الاتحاد

الملحق الثقافي

المضحك والأبرش

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

كان من أهم المضحكين في العصر الأموي أشعب، أو المضحكة، كما يحلو للأبرش أن يعرفه لهشام بن عبد الملك حينما سأل من أشعب؟ ذات يوم كان هشام جالسا وعنده الأبرش الكلبي، إذ طلعت وصيفة لهشام، فقال للأبرش: مازحها· فقال لها الأبرش: هبي لي حلتك· فقالت: لأنت أطمع من أشعب· هشام: ومن أشعب؟ قال مضحكة بالمدينة، وحدثه ببعض أحاديثه، فضحك هشام، وقال فقال: اكتبوا إلى إبراهيم بن هشام ـ وكان عامله على المدينة ـ في حمله إلينا، فلما ختم الكتاب أطرق هشام طويلا، ثم قال: يا أبرش، هشام يكتب إلى بلد رسول الله ويطلب مضحكا، ثم تمثل:
إذا أنْتَ طاوَعْتَ الهَوى قادَكَ الهوى
إلى بَعْضِ ما فيهِ عَلَيْكَ مَقالُ
وأوقف الكتاب·
فالوصيفة في الخبر السابق تعرف تقاليد المضحكين، وتصف الأبرش بهم لطمعه بحلتها، والخليفة لا يدري عمّا يتكلمان؛ لأن الخلافة في العصر الأموي في بادئ الأمر لم تستقطب المضحكين لمجالسهم بعد، فهشام بن عبد الملك حينما ذُكر أشعب في مجلسه تساءل من يكون؟، والأبرش لم يجد سوى مفردة مضحكة مجيبا بها عن سؤال الخليفة، والخليفة لم يسأل الأبرش عن مفهوم المضحكة، ذلك لأن لفظ ''مضحكة'' بات فنّا قائما برأسه، ومعروفا لدى الناس· فالأبرش اكتفى بالإجابة عن سؤال الخليفة بالمضحكة، ولم يأل جهدا في شرحها له، وأحسن الأبرش الرد على الخليفة، وأطفأ شغف الاستفسار لديه·
وقد تعلّق الخليفة هشام بأحاديث أشعب، وأمر بأن يكتب إلى إبراهيم بن هشام عامله على المدينة كي يحمل أشعب إليه، ويبدو أن الأمر هذا نزوة مباغتة صاحبت الخليفة ـ لوقع أحاديث أشعب التي كان يرويها الأبرش عليه ـ في لحظات قليلة ليتدارك بعد أن ذهب عنه أثرها، وبعد أن ختم الكتاب، أطرق طويلا يفكر، ثم تخلى عن رغبته التي ستخلع على المضحك الأهمية الكبيرة؛ فمن غير المعقول أن يطلب الخليفة مضحكا، فالعادة أن يُقْصَدَ الخليفة لا أن يَقْصدَ؛ لأنه الأهم، ولأن غيره أقل مكانة منه وأهمية، خاصة إذا كان الآخر هنا المضحك المستهجن في نظر الثقافة الرسمية· فإن كان المضحك مستهجنا، فكيف يرسل إليه الخليفة طالبا حضوره من المدينة بلد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأدرك الخليفة أن طلبه سوف يخلق مفارقة في ذهن عامله، فالطبيعي أن يطلب من البلد المقدس/ بلد رسول الله شيئا له علاقة بالدين، وبقدسية المكان لا أن يطلب مدنسا (الهوى = المضحك) من مكان مقدس، لذلك قرّر الخليفة أن يبتعد عن المفارقات التي قد تجعله مقالا على ألسنة الناس، وألا يخضع للهوى ويطيعه، فالهوى كفيل بأن يغري الآخرين للطعن فيه

اقرأ أيضا