الاتحاد

الملحق الثقافي

نص سينمائي حول مسيرة فقيد الأمة الشيخ زايد

أحدث ما صدر عربيا حول مسيرة وحياة فقيد الأمة الكبير المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ''طيب الله ثراه'' نص سينمائي بعنوان ''الشراع الأبيض مسيرة حياة وحكم وشخصية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 1918 الى ،2004 الواقع والتألق'' للكاتب العراقي الدكتور جمال عبد الرزاق شاكر البدري، مدير مركز النبي ابراهيم للدراسات الاكاديمية· والنص صدر في كتاب عن منشورات دار صفحات للدراسات والنشر بدمشق· أما الكاتب فمعروف في الأوساط الثقافية والعربية على أنه على قدر كبير من الدراسة والثقافة في تصديه للمواضيع المتعلقة بالتاريخ والتراث الانساني من خلال جملة من الكتب أبرزها: اليهود وألف ليلة وليلة، هندسة القرآن ـ دراسة فكرية في تحليل النص، السيف الأحمر دراسة في الاصولية اليهودية المعاصرة· وفي تقديري ان أصعب أنواع الكتابة هي تناول الشخصيات العظيمة في التاريخ، وبرغم ذلك نجح كاتب هذا النص في تسليط الاضواء على الجانب الانساني في شخصية الراحل الكبير من جوانب التاريخ والفن الرفيع الصادق للتمكن من تلخيص تجربة فريدة ومعجزة فوق الرمال والبحار والزمن الصعب من خلال لغة مبنية على حرفيات السينما بكل أبعادها·
وجاء في كلمة الدار ناشرة هذا النص: ''وهكذا سعينا بمحبة في هذا العمل الذي تناولنا فيه شخصية وحياة وتجربة وإنجازات سموه رحمه الله برؤية جامعة، لقد كان الشراع الابيض قلبا وقالبا وقولا وعملا كما كان القوي الجنب وصاحب الطموح الكبير في قيادة سفينة الامارات بتوازن فذ بين أمواج الشرق والغرب فنال إعجاب الأباعد والاقارب، وقد غادرنا كما كان على شراع مبحرا نحو الافق لا نحو الفراق، وها هي دولة الامارات العربية المتحدة اليوم وقد واصلت المسار من بعد مؤسسها الاب تقول للدنيا كلها: لقد عادت حضارة العرب التي كانت في ألف ليلة وليلة بفضل الله''·
النص الذي نحن بصدده كتب باللهجة المحكية ويقع في 134 صفحة من القطع الكبير في طبعته الاولى، يحقق قيمتان أساسيتان: القيمة الفنية لجانب تكنيك اللغة السينمائية وحركة وصف المنظر بطريقة مبسطة تيسر على القارئ فهم الصورة، والقيمة التاريخية لمسيرة حاكم كان من أهم مقومات المنهج الفكري عنده وعيه بتاريخ وطنه بصفة خاصة، وبتاريخ العالم بصفة عامة، فهو يعلم تماما ان التاريخ هو أقوى ذاكرة عرفتها البشرية، لذا عاش ورحل قريبا من نفوس الناس، كما كان وفكره ومشروعه في السياسة صمام أمان للمنطقة لأكثر من أربعين عاما متواصلة·
32 شخصية
في ''الشراع الابيض'' نحو 32 شخصية رئيسية ومجموعة كبيرة من الشخصيات الثانوية، أما المناظر فمتعددة بأسلوب بنائي يتزاوج فيه الرمز بالحلم، ويستفيد الكاتب كثيرا من الإيقاع الحياتي لأسرة الشيخ زايد منذ ولادته وحتى وصوله الى سدة الحكم، من خلال تتابع المشهدية والصورة والاحداث بليونة وانسياب رائعين، ففي الحركة الاولى من النص مثلا نجد أنفسنا في بانوراما فسيحة لبيئة الامارات من البحر والافق والامواج والطيور وقلعة قديمة وصوت غناء جماعي ينبعث من تلك القلعة· وقد أشار السيناريو الى الصوت بأنه أغنية إماراتية تراثية عن البحر، في حين نرى أن صورة الشراع الكبير هي متلازمة متكررة حتى المشهد الختامي للنص في تعبير أثير عن أهمية البحر في حياة شعب الامارات· وفي توالي المناظر نجد تلك التأثيرات من ملامح الحياة الصحراوية من مثل قافلة الجمال التي تسير في الصحراء على هدى ''الحداء'' أو الغناء الصحراوي بمفردات بدوية خليجية في استعراض جميل للكاميرا لأجواء المكان التي توحي بميلاد الشيخ زايد، وما يتبع ذلك من مناظر تؤكد على بعض القيم في شخصية الفتى زايد وأهمها القيمة الروحية وتمسكه بالصلاة منذ نعومة أظفاره، ومن ثم تعلقه بعالم الفروسية والصيد وبخاصة القنص بالصقور الذي اشتهر به الراحل حتى لقب بالصقار الاول· كما نرى ذلك في صفحة 31 بعد وفاة الشيخ سلطان والد الشيخ زايد، والام تقوم باهداء ولدها بندقية والدها· (الوالدة: يا ولدي زايد الحمد لله عشت للحين وشفتك تمله العين والديرة· هاي هديتي الك بعد ما ختمت القرآن، هاي مشوزنة ''بندقية'' أبوي الله يرحمه صارت عندي من ثلاثين حول)·
