الاتحاد

الملحق الثقافي

بن مهيلة الشامسيّ··· إبداعٌ في قصائد الغزل والرزيف

ضمّت دولة الإمارات العربية المتحدة فوق ثراها الطيب مبدعين من أبنائها ممّن أثروا كلّ ساحات الثقافة والأدب والعلم والمعرفة بالكثير من الإنتاج والإبداع الثرّ، ومن ذلك الإبداع الإماراتي الشعر بشقّيهِ الشعبيّ والنَبَطيّ ولهذا النمط من الأدب أي العامي جمهور واسعٌ تشده القصيدة النَبَطيَّة فيطرب لسماعها ويتلذّذ بترديد كلماتها وعباراتها التي تمثّل وعاءً تراثياً ضخماً يُجذِّر الثقافة الشعبيّة، لأنه ينفتح على الناس بلغة سهلة سلسة تعيش معهم في يومياتهم وتعبّر عن آمالهم وتطلّعاتهم وبذلك تمسّ شغاف القلوب· ولا يُعاب عليها بُعدها عن الفصحى، ذلك أنّ جذرها اللغويّ كلّه فصيح، سوى أن أداءها يأتي بلهجة عامية، كسائر لهجات العرب في كلّ بلدانهم·
شاعر غزلي
أوضحت مقدمة ديوان ابن مهيلة الذي صدر مؤخراً عن لجنة الشعر الشعبي في نادي تراث الإمارات أنّه قد تمّ إعداد وجمع ديوان الشاعر المرحوم سعيد بن كلفوت بن سرور بن مهيلة الشامسي، وهو شاعر غزلي مُبدع من الجيل السابق، لما امتاز شعره بالدقة وجَمَالِ الوصف والتعبير والسلاسة والإبداع·
ونقرأ في ترجمة سيرة حياة الشاعر ابن مهيلة بأنّه قد ولد في قرية السنينة، في عام 9391م وعاش وترعرع ''رحمه الله'' بين قرى السنينة وحفيت ومزيد والبريمي والعين· وتعلم وهو صغير في الكتاتيب وفيها حفظ القرآن الكريم. وعمل ابن مهيلة في بداية حياته في شركات البترول في مناطق داس وطريف وكان ذلك مع نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، ونظم يومذاك بدايات قصائده حيث كان يعمل معه العديد من الشعراء أبرزهم الشاعر عوض بن راشد بالسبع ومحمد بن رغش الشامسي وسالم بن سيف الخريباني وغيرهم·
أما عن محاولاته الشعرية وبداياتها الأولى فكانت تتمّ مع زملائه الشعراء عن طريق المجاريات والشكاوى أي تبادل القصائد والأشعار. وظلّ ابن مهيلة يعمل في شركات البترول حتى بدايات الستينيات، ثم انتقل ليعمل في قوة ساحل عُمان، وظل فيها ما يقارب خمس سنوات، ثم استقال منها، والتحق بسلك الشرطة في أبوظبي، حيث تمّ تعيينه في شرطة العين. واستغل وجوده في شرطة العين ليقوّي مهارته في القراءة والكتابة التي كان يعرف مبادئها منذ نشأته، وكان ممّا ساعده على كتابة قصائده بنفسه التحاقه بمدارس الشرطة في مدينة العين، وهناك تعلّم أساسيات القراءة والكتابة. وبعدها تم ضمّه إلى قسم القلم بشرطة العين نفسها. واستمر يعمل في الشرطة سنواتٍ طويلة، حتى استقال في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وانضم بعد ذلك ليعمل بديوان ممثل الحاكم في العين لفترة قصيرة، ثم تفرّغ بعدها متقاعداً عن العمل ليعيش مع أولاده وعائلته في منطقة مزيد بالعين·
مع الشعر النبطي
أما علاقة الشاعر ابن مهيلة الشامسي بالشعر النبطي فيعزوها مُعد ومُحقق ديوانه الدكتور راشد المزروعي، إلى كونه من مؤسسي برنامج شعراء المنطقة الشرقية بالعين، وكان معه زملاؤه الشعراء محمد بن راشد الشامسي وسالم الكاس ومحمد بن بنان وكميدش بن نعمان وعوض بالسبع وعبيد بن معضد وسعيد بن هلال الظاهري، وهؤلاء يعتبرون من أعمدة الشعر النبطي في العين· وقد بقي ''رحمه الله'' عضواً في هذا البرنامج حتى وفاته·
ولقد برع الشامسي في نظم قصائد الشعر الغزلي، وكان بحق يعتبر أستاذ الغزل بين زملائه الشعراء حيث يطغى شعر الغزل على جميع أبواب شعره. إذ لم يتطرّق إلى بقية المواضيع في الشعر النبطي سوى المديح والوطنيات، أما المواضيع الأخرى فهي قليلة ولا تكاد تذكر. وقد بدا هذا واضحاً في تفوّقه في الشعر الغزلي، حيث ركزّ عليه وأبدع فيه أجمل القصائد، التي كان يلقيها في مجلس شعراء القبائل بطريقته المميزة في الإلقاء والتي تجذب الانتباه وتشدّ الأسماع إليه· وهناك عدد كبير من الشعراء ممن تشاكوا معه أبرزهم الشاعر المعروف عوض بالسبع، وعبيد بن معضد النعيمي، ومحمد بن رغش الشامسي وراشد النايلي ومحمد بن بنّان الكعبي ومحمد بن راشد الشامسي وغيرهم، ونظراً لنبوغه في الشعر الغزلي فقد أنشد قصائده العديد من الفنانين، أمثال الفنان المعروف ميحد حمد وخالد محمد ومعضد سالم وآخرين·
كما اشتهر بقصائد الرزيف وهي القصائد التي تؤدى على لحن خاص مصحوباً بالعزف وتؤدى على ألحانه رقصة (الرزيف) فقد كانت لديه فرقة حربية معروفة في مدينة العين. وكان هو قائدها وشاعرها. وقد أصيب بمرض السكري فأتعبه وأقعده مريضاً لعدة أشهر، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في عام 8991 عن عمر يناهز 58 عاماً·
قصائد من الديوان
احتوى ديوان الشاعر سعيد بن مهيلة الشامسيّ على أربعة أغراض وموضوعات شعرية ضمّت الكثير من قصائده فيها· فجاء القسم الأول من الديوان ليحتوي على القصائد الوطنية، والثاني ليعرض قصائد المشاكاة، والقسم الثالث ليخصص لقصائد الاجتماعيات، والقسم الأخير -الرابع- لقصائد الغزل· وفيه أكثر القصائد المنشورة في أقسام الديوان الأخرى·
فقد تغنى الشاعر بوطنه الإمارات وكتب فيه جِيْد القصائد ضمن القسم الأول ''القصائد الوطنية''، فكتب عنه في عام 7891م، قصيدته المعنونة: ''أبدع مثل دارت على قلبي أبيات'' التي يقول فيها:
أبدع مثل دارت على قلبي ابيات
هايس طرالي صغت نظم المقالات
ابيات تطرب من سمع في فنونها
أنظم قوافيها وأرتّب وزونها
نسّقت واختار الأبيات الحشيمات
بدعتها في فرحة العيد بالذات
سجّلتها وارجو عسى ينشرونها
عنوانها يحمل معزّة الإمارات
دولةٍ فتيّه يعل ربي يصونها
أقول من قلبي المثايل ابْشّات
في دولةٍ بالمجد غالي زبونها
وارفع الى الريّس تهاني جزيلات
ماتنحصا ولا تعدّ لو يحسبونها
يلّي لــه افعالٍ وطولــه ومدّات

