صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

وجه ريتشارد فاغنر: ما وراء الألب

إسماعيل غزالي
ليس محْض اعتباط أنْ اصطفى «فريديريك نيتشه» هذا الوجه الملحمي، ليكون خصماً ونداً له على طول فراسخ حياته العاصفة. وجهٌ تصطخب في أواره تهويمات الحروب الكونية، يزدهر بأثر التحولات الشاهقة، ويترف بجنون عظمة لا حدود لسعار هذيانها. وجهٌ يمّم بناصيةِ أفقهِ شطْرَ الأساطير الجرمانية المنسيّة، فاكتنز ذهب وحشيتها الباذخة و ـ فلز ـ بربريتها المضيئة.
إنّه وجْه ريتشارد فاغنر، صاعقة الموسيقى التي قامت على أكتاف القرن التاسع عشر وانزاحتْ بعيداً صوب مجاهل عاتية لم تبلغها مخيلة موسيقيّ جسور من قبل.
النظر إلى وجه ريتشارد فاغنر ليس بالأمر اليسير، إذ أنه ليس من الوجوه التي يمكن أن تتخطاها بسهولة، أو تمرّ عليها مرور الكرام: يشبه الأمر اصطداما لنيزك بوجه الأرض.
اصطدامٌ يعقبه أثر حفرة غائرة مهولة، لا سبيل إلى طمرها أو إخفائها، تبقى وشما وعلامة إلى الأبد. هكذا أحدث رجّات كونية في وجوه كل من فرانز ليست ولودفيغ الثاني ومايربير وهانز فون بولوف وفريديريك نيتشه الخ..
ثمة أمكنة خرافية ما أن تستضيف وجوها بعينها، حتى تكشف عن مناطق غير معلومة في طبقات هذه الوجوه، أمكنة أو مدن بالأحرى، تلتصق بمجد تلك الوجوه وتندمغ بها فيما يشبه جلدا إضافيا أو أقنعة جديدة. وجه ريشارد فاغنر، خاض معترك هذه التحولات البهيجة والمأساوية لأثر المدن والأمكنة المريبة: منفى «زوريخ» الملهم والملاذ الساحر لباريس الأنوار وأطياف بستان «فيينا»، ثم «البندقية» الشبيهة بحلم يرقرق فيه إيقاع الماء...
يوازي هذا الحضور الدال والمبهج لسحرية المدن والأمكنة، أثر دامغ لحضور أنثوي مضاعف، هو حضور عشيقات حسناوات ونساء شاهقات الجمال: (الممثلة مينا بلانر، ماتيلد ويزندونك زوجة تاجر الحرير الثري أوتو ويزندونك، كوزيما فون بولوف ابنة فرانز ليست)...
لولاهنّ لما انقشعت الحيوات الجديدة والمهملة في كتاب وجهه، إنهنّ العتبات السحرية لمنازل متشعبة، لا نهائية الغرف والدهاليز والممرات. لولاهنّ لما عرفنا الدليل السري إلى جراحه النرجسية. لولاهنّ لما قفز حصانه فيما وراء أسوار ذاته وتخطاها إلى الحدود القصوى: حدود الأبدية.
المتأمل لوجه ريتشارد فاغنر بإمعان، لا بد أن يقف عند خلاصات مربكة، ذات خطورة أكيدة، منها أن وجوه بعض الفنانين الملاعين قد تسْمق لتضاهي كيمياء نجوم في أدنى الأحوال، أو شكل كواكب في أقصاها... أبعد من ذلك، يمكن القول بوجود وجوه أقلية أشدّ خطورة، ومنها فاغنر طبعا، وجوه شاملة ومستقلة بذاتها، تشكل منظومة فلكية لوحدها.
هذه المنظومة الفلكية لوجه ريتشارد فاغنر، تتناغم فيها أطياف مؤلفاته الموسيقية قاطبة كمجرات وكواكب ونجوم: الحوريات ورينزي والهولندي الطائر والمركب الشبح وتانهويزر ولوهينغرين وحلقة نيوبلونغ وتريستان وإيزولده - العمل المفضل عند خصمه اللدود فريديريك نيتشه - والأساتذة الشعراء لنورمبرغ وذهب الراين وبارسيفال الخ..
منظومة وإن كانت مستقلة وتتكامل عضويا عبر تبادل النار بين أضلاعها، فعظمتها كامنة في إمكانيات انسلاخ أكوان من أصغر ذرات هبائها المنثور...
مهما يسجل فريديريك نيتشه على ريتشارد فاغنر خيانته للديونيزوسية وسقوطه في فخ الانحطاط، فللأمر مفازة ومحمدة، ما يشبه خدمة جبارة قدمها وجه فاغنر المنحط ـ بحسب توصيف نيتشه ـ إذ اجتمعت تناقضات الأمة الألمانية قاطبة في نموذجه الأمثل، فتحوّل إلى علامة تمتصّ هذه الاختلالات المدوية لعصره.
كيف يمكن الفصل بين وجه فاغنر وموسيقاه؟
أهو سؤال يقتضي الاحتكام إلى رسام البورتريه، أم إلى الأطباء المتخصصين في الجراحة؟
كيفما كانت مهنة الشخص الذي يمتلك الجواب على سؤال لاذع كهذا، فوجه فاغنر أزليّ بالمعنى الذي يفيد أن حجره الصلد رابض في قعر النهر الذي تندلع منه موسيقاه، كما هو أبديّ رابض في سديم الجهة الموهومة التي يقصدها هذا النهر...
لنترك ملحمية وجه ريتشارد فاغنر الموسيقي، وننبش عن مسوخه التي يحيل عليها أوّل وهلة، ظلاله بالأحرى: يبدو مثل وجه جزار من القرون الوسطى، جزار خنازير برية لا غير. يبدو مثل حوذي مرعب يقود عربة بأكثر من ثور إلى أدغال الغابة، كل من يستقل عربته يصير في ذمة المجهول، فوجهته الحافة دائما. يبدو مثل انقلابيّ تزعّم ملَكيّة بلاد جرمانية وقادها نحو موت شامل، زعيم يشفع له هوسه باكتشاف خرائط لا وجود لها إلا في خياله.
إن ظفرتْ وجوه مفزعة لموسيقيين وكتاب وفنانين بقيمة اكتنازها لأصداء الانفجار الكوني الأول، الشهير بالبيغ بوم، فوجه ريتشارد فاغنر ينفرد بانفجار آخر، نهائي، كما صوّره متخيل الكتب السماوية، بلى، هو انفجار القيامة، حتى يكاد وجهه أن يكون منحوتا في حجر من أحجارها.
حجر شيطانيّ لا بد أن يكون مصدره هو مدينة البندقية التي شهدت اكتمال عمله الموسيقي المذهل (تريستان وإيزولده)، ثم شهدت موته فيما بعد... فهل من غريب الصدف أن يقول خصمه اللدود «فريديريك نيتشه» عن هذه المدينة السحرية التي يصفها بما وراء الألب: عندما أفكر في اسم آخر للموسيقى، فإنني أفكر في البندقية.
عزيزي الوغد ريتشارد فاغنر، أضع وجهك الملحمي في قائمة العشرة الأوائل، لكونية الموسيقى، الفن الذي خاطرتَ بأن اختلقتَ له شموليته الخالصة، اللائقة به.