الاتحاد

الملحق الثقافي

تنبذ الاستخدام الخاطئ للقوة

في إطار الموسم الثقافي الثاني لنادي تراث الامارات، قدمت فرقة مسرح الفجيرة القومي مؤخراً لجمهور أطفال أبوظبي مسرحية ''حكاية عبود ودودو'' نص طلال محمود، وفكرة وإخراج مبارك ماشي· وأداء كل من: عبدالله أنور بدور ''عبود'' وحسين الجناحي ''دودو'' ونفين ماضي ''فروحه'' وعبدالله القطري بدور ''الأب''· وكل من عبدالحميد البلوشي وسعيد الهرش وطلال الزعابي وسعيد مبارك ويعقوب الظاهري وعبدالله الرشدي وآخرين·

ما الذي أراد أن يقوله الكاتب في مسرحيته هذه؟ يقول ما خلاصته: إن حرية الانسان اذا اصطدمت بالعائق تحولت الى قيمة، بحيث لا يكفي الانسان أن يهتف باسم الحرية لكي يكون حراً، بل لابد له من أن يعمل على التحرر بالفعل· وأن الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا في إطار القوة والتسلط هو مصدر تعاسة الانسان المعاصر، ومصدر حماقته في عدم تحقيق السعادة المنشودة والاستفادة من مقومات حياته· ولكن الكاتب لم يقل كلماته هذه صراحة، وانما عمد الى ''حدوتة'' صغيرة رسَخ من خلالها أفكاره التي تبدأ برحلة ''دودو'' الكائن الفضائي الى الارض ليلتقي بالتلميذ ''عبود''، ويمنحه القوة والطاقة، فبعدما كان الاخير ضعيفاً مستسلماً أمام قوة أقرانه في المدرسة، تحول عبر الطاقة الجديدة التي اكتسبها بلا ثمن الى شاب قوي، يخشاه الجميع، حتى تتحول قوته عبر تطور الاحداث الى وبال عليه، فيضطر ''دودو'' الى سحب هذه الطاقة منه، عائدا الى عالمه الفضائي بمركبته الفضائية التي تهبط من اعلى المسرح بطريقة لافتة ومدهشة، بعد أن يكون قد علَمه درساً مهماً مفاده أن القوة الحقيقية للانسان تكمن في داخله، وأن التسامح هو اساس العلاقة بين البشر، وعلينا استثمار طاقة الحب بدلاً من طاقات الشر والكراهية والعدوان لتحقيق الخير والسلام والتعاون بين ابناء البشرية على الارض من أجل رفاهية حقيقية· وأننا بالخير والحب نستطيع التصدي لكل ما هو خاطئ في حياتنا·
لقد جاءت هذه المقولات ضمنا دون أن تكون تعليمية وخطابية مباشرة، ولكن في اطار انساني مسرحي، وهو ما يحسب لكاتب النص في مقدرته على التجسيد مع الاستفادة من تكنيك المسرح المعاصر سواء على مستوى اسقاطه للحائط الرابع بين الممثل والجمهور، أو من خلال المزج الجميل بين الكائنات الفضائية وسكان الارض، وخلق حالة من الادهاش من خلال هذا المزج الجريء على مستويات الحوار والحركة والايقاع العام· ومن تلك الالوان الرائعة للمنظر المسرحي·