المشاكاة: يهلًا حيّ الجوابي
وقدم الشاعر في القسم الثاني قصائد المشاكاة، في ديوانه قصائد تبادل كتابتها بينه وبين زملائه من شعراء الإمارات، نحو هذه القصيدة التي ردّ فيها شاعرنا ابن مهيلة على قصيدة بعثها إليه الشاعر عبيد بن معضد النعيمي الذي كتبنا عن ديوانه في عدد سابق من ''الاتحاد الثقافي'' وهي ''يهلاً حي الجوابي'':
يهلاً حي الجوابي
ويا حيْ من عنّاه
وحي من طرق لي بابي
يهلاً حــي ابْنباه
يا عبيد هــاض اعْجابي
قولٍ لفا قرّاه
رحّبت به ترحابي
ويهلا بــــه وحيّاه
لمْطـرّشٍ ع احْسابـي
لازم أرد اعباه
جيلٍ لفا متصابي
وموضّحٍ معنـــاه
وانا لرد انْسابي
بسرع لك بالوحاه
لي يشتكي مصطابي
بالبّي إلْشكواه
وباقوم له بوجابي
من حيث له مدراه
مجروح جرحٍ غابي
قصْدك تعرفْ ادْواه
وتقول ذا عايابـي
صــح العشق معْياه
كــم تلّف م الشبابي
وألحقهــم المقصاه
لـو تحط له حسّابي
يتشربك فــي سـداه
محروز من لنْهابي

