء في السلطة·· والقضاة يريدون وطنا بلا طواريء وبلا أحكام عرفية·· والشعب لا يمكن خداعه لكنه يصمت صمتا واعيا ومدركا لما يحدث·· ومراكز القوى الجديدة تريد إفراغ الإصلاح من مضمونه لأنها تحارب من اجل بقاء مكاسبها ونفوذها على مقدرات الشعب· وقال ان الفرصة القادمة هي الاخيرة·· فإما محو الماضي بكل مساوئه او يصاب الشعب باليأس والاحباط وساعتها لا يعلم احد ما سيحدث· واكد القضاة في اجتماعهم انهم سيشرفون على الاستفتاء المقرر اجراؤه الاربعاء القادم لوضع التجربة تحت الاختبار ثم يعودون الى جمعيتهم العمومية ليقرروا رفض الاشراف على الانتخابات الرئاسية القادمة اذا لم يتم تعديل قانون السلطة القضائية وكف وزارتي العدل والداخلية عن القضاة وترك العملية الانتخابية كاملة لهم ابتداء من تنقية الجداول الانتخابية حتى اعلان النتيجة· وقد أصدر المجلس الاعلى للقضاء بيانا اعتبره البعض رفضا كاملا لما جاء في اجتماع الجمعية العمومية لنادي القضاة·· حيث اكد المجلس تمسكه باسم قضاة مصر بالاشراف على أي انتخابات قادمة بلا قيد أو شرط كواجب دستوري مقدس وعدم الاعتداد بأي رأي ينسب للقضاة الا اذا كان صادرا من جمعيات محاكمهم العمومية أو ممهورا بتوقيعهم وان المجلس الأعلى وحده هو المختص بشؤون القضاء· وأكد البيان ان القضاء يشجبون أي معول هدم أو باعث للفرقة بينهم·· ونفى أن يكون عدد المجتمعين بنادي القضاة في الجمعية العمومية الطارئة قد بلغ 5 آلاف قاض أو أنهم اتخذوا قرارا بالامتناع عن الاشراف على الانتخابات القادمة·· وان عدد حضور الجمعية لا يعبر عن جموع القضاة حيث لم يسجل القائمون على التنظم اسماء الحضور ولا أخذوا توقيعاتهم·· بل تسرب الى جمعهم من ليس منتميا للقضاء· وأبدى المجلس اسفه لما سماه بعض السلوكيات غير المنضبطة التي تؤدي الى اشعال الفتنة والانقسام بين القضاة واظهارهم بالمتغولين في الأمور السياسية والافتئات على اعمال السلطة التشريعية التي لها استقلالها·
ان اجتماع الجمعية العمومية لنادي القضاة يؤكد ان سدنة العدل وحراسه ليسوا من جبهة الرفض التي تقول لا وتقول كفاية بلا بدائل ولا برنامج ولا أجندة سياسية·· لكنهم أصحاب مطالب وبرنامج محدد يخاطبون السلطة بأسلوب رفيع لتحقيقه ولديهم بدائل لما يرونه معيبا ولديهم أجندة لفض الاشتباك بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية·· وقضاء مصر كما وصفه صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطني الحاكم ورئيس مجلس الشورى وكما يصفه كل المسؤولين في الحكومة والمعارضة شامخ وقوي ولا يمكن جره إلى مهاترات ومظاهرات ولافتات·· فالقضاة لا يحكمون إلا بعد المداولة توخيا للعدل الذي يحملونه امانة في أعناقهم·

اقرأ أيضا