الاتحاد

الملحق الثقافي

البخاري ومسلم ومالك في «المدرسة» الإسبانية

عبد الواحد داريوس

عبد الواحد داريوس

هزِّني الاسم مثل تيار كهربائي يضربك على غير توقع. انتصب فجأة ليطرق باب الوعي المتشظي وراء الأسماء والموضوعات والأماكن التي ينشغل بها الصحفي عادة في معرض الكتاب.. فجأة وفي غمرة الاستغراق بالبحث عن أحد الأجنحة لإنجاز حوار ما وقعت عيني على الاسم: غرناطة.
رفعت بصري الى الأعلى لتصافح عيوني كلمة إسبانيا. لوهلة دار رأسي ورأيت حدائق وأزاهير ونوافير ماء، وسرحت روحي خلف قصور مشيدة دار عليها الزمان فغدت أطلالاً. أيقظني من “سرحتي” صوت صاحب الدار يسألني إن كنت أبحث عن شيء بعينه.


عرفته بنفسي وجالت عيناي بسرعة في أرجاء الجناح الصغير... قرأت: القرآن، الإسلام، محمد، صحيح البخاري، صحيح مسلم، الموطأ، وكتباً في التصوف والهتافات الروحانية و.. و... سألت الرجل: من أنتم؟
فقال: نحن دار نشر إسبانية توجد في مدينة غرناطة بإسبانيا، وتعنى بطباعة ونشر القرآن والكتب الإسلامية لتعريف الإسبان بالإسلام، وتوعية المسلمين الجدد في الوقت نفسه بالدين الإسلامي وبما ينبغي على المسلم القيام به ليحسن إسلامه... وأترك لكم التفاصيل مع عبد الواحد باريوس المدير العام لدار “المدرسة” الإسبانية.

فتِّش عن المال
? هل تواجهون صعوبات معينة لكونكم تنشرون القرآن الكريم والكتب الإسلامية؟
? باستثناء الصعوبات المالية التي تعرقل أحياناً بعض طموحاتنا الكبيرة، لا نجد أي صعوبات. مشكلتنا الأساسية هي التمويل حيث إن طباعة الموسوعات والكتب الإسلامية مكلفة لهذا أجلنا بعض مشروعاتنا لإصدار نوعية أخرى من أمهات الكتب الإسلامية واكتفينا حالياً بالكتب الأساسية التي تعرف الإسبانيين على الإسلام. وتعمل الدار جاهدة مسخِّرة كل طاقاتها وإمكاناتها لتساهم بشكل فعال في ميدان النشر الإسباني والإسلامي. كما تسعى سعياً حثيثاً للمشاركة والتواجد في كل الأنشطة الثقافية على مستوى العالم، خاصة عندما يتعلق الأمر بعالم الكتاب والإصدارات، ومن بين أهدافها المثلى نشر جميع النصوص الإسلامية الأصلية الى اللغة الإسبانية لتوسيع المعرفة. ويمكن القول، وبتواضع، أن “المدرسة” تعتبر الأولى في مجال إصدار الكتاب الإسلامي المترجم الى اللغة الإسبانية.

صعوبة الترجمة
? ثمة صعوبات يواجهها المترجم عادة لكن صعوبة ترجمة القرآن أكثر لجهة الأحكام والإجازة، كيف تغلبتم على مثل هذه الصعوبات؟
? تعمل الدار على إصدار كتب مترجمة بالتعاون مع المستعرب واللغوي عبد الغني ميلارا، مترجم القرآن الكريم إلى اللغة الإسبانية. وتعتبر نسخة القرآن الكريم المترجمة من النسخ التي تمت مراجعتها وتصحيحها بدقة متناهية اعتماداً على نص القرآن العربي الأصيل. كما أن هذه النسخة تمت المصادقة عليها من طرف مجمع الملك فهد لترجمة ونشر القرآن الكريم بالمدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية سنة 1995.
إن التدقيق الكبير الذي تنتهجه الدار يظهر صداه واضحاً في عملية الانتقاء والاختيار، ويبرهن نشر وإصدار القرآن الكريم بلغات متعددة، على إخلاص الدار في مجال ترجمة القرآن الكريم، ونهج طريق الجودة والإتقان. واستناداً إلى المعايير الدقيقة المعتمدة من طرف المؤسسة، يمكن الجزم، أن نسخة السيد عبد الغني ميلارا هي أجود وأحسن نسخة إسبانية توجد في الأسواق. وجميع الملاحظات والشروحات الواردة في هذه الترجمة، متوافقة مع ما أنتجه علماء التفسير المعتمدين، كالعالم المفسر الأندلسي ابن جزي الغرناطي، والإمام القرطبي، بحيث أصبح هذا العمل مصدر ثقة وفيه يجد كل باحث ضالته، ويسهل له فهم كثير من القضايا التي جاء بها القرآن الكريم، مفسراً معاني الرسالة ومحتواها. لقد واجه المسلمون الناطقون باللغة الإسبانية صعوبات في تعاملهم مع المصادر الإسلامية، الأصيلة منها والجديدة. بيد أن أغلبية هذه المصادر كتبت باللغة العربية، والبعض منها ترجم الى اللغة الإنجليزية. ولذلك دعت الضرورة الى ترجمة ممحصة ومباشرة من المصادر الأصيلة للنصوص الأساسية، الفقهية منها والفكرية. كما أن هذه الترجمات منجزة من طرف مترجم عارف باللغة العربية بل عالم مسلم، إسباني، معاصر، متضلع في علوم شتى.

