الاتحاد

الملحق الثقافي

في مديح الأقحوان

تتفاوت معرفة أبناء الوطن العربي اليوم بأسماء الورود والزهور، طبقا للبيئات الطبيعية التي ينتمون إليها، والأسماء المتداولة فيها من ناحية، ووفقا لدرجة علاقتهم بالشعر العربي القديم من ناحية أخرى مالم يكونوا متخصصين في النباتات إذ تكفل لهم هذه العلاقة بالشعر معرفة افتراضية ليست دقيقة دائما بهذه الزهور· ولاشك أن الأقحوان نموذج واضح لهذه الأسماء، فهو نبت أبيض الزهرات أو أصفرها، ورقة كأسنان المنشار، واسمه عند فلاحي البساتين في مصر ''حوان'' وقد كثر في الأدب العربي تشبيه الأسنان بالأبيض منه، ويستشهد في ذلك بقول البحتري:
كأنما يبسم عن لؤلـؤ
منضَّدٍ أو بَرَدٍ أو أقاح
غير أن الشاعر ذاته يفرد له وصفاً تفصيلياً أجمل في قوله:
ومن لؤلؤ فى الأُقحوان مُنظَّمٍ
على نُكَتٍ مُصْفَرَّةٍ كالفـرائدِ
يذكرّنا ريَّـا الأحبــة كلما
تنفَّسَ فى جُنحٍ من الليل باردِ
فهو يخص الأقحوان بوصفه في حالتيه من البياض والصفرة، وأهم من ذلك أنه لا يقتصر على الجانب البصري الغالب في صور الورود والزهور حتى تبدو كأنها قد صارت ورودا صناعية لا أريج لها مثلما يملأ الأماكن اليوم، بل ما زالت تعبق بروائحها النفاذة المتميزة، فهي تُذكرَّ أبا عبادة بريَّا الأحبة في أنفاسهم العاطرة المترددة في جنح الليل البارد المنعش بعد لحظات من العشق المجنح· ويمعن شاعر آخر في ربط الأقحوان بمحيطه الطبيعي قائلا:
إن هذا الربيع شيء عجـيب
تضحك الأرض من بكاء السماء
كل يوم بأقحـوان جديـد
بثغور من فضـة بيضاء
طلّها القطر فهي تنضاع نشرا
عنبريا تثيره في الفضاء
فالأقحوان يسهم في مفارقة ضحك الأرض من بكاء السماء، فكأنه عندما يتفتح متجددا يمثل الثغور الفضية البيضاء لهذه الأرض إذ يبللها رذاذ الندى فتضوع بالنشر العنبري الذي يعبق في الفضاء، فالصورة قد تركبت وتأنسنت ونفثت عطرها الفواح في أرجاء الأرض والكون· ويأتي شاعر ثالث ـ وهو الناجم ـ ليضيف بُعدا آخر في قوله:
وشذور من خالص التِّبر ضُمَّتْ
ضمّةً حولها ثغور الأقاحى
يتضاحكن عن مؤشّر دُرٍّ
عبقات معنبرات الرياح
طالعات فوق ساق دقيق
مُتَثَنٍّ من سكره وهو صاح
فيمضي بالمفارقة إلى مدى أبعد، حيث يرصد اللون الذهبي في ثغور الأقاحي وقد صارت عذارى تتضاحك عن أسنانها الدرية وهي تنفث عطرها العنبري، برشاقة تزهو على ساقها الدقيق فتتمايل من السُّكرِ وهي صاحية؛ سلسلة من المفارقات البصرية والحركية واللونية· يختمها الواسطي بالجمع بين الورد والأقحوان في قوله:
أرى أقحواناتٍ يُطِفْنَ بناصعٍ
من الورد مُخَضرِّ العيون نضيدٍ
تُميلها ريح الصبا فكأنها
ثغور هوت شوقا لِلَثْمِ خدودِ
حيث أصبحت الزهور غواني فاتنات، مخضرة العيون، تميل الأقحوانة على الوردة فتبدو كأنها ثغر شائق يهوى لتقبيل الخدود في موكب أنثوى من فتنة الغزل والجمال

اقرأ أيضا