يا أولادي بوصيكم··· الاجتماعيات
أما في القسم الثالث ''قصائد الاجتماعيات'' في ديوان ابن مهيلة، فهناك قصيدته النصحية لأبنائه التي يودّ فيها بثّ تجربته الحياتية لهم ونصحهم ليكونوا أبناء صالحين يؤدون الفروض والسُنن الواجبة على المسلمين، وأن يلتزموا بها في حياتهم، فيقول في قصيدة ''يا أولادي بوصيكم'':
يا أولادي بـوصّيكم
فـي قولي ومبتـداه
قبل الموت ايْغديبي
بودّعكم وصاه
حقٍ واجب عليه
والمـوت هوب ادْعاه
وارجو ربي ايْهديكم
ثم تكسبون ارْضاه
ومن ثم أنا بوْصيكم
في الدين وفي الصلاه
ادّوا الفروض الخمسه
وادّوهن بالوفاه
ورمضان لا تخلّونه
من أوّله واتلاه
صوموا بأخلص نيـّه
واوصيكم بالزكاه
والحج فرضٍ واجـب
لازم يكون اقضاه
وع اليار ما وصّيكم
واليـار له مـدراه
حتى النبي اواله
وعلى الأخوْ بدّاه
والحذر يا اولادي
لا تنسون الوصاه
والوالدين أصغوله
ثم حاولوا في ارْضاه
والرحـم لا تقطعـونـه
مكسـب واجـرٍ وراه
لا يخيـب ظنـّــي فيكـم
ترك الرحـم معصـاه
والكرم لا تنسـونــه
ما دمتــوا في الحيـــاه
افْروعٍ م الـمــرايـل
كــل رجـل لـــه معنــاه
من قصائد الغزل
''قصائد الغزل'' اكبر أبواب واغراض الشعر في ديوان ابن مهيلة الشامسيّ الذي برع واشتهر بقصائده الوافرات، وهي القصائد التي امتازَت بذات الرقّة والسلاسة والصياغة الجميلة المُعبرة عن ذات الشاعر الرقيقة نحو الجَمَال وأهلهِ· ونختار من قصائده أولاها: ''البارحة مشكلني الود'' وهو القائل فيها:
البارحة مشكلني الود
اذْكرْت لي له رسم مطبوع
ما يستوي يا صافي الخد
تدعينِيَه في الحب مولوع
انته اكْحال اعيونك اثْمد
وانا كحال اعْيوني ادْموع
وانته هنيْ النوم ترقد
وانا سهير الطرف ملسوع
بايت سهيرٍ كنّي ارمد
ما تغضي اعْيوني بلهْيوع
كل من غضيت وطحت ممتد
ما طاع يسلي القلب مفيوع
يا حسْرة اللّي مثلي إلْتد
قلبي من المعلاق مقطوع
نّي صويب بماضي الحد
باطن حشايه برح مفروع
طالت بي الليعه وتْزيَد
وعوقٍ بخصني تحت لضْلوع
قرّح وسوّت قرحته مد
وآزمت به حاير ومصدوع
مرحبا بالصاحب الغالي
ونختم مختاراتنا من قصائد الغزل عند ابن مهيلة بقصيدته ''مرحبا بالصاحب الغالي'' التي أنشدها ليرحب بصاحبه ويستقبله بالترحاب والمحبة ويسبغ عليه الخصال الحميدة، وهي قصيدة رقيقة الوَقْع على الأسماع كأنّها تسمع أغنية فرحة مُحببة لا أن تقرأ قصيدة:
مرحبا بالصاحب الغالي هلابه
مرحبا بصويحبٍ نفسه صخيّه
يا هلا وألفين مرّة مرحبابه
سافط الترحيب له مني بغيّه
بالصديج اللي أنا فضّل جنابه
خاضعٍ له قلْبِيَ بأخْلاص نيّه
مرحبابه بعد ما طوّل غيابه
يوم شفتك كأنني عيدٍ عليّه
ياهلاً لي م السفر ربي لفابه
عاد وانف واصبحت داره بهيّه
احمده مولايْ يوم ابْخير يابه
وارتجع في موطنه بصحه هنيّه
عاد بعد السفر واترابه زهابه
بالغبا حقّه تراحيبٍ غبيّه

اقرأ أيضا