الاتحاد

الملحق الثقافي

الصدى أقوى من الصوت

أحلام أمام جمهورها الكبير

أحلام أمام جمهورها الكبير

نجوم كثر كانوا في أمسية أحلام مستغانمي وجاهدة وهبي في المعرض.. هم الجمهور. أكد قراء أحلام ومستمعو جاهدة، أن للكلمة الطيبة والصوت الشجي روادهما. قرأت أحلام وغنّت جاهدة وكان الصدى أقوى من القراءة والغناء.
قالت أحلام مستغانمي في كلمتها: قضيت نصف عمري أدافع عن الذاكرة.. ويبدو أنني سأقضي ما بقي من عمر أمجد النسيان. كنت أنتسب “لذاكرة الجسد” وغدون بعد “نسيان com” حارسة النسيان ومحاميته. لا أدري على أيامنا أيهما الأسوأ سمعة: الذاكرة؟ أم النسيان؟ ففي أحدهما خيانة لسعادتنا، وفي الثاني خيانة لمن أحببنا.
فهل صعب الى هذا الحد الحصول على نسيان جميل نقيم فيه كذكرى. النسيان لا يطرح ورداً في الموسم الأول. أن تشرح كتاباً عن النسيان كأن تشرح عطر وردة. الغصن نفسه الذي يحملها لا يستطيع ذلك.
اعتقدت دائماً أن العلاقة بين القارئ وكاتبه المفضل لا تختلف عن أية علاقة عاطفية، وكما في الحب عندما يعرف اثنان بعضهما كل شيء، عليهما أن يفترقا. فموت الغموض ورفع الحجب إيذان بموت الاشتهاء.
غير أني أتفهم فضول القراء فيما يخص هذا الكتاب بالذات. إنه “الهدية” التي حين تفتحها لا تعثر داخلها سوى على نفسك، كأن يهديك أحدهم دموعك، أو أرقك، وندمك، وحنينك، ولهفتك، وتنهداتك، وأمنياتك، وكل ما كنت تقولُه سراً لنفسك، وتوقعت ألا أحد يدري به أو يُشبهك فيه.
ينجحُ كتاب عندما يكاد القارئ أن ينسبه الى نفس، ولا يفهم أن تكون قد سرقت الكلمات من فمه، والحبر من قلمه.. وسطوت على قصة حياته.
ذلك أن الكتابة أمانة واختبار خُلقي. إنها لا تمنحك حقَ فضحِ أسرار من ائتمنك على جُرحه. حقك ككاتب، يقتصر على اختيار مساحيق وأقنعة تحمي عُرى الكلمات وصدقها.
أعتقد أن القارئ يبحث عن كاتب يُبادله الاحترام، أي لا يستخف بذكائه. ذلك أنه قد يغفر للكاتب اختلافه معه في الرأي، لكن لا يغفر له قلة صدقه أياً كانت درجتها.
كيف لامرأة إذن أن تكون صادقة، وهي دائمة الخوف على كل شيء ومن كل شيء. لذا تظل الكتابة أكبر مغامرة نسائية تستحق المجازفة، إنها تمرين يومي على الحرية، وما الحرية بالنسبة لي سوى أن تكون حراً في اختيار قيودك، لا أن تكتب ما تشاء دون قيود.
في “نسيان com” كما في كل ما كتبت، تقيدت بالارتقاء بالأحاسيس، حتى قبل الارتقاء باللغة. فمن دون أحاسيس جميلة حتى في خيبتها وألمها، لا يمكن أن تصنع كتاباً جميلاً. أعجب عندما يقول بعض من لم يقرأني، مستنداً الى عناوين كتبي، أنني كاتبة الجنس الأولى في العالم العربي.
ليس في الأمر تهمة، لكنها مغالطة كبيرة لابد لي في هذه المناسبة النادرة من توضيحها.
أذكر أن الدكتور سهيل إدريس، رحمه الله، قال لي بروحه المرحة، مازحاً بعد اطلاعه على مخطوط ذاكرة الجسد “شو هيدا هلكتينا بس قبلة واحدة في أربعمئة وستة عشر صفحة.. ما كان فيك تزيديها شي شوي!”.
لكن قبلة خالد لحياة، بعد عمر من الانتظار، علقت على شفاه كل القراء، وستعيش قشعريرتها الى الأبد ما عاش الأدب. على الذي يقرب الجنس أو يحوم حوله، أن يفعل ذلك بشاعرية عالية، إن كان يعنيه أن تُقيم كتبه في بيتنا.
هؤلاء الذين ذهبوا بعيداً في الفضيحة، لم يذهبوا أبعد في الشهرة، ولن يخطو خطوة نحو الخلود. الخلود شأن آخر، لا يعني سوى الذين يخافون حكم التاريخ ويثقون أن للكاتب واجباً أخلاقياً وأدبياً تجاه هذه الأمة.