نجاح هذا العرض الذي يصلح في تقديري للكبار أيضا جاء من جملة التنويعات في المناظر التي تدور في بيت عبود ومدرسته، وفي عالم الفضاء، وحديقة عامة، بالاضافة للاستخدام المدهش للديكورات التي كانت قطعة فنية جميلة وبخاصة تصميم المركبة الفضائية، وما حققه ذلك من عنصر ادهاش للصغار، وتأتي بعد ذلك مهمات أخرى مثل الاغاني التي كتبها ولحنها عبدالله صالح، وكانت موحية بالجو العام للاحداث، في حين غابت الاضاءة (آدم علي) في مواضع كثيرة عن تحقيق وظيفتها في خدمة النص، وكان مؤسفاً أن نشهد مناطق ميتة عديدة على خشبة المسرح خلال احداث ومشاهد صعبة ومهمة في تطور الافكار· أما بالنسبة للاخراج فالواقع أن مبارك ماشي الذي صمم ديكورات المسرحية أيضا فقد نجح في ان يضفي على المسرحية الطابع التعبيري الذي من شأنه اسقاط بعض التفاصيل والايحاءات والدلالات والرموز مما اسهم في تكملة الصورة وادخال المتفرجين الصغار الى داخل اطار العرض والصورة· وهذا يقودنا بالضرورة الى الحديث عن مجال التمثيل فان الممثل حسين الجناحي وعلى الرغم من ضآلة حجمه بالقياس الى بقية الممثلين الا أن اداءه الكوميدي الخفيف ولياقته وحركته ضاعفت من جهده في تقريب شخصيات الكائنات الفضائية الى أذهان الصغار، في حين حققت نيفين ماضي التي لعبت دور شقيقة عبود أداءً متفرداً متوازناً ورشاقة في الحركة· وكان رائعاً من مخرج هذه المسرحية التي عرضت على مسرح أبوظبي بكاسر الامواج أن يضفي على المسرحية طابع الفن الكوميدي بلجوئه الى اسلوب الإخراج الكاريكاتيري· وما يحسب له هو قدرته البارعة على تحريك المجاميع والشخصيات الرئيسية داخل دائرة الديكور الضيقة والتي أوفت بكل أبعاد المسرحية والتجاوب مع عقلية الطفل المعاصر والخيال العلمي·
كما أن المشاهد المفتوحة وبخاصة مشهد النهاية الذي يجري في الحديقة حيث انطلاق شرائح متعددة من المجتمع كانت من أسباب نجاح المسرحية في فتح آفاق ممتعة أمام المدرك البصري للطفل·
مسرحية ''حكاية عبود ودودو'' التي لاقت نجاحاً كبيراً حين عرضها في إطار مهرجان الإمارات لمسرح الطفل في الشارقة، ونجاحاً ثانياً في عرضها في العاصمة أبوظبي، هي مسرحية ممتازة على مستوى رواية الأحداث والحبكة والصراع الداخلي منطلقة في تكوينها من الطفل الصغير الذي يعيش بداخل المؤلف ولهذا جاءت صادقة في توجهها نحو الأطفال، كما أنها وبلا شك تحتوي على مضمون ثري: اذا شئنا للأخلاق البشرية أن ترتفع الى مستوى اسمى فعلينا أن نتعلم الاعتماد على أنفسنا في كافة مناحي حياتنا وأن لا ندع مصيرنا مرهوناً بقوة خارجية أو تكنولوجيا قد تدمرنا من الداخل دون أن نشعر بذلك· إن الكلمة وحدها لا تكفي، ولا حتى الكلمة مترجمة الى حركة، وانما الكلمة والى جانبها الديكور والموسيقا وفوق وجهها الماكياج والضوء، هذا كله هو الزَي الذي ترتديه الكلمة الهادفة حتى تدب بقدميها فوق خشبة المسرح، وقد استطاع هذا العرض أن يحيط باطار رهيف من الفن التشكيلي والخيال والمشهدية والصورة بهذه المعاني التي وجدت هدفها وطريقها الى المتفرجين الصغار والكبار· وان عرض هذه المسرحية وبحسب المنشور الذي وزع على الجمهور تحت شعار: ''تضامنا مع الطفل الفلسطيني'' وبما تحمله هذه المقولة من معان، يؤكد حرص القائمين على مسرح الفجيرة القومي على التواجد في خضم الاحداث وما يواجه الاطفال على كافة المستويات

اقرأ أيضا