السيناريو لم يغفل التفاصيل العديدة من تطور الجانب الانساني في حياة الشيخ زايد، سواء من خلال عرضه لمشاهد تتضمن علاقته بأقرانه، ومن ثم عطفه على الناس والتودد اليهم ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم أو من خلال اهتمامه بنظم الشعر والقصيد وعقد المجالس الادبية والشعرية، والاهتمام بالجانب التراثي والزراعي وجمع رجال القبائل على الخير والبناء والمحبة والتكاتف، مثل شق وعمل (الافلاج) لأغراض الري وبخاصة في مدينة العين بعد أن اصبح حاكما لها: (صوت الشيخ: لازم نبني بلدنا هاي الصحرا أبغيها تكون عامرة، ومثل ما قدرت بالمحبة أجمع تسع قبايل اقدر بعون الله اجمع الباجي بالهمة ـ ص 70)· ومن الملامح المهمة في هذا النص اهتمام الشيخ زايد بالمدرسة والمدرسين والتعليم ومن ذلك مشهد اجتماعه بديوانه مع عدد من المدرسين العرب، وهنا نلمح مدى انسانية الراحل وتكريمه للعلم: (الشيخ زايد: يا هلا ومرحبا بأهل مصر والشام والعراق وفلسطين العزيزة وان شاء الله تكونون بين اهلكم واخوانكم)· ومن المناظر الرائعة المرتبطة بهذا المشهد منظر يصور تجوال الراحل مع عدد من المدرسين خلال افتتاح احدى المدارس الجديدة، ومنظر الشيخ زايد ورفاقه وهم يؤدون صلاة الشكر في ساحة المدرسة ومن ثم منظر رفع العلم الوطني على السارية، ونلمح في المنظر ابنه الفتى الشيخ خليفة الذي يقود اليوم الشراع الابيض بكل حكمة واقتدار مستمدا نجاحه من الثوابت الراسخة التي تعملها من والده فقيد الامة الكبير·
في الحقيقة ان هذا النص رغم كثافته ومحاولة كاتبه اختزاله بالقدر الذي يخدم الصورة السينمائية الا انه محتشد بأحداث كثيرة وتفصيلات توضح للمتابع اشياء فريدة من حياة الراحل، ومنها: جولاته المستمرة في الصحراء لمرافقة ممثلي الشركات البريطانية للمشاركة في عمليات التنقيب عن البترول، كذلك رحلاته الصحراوية للقنص بسيارة مكشوفة يقودها الشيخ خليفة، وزياراته المتعددة للقبائل والتحدث للناس بكل حميمية ومن ذلك هذا الحوار الذي ورد في صفحة 95:
البدوي: يا هلا بشيخنا العادل، شرفت ديارنا والله يا طويل العمر·
الشيخ زايد: شفنا خيمتكم من بعيد فقلنا نسلم عليكم·
البدوي: الله يسلمك يا زايد الخير·
الشيخ زايد: وصلت لجبل الحبا، والحين شلون علوم المي عندكم؟·
البدوي: الحمد لله عندنا ميَ وحنا وحلالنا مرتاحين···
بالمقابل نجد أن شخصية الشيخ زايد عبر النص تتمتع بقدر كبير من الصدق والطبيعة واللطف وأناقة التعبير، وان برز بجانب هذا القدر جزء لا بأس به من الروح القيادية، ومن ذلك لقاءاته المتكررة مع الراحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كما نرى حنكته وفكره بعد توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من شهر أغسطس العام ،1966 وسنجد ملامح الزعامة التاريخية وكيف شكلت نقطة تحول لمنطقة الخليج بأسرها· ومن المناظر المؤثرة في النص ما يمثل الشيخ زايد مع أولاده، فيقفون فوق قلعة المويجعي في مدينة العين وهذا الحديث يوجهه لهم بعد أن تطورت مدينة العين بعد سلسلة من الانجازات والمشاريع التي قام بها:
(الشيخ زايد: أي بالله يالعين، صرتي تملين العين أول ما وصلت سنة 1964 جنتي قرية لا مدرسة ولا امان ولا ميَ حلو ولا شوارع والحمد لله مغير الاحوال، قبل عشرين سنة كان هذا اللي تشوفوه ما كان موجود ـ ص 107)·
إرادة التغيير