? ما هي أهمية ما تفعلونه على صعيد إسبانيا؟
? بفضل عمل فريق من المترجمين المتمرسين، وبفضل مجهوداتها الملحوظة، المتمثلة في عملية طبع وتوزيع الكتب، ملأت “المدرسة” فراغاً كبيراً ليس فقط على مستوى تسهيل اطلاع المسلمين على منشوراتها، بل تمكنت من فتح باب لغير المسلمين للتعرف إلى الإسلام الأصيل، الذي يعتبر جزءاً من التراث الأندلسي، والفكر الإسلامي المعاصر، الذي يكاد يطغى على مجموع المؤلفات المترجمة حديثاً. وهذا كله بفضل النصوص الكونية للإسلام مثل القرآن الكريم، وكتب الحديث التي ساهمت في تفسير الإسلام، وكتب التفسير والتعليق على النصوص القرآنية، وكتب الفقه مثل “الرسالة” و”مبادئ الإسلام”، كما نجد مؤلفات كتبت في عصر الأندلس تناولت المواضيع السالفة الذكر، إضافة الى المصنفات الأصيلة التي تحدثت عن حياة الرسول محمد “صلى الله عليه وسلم”، وثمة كتاب سيكون أول كتاب في السيرة النبوية يترجم بالإسبانية، حيث سيمكِّن من مقاربة الجوانب الإنسانية والتاريخية في شخصية الرسول الأكرم من وجهة نظر غربية معاصرة.

سياسة معاصرة
? هل يقتصر اهتمامكم النشري على أصول الكتب الإسلامية؟
? لقد اكتشفنا أن علينا أن نضيف إلى هذه الكتب المصدرية، مجموعة من المؤلفات التي تتماشى والمرحلة، خاصة التي تحلل دور المسلمين والإسلام في عالم اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، كتب “عودة الخلافة”، “طريق محمد”، “تقنية انقلاب البنكي” أو “عصر البدو”. ويمكن اعتبارها عينات متميزة جداً. وفي المؤلف الذي صدر حديثاً تحت عنوان “حول سياسة السلطة” حلل المؤلف إيان دلاس Ian Dallas الثورة الفروسية، مركزاً على القضايا التي سبق أن تناولها في كتاب “تقنية انقلاب البنكي” متتبعاً آثار مجموعة من الناس الذين يتواجدون وراء الكواليس، تمكنوا من تعزيز السيطرة على خيوط السلطة، الطائفة، كما وصفها الكاتب بيير جوزيف برودون Pierre Josef Pro dhon. والطائفة هي الطبقة الأوليغاركية المسيطرة على المال، الشبكة المعقدة من المصرفيين، بارونات منابع الطاقة، ومالكي أكبر المجمعات الصناعية.

التصوف والأندلس
? ثمة علاقة وثيقة بين العرب والإسبان تاريخياً وحضارياً، هل هناك اهتمام بهذه المسألة؟
? من بين أهم المؤلفات المترجمة، تلك التي ركزت على التصوف، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ترجمة كتب الهتافات الروحانية، مثل كتاب “الديوان” أو “البردة”. وقريباً سيتم إصدار مؤلفات لمؤلفين معاصرين، من جهة، سيتم التركيز على إصدار رباعيات في التصوف، وهي أربعة كتب، ذات مواضيع مشتركة، وتشمل التوحيد، الحب، العمل، السفر. ومن جهة أخرى نحن بصدد إعداد كتابين في التاريخ. سنبدأ بالكتاب الأول الذي يتناول موضوع “الإسلام في الأندلس”، وهو بحث يبتعد عن الصور النمطية الرومانية والاستشراقية الرسمية، مقدماً تصوراً كاملاً وفهماً دقيقاً للتاريخ الأندلسي من عبور طارق بن زياد سنة 711 إلى طرد آخر مجموعة من المسلمين الإسبان سنة 1700.

? كيف توصِّف لنا وضع الإسلام في إسبانيا؟
? في أواخر السبعينيات وبعد وفاة الجنرال فرانكو بدأ الإسبان يسلمون، ثم زادت أعدادهم في الثمانينيات. وقد وجدنا أن المسلمين الجدد بحاجة الى معرفة قواعد الإسلام. ففكرنا بترجمة بعض الكتب الأساسية لهذا الغرض بشكل محدود ومختصر. ولما وجدنا إقبالاً عليها أعلنا دار النشر بشكل رسمي. والدار ممثلة في جمعية AEA (جمعية الناشرين بالأندلس)، وهي تشارك في المناسبات التي تروج للكتاب، مثل المعرض الدولي للكتاب بتطوان، الذي لقي تجاوباً ملحوظاً بين الجمهور والعارضين. وفي معارض أخرى عبر شركة التوزيع الرسمية المعتمدة إيديثولسا. وبالإضافة إلى القراء المسلمون، هناك طلبة، أساتذة جامعيون، باحثون، ومهتمون من ثقافات أخرى عبروا عن اهتمامهم بهذه الكتب التي تبين وتعرض بإخلاص وصدق الفكر الإسلامي الأصيل، مسجلة حضورها في عالم الأفكار والمعاصرة. وهذه أول مشاركة لنا في معرض أبوظبي ولكنها لن تكون الأخيرة. ويضم جناحنا حوالى 40 عنواناً، وهي قليلة بلا شك لأننا دار نشر صغيرة وما زلنا في البداية، ونأمل أن تفتح لنا هذه المشاركة فرصاً جديدة لتحقيق أهدافنا وطباعة الكتب التي نصبو إليها.

اقرأ أيضا