في محاضرة ألقيتها قبل سنوات، في ثانوية ببيروت، كانت أعمالي ضمن برنامجها الدراسي، وقفَتْ إحدى الأمهات وقالت لي “إننا نأتمنُك على أولادنا لأنهم يقرؤونك بنهم.. تذكري أن لك قدرة على توجيههم كيفما شئت”. فقدت صوتي أمام أم أولادها في عمر أولادي، واغرورقت عيناي بالدموع، فأنا ما اخترت أن أكون مُرشدة أو واعظة. أنا مجرد كاتبة تلعب بكبريت الكلمات، وكثير على فراشة قلمي قيد كهذا.
لم يفارقني هذا الإحساس بالمسؤولية حتى وأنا أكتب كتاب “نسيان com” الموجه لنساء بعضهن في عمري. كنت أدري أن البؤس العاطفي في العالم العربي سيجعل هذا الكتاب الأكثر انتشاراً بين كتبي، وخفت أن يعبث قلمي بقدر نساء محبطات مدمرات استجدن بي، فيوجههن الى مسالك قد لا يعُدن منها سالمات. أعتقد أن هذا الكتاب على بساطته هو أخطر أعمالي قياساً بتأثيره الحاضر والمستقبلي على أجيال من النساء. لذا حرصت بين الممازحة والجد، ألا أُسدي للنساء من النصائح إلا ما أرى فيه هداية لهن، وإعلاء من شأنهن، مستعينة بترسانة من الأقوال والأشعار والنكت والعبر والمواعظ الدينية التي تقوي عزيمة المرأة أمام محنة الصدمات العاطفية. ليس وحده الشيطان يُقيم في التفاصيل الصغيرة، الذاكرة أيضاً. ومن الذاكرة يتغذى الأدب الذي يعيش أسساً على الحفريات العاطفية.
أقول مع كامي لورانس “بماذا يُفيد الأدب إن لم يعلمنا كيف نحب؟”، وأسأل “هل ما زال بإمكان كتاب أن يُنقذ قارئاً؟” بعد أن أودت كتب أخرى بقرائها الى حتفهم؟
إن كتاب غوته “آلام فيرتر” قد تسبب في القرن الماضي بموجة من الانتحارات وسط الشباب الألماني تماهياً مع بطله، وتماشياً مع أحزان تلك الحِقبة.
لكن ذلك الزمن ولّى، وغدا الكاتب اليوم يُباهي بعدد القراء الذين أنقذهم من الكآبة والنزعة الى الانتحار.
حتى الآن لا أفهم كيف وجدتُني متورطة الى هذا الحد في حياة قرائي، ولا أدري من أقنع النساء حتى قبل هذا الكتاب، بأنني خبيرة في شجون القلوب، وطبيبة النفوس المجروحة، والأنوثة المغدور بها. وكأن الكتابة عن الحب أعطتني قُدرات خارقة لكتابة تعويذات للشفاء منه، وفَك مفعول سحره. وهكذا أنفقت في الاستشارات العاطفية وقتاً ضائعاً من أعمالي الأدبية. برغم ذلك لست نادمة. ذلك أن إعادة إعمار الروح وصون المشاعر الحميمة، هي فضاء الأدب بامتياز، ومسؤولية الكاتب العربي اليوم تتجاوز أن يمنح القارئ مزاجاً جميلاً وهو يطالع كتاباً، الى واجب خلق ثقافة السعادة التي تدين لها كثيرٌ من المجتمعات في العالم، ببناء أوطان قوية.
أعجب كثيراً كيف أن كتاباً كهذا لم يُكتب بعد باللغة العربية. ولمن ترك إذن كُتابُنا مهمة مسح كل هذه الدموع، ذلك أن الكتابة فعل تواصل واعتراف بفاجعة الضعف الإنساني أمام العواطف.
لا أدري إن كان عليّ أن أحزن لأن روايتي “الأسود يليق بك” قد تأخرت بسبب هذا الكتاب. لكن كما قصص الحب، للكتب أقدارها ومصادفاتها، فالكتب هدية الحياة.
وكما القطارات، يحدث لكتاب أن يخفي آخر، فالكاتب لا يعرف وجهته، ولا أي قطار استقل. يخدعه الطريق دوماً كلما جلس للكتابة. كتاب “نسيان com” الذي كان حادث سير أدبي في حياتي، غدا حدثاً، لأن البؤس العاطفي كان المعلن والموزع الحصري له في كل البلاد العربية.
هو كتاب القلب، وقلب المرأة يرى أكثر من عيون عشرة رجال يقول مثل سويدي.
فليقرأه الرجال بقلوبهم، عساهم يرون بعيون النساء كم من الدمار ألحقوا بنصف سكان الكرة الأرضية

اقرأ أيضا