يركز النص في مواضع متعددة على ارادة التغيير عند الشيخ زايد واهتمامه بجيل الشباب واهمية مشاركتهم في صنع القرار والتحديث، بارساء قواعد جديدة لمشاركة ابناء الشعب في الحكم وتخصيص مساحة جيدة للمرأة في هذا المجال، كما نرى ذلك في مشهد الاجتماع الكبير الذي ضم الراحل الكبير واعضاء الدولة والحكومة، مستعرضا معهم المسيرة: (الشيخ زايد: الحمد لله مسيرة الدولة لم ولن تتوقف، كنتو مثل خلايا النحل بذلتو جهود كبيرة وخليتو الامارات محط انظار العالم بالخير· الليلة راح اوقع مرسوم بالحكومة الجديدة ولاول مرة بيها وزيرة· أنا مطمئن على مستقبل الامارات وعلى شعب الامارات العزيز وبارك الله بجهودكم)·
شارع الكورنيش في العاصمة أبو ظبي كان الحركة الاخيرة في رحلة هذا النص حيث ترصد الكاميرا من خلال كادر كبير المعالم العامة للمدينة وبخاصة اشجار النخيل، ونرى الشيخ زايد والى جانبه ولده الشيخ خليفة وهما في طريق العودة من ساحل البحر الى البيت، وبنظرة لا تخلو من الارتياح والفخر نراه يتحدث الى ولده الشيخ خليفة: (الشيخ زايد: ما شاء الله ولا قوة الا بالله قبل أربعين سنة الدنيا كانت غير الدنيا، أبغي اشوف المدينة واشوف الفرحة على وجوه الناس بعد ما أنجزت رسالتي بفضل الله·· سلامي لشعبي واحد واحد) في حين تأتي الخاتمة مليئة بالشجن والاسى عند اعلان وفاة القائد الكبير باني الامارات ووحدتها، فهنا توليف للصوت مع موسيقا النشيد الوطني الاماراتي مع رفرفة علم دولة الامارات بهدوء مع حركة الامواج، مع مقاطع من رثاء منشور لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بشأن الراحل الكبير (الصوت: يغيب الجسد ويبقى الشيخ زايد حاضرا في الدولة التي بنى والشعب الذي كوًن والقدوة التي قدم، يغيب الجسد ويظل الشيخ زايد حاضرا في المصانع والمزارع والحدائق والمساجد والشواطئ في خطوات ابنائنا الاولى الى مقاعد الدراسة وحرم الجامعة ومواقع العمل وصفحة كتاب الوطن الاولى ومطلع النشيد وتحية العلم·· عزاؤنا انك باق فينا وممتد في ابنائك البررة وشعبك المحب·· عزاؤنا في ميراث المروءات الشيخ خليفة واخوانه ـ ص 136)·
بشكل أو بآخر نجح هذا السيناريو في ربط الناس والقراء بشخصية فقيد الامة الكبير من خلال لغة سينمائية معاصرة تقوم على الصورة، وان اعتمد قليلا على الجانب التسجيلي او التوثيقي للمحافظة على دعائم السيرة الذاتية لقائد عظيم ارتبط بأحداث جسام جرت على الساحة الاقليمية والعربية والدولية، لكن سيطرة الجانب الانساني في طرح الشخصية منحتها كثافة ممتازة وايقاعا قربها كثيرا من الناس لان الراحل في حياته لم يهتم كثيرا بتحقيق المركز والجاه والمال بقدر اهتمامه بالانسان فالجوهر عنده أهم من المظهر· لقد جاء النص مفعما بالحركة والموسيقا الداخلية، والبساطة على حد سواء، بعيدا عن الخطابية التي نراها كثيرا في الاعمال التي تتناول حياة القادة والزعماء، كما أن سيطرة التقطيع السريع والانتقال بين المشاهد بسرعة كبيرة منح الصورة بعدها التقني، وجعل من عملية السرد السينمائي تتمتع بروح صافية مصقولة في تعابيرها عن الحالات والتطور في حياة الشيخ زايد المليئة بالتفاصيل العميقة· بمنهج مغاير من خلال منطلقات فكرية وفنية مختلفة حاول كاتب النص أن يقدم لنا قراءة مكثفة لحياة الشيخ زايد ورحلته مع ابناء شعبه من خلال تصور انساني للحياة والوطن دون الانجراف وراء الشعارات المزيفة ونشوة الحكم والمركز، لقد قدم لنا الانسان في صورة حاكم كان هاجسه على الدوام وطنه بارقى صورة وأبهى حلَة بدون ضجيج· فكان الاعجاز في الانجاز، وتلك هي دولة الامارات التي أسسها الفقيد الكبير ''طيب الله ثراه'' وبناها حجرا حجرا مع رفاقه واخوته الشيوخ حكام الامارات، لذا استحق لقب حكيم العرب وبطل الاتحاد زايد المجد رمز الشموخ ورائد التضامن العربي، فكان الوالد للجميع وصاحب أهم مشروع معاصر في القيادة تمثل في ''احترام انسانية الانسان'' واحترام ثقافات كافة شعوب العالم·

اقرأ أيضا