الاتحاد

الملحق الثقافي

من الذهب الأسود إلى خدمة المواطن إلى مسلسل الفضيلة

قدّر لي أن أعود إلى دار الإذاعة في أبوظبي بعد غياب استمر أكثر من ثمانية عشر عاماً·· آخر مرة زرت فيها الإذاعة كان في مارس 1990 حيث سجلت الحلقة الأخيرة من برنامجي ''الذهب الأسود'' والذي كنت أقدمه في الإذاعة والتليفزيون ولمدة زادت عن عن عشرين عاماً· المكان هو نفسه·· ولكن المبنى تغير كثيراً·· وأصبح أكبر وأكثر حداثة·· كانت مناسبة العودة هي تسجيل قصيدة لي في ذكرى وفاة المغفور له بإذنه تعالى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ''طيب الله ثراه''·

نزلت من سيارتي بالقرب من المدخل الرئيسي لمبنى الإذاعة وسمحت لعينيّ أن تستعرضا المكان وتسترجعا صور المبنى القديم··
كان المبنى القديم في الواقع هو نفس مبنى المطار الأول في أبوظبي·· وكان مكتبي فيه كما أخبرني الصديق حنا سعادة والذي سبقني إلى أبوظبي بعدة سنوات عبارة عن واحد من حمامات المطار··
لم يكن في البدء إلا ستوديو واحد منه نذيع نشرات الأخبار والبرامج· وفي ساعات توقف البث كنا نقوم بتسجيل البرامج··
مع المنفلوطي
بعد وصولي إلى أبوظبي في يناير عام 1971 بشهرين أو ثلاثة تم بناء ستوديو آخر روعي فيه العزل الصوتي الذي لم يكن متوفراً في الاستوديو الأول·· ولذلك كنا نحرص أثناء البث على الهواء أن نبعد الحركة والأصوات العالية حتى لا تتسرب إلى المستمعين من خلال غرفة الاستوديو التي لم تكن معزولة صوتياً بشكل كاف· في الأستوديو الجديد بدأ نشاط غير عادي لنا في تسجيل البرامج وحتى عمل المسلسلات الدرامية بإمكانيات محلية·
وكنا نستغل وصول فنان أو فنانة من أي قطر عربي لإشراكه أو إشراكها في العمل الدرامي الذي نقوم بإعداده على الفور مثل مسلسل ''الفضيلة'' المأخوذ عن رواية ''الفضيلة'' لمصطفى لطفي المنفلوطي·
في ذلك الزمان·· لم نكن نجد الممثلين والممثلات لأداء شخصيات العمل الدرامي·· ولكن ذلك لم يجعلنا نحجم عن العمل باتجاهين··
الأول: اختصار الشخصيات·
الثاني: استغلال المذيعين والمذيعات في أداء الأدوار·· أقنعت الزميل المرحوم أحمد شعث بأداء دور بول، والزميلة سميرة سعادة في أداء دور فيرجيني، والمرحومة سناء جميل الفنانة المصرية الشهيرة في دور أم فيرجيني··
ورغم أنني كنت الكاتب والمخرج، لم أتردد من أداء عدة أدوار في المسلسل·· كذلك استعنا بالمرحوم محمد الجناحي·· ولم نتردد في تدريب أصوات جديدة وإعطائها بعض الأدوار في المسلسل·· ونجحنا في النهاية في عمل المسلسل الذي أذيع في شهر رمضان في عام ,·1972 وقدمنا أحد أهم الأعمال الأدبية الرائدة للكاتب العربي الكبير المرحوم مصطفى لطفي المنفلوطي·· وعلى مدى ثلاثين يوماً··
كانت الإذاعة في ذلك الزمان من أهم وسائل الإعلام وأكثر اجتذاباً حتى من التليفزيون الذي كان في بداياته·· ويبث ساعات محدودة ودون ألوان·· أي أبيض وأسود فقط·
ورغم أنني كنت أقدم برنامج ''الذهب الأسود'' في التليفزيون·· وأقوم بتقديم نشرة الأخبار أحياناً فيه نظراً لقلة عدد المذيعين والمذيعات إلا أن تركيزي الأساسي كان منصباً على الإذاعة·· بحكم الارتباط الوظيفي، حيث كان مسمى المنصب الذي أشغله هو مراقب البرامج الخاصة والأركان في الإذاعة ثم مراقب الدراما··
وكانت الإذاعة مسموعة ليس فقط في أبوظبي بل في كل الإمارات وفي منطقة الخليج العربي كلها·· بل وتصل إلى بعض الدول العربية·
عندما تسلم الأخ عبدالله النويس منصب مدير الإذاعة والتليفزيون وجدت لديه حماسة غير عادية لتقديم البرامج الجريئة·· اقترحت عليه برنامج: ''في خدمة المواطن''·· فقام بتزويدي بجهاز أضعه على الهاتف فيلتقط الصوت ويسجله·
كان المواطن يتصل ويقدم شكوى أو ملاحظة أو حتى انتقاداً لأداء بعض الأجهزة الحكومية·· وذلك بالاتصال بالبرنامج تليفونياً وبعد ذلك أقوم بالاتصال بالمسؤول المباشر أو حتى الوزير فأجعله يسمع الشكوى ثم أسجل رده عليها·
ونظراً لأن البرنامج كان يومياً، ويبث التسجيلات التي تتم في نفس اليوم الذي يذاع فيه فقد كان أشبه ببرنامج البث المباشر الذي عرفته الإذاعة بعد سنوات من توقف برنامجي: ''في خدمة المواطن''·
وإذا كنت اليوم أسترجع ذكرى هذا البرنامج فلأنني أريد أن أسجل للتاريخ أن القيادة التي كانت تريد إعلاماً فاعلاً ومؤثراً يتخذ الصدق منهجاً والصراحة طريقاً هي التي كانت تشجع على مثل هذه البرامج المتصلة بحياة المواطنين·
إعلام الصراحة
وما زلت أذكر ذلك الموقف الرائع للمغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ''طيب الله ثراه''·· عندما حاول بعض المسؤولين مهاجمة البرنامج أمامه·· بحضور الأخ عبدالله النويس مدير الإذاعة والتليفزيون·
قالوا له: إن البرنامج من خلال الانتقادات التي يوجهها المواطن إلى الدوائر والوزارات في الدولة يسيء إلى مسيرتنا ويشوّه خطواتنا على طريق النهضة·
قال زايد: ولكن هل الانتقادات التي يسجلها المواطن تصل إلى المسؤولين؟
قالوا: نعم·
قال زايد: وهل البرنامج يسمح لهم بالرد عليها·
قالوا: نعم·
قال زايد: فإن كانت الانتقادات صحيحة على المسؤول أن يصغي إليها ويستفيد منها ويتخلص من سلبياتها·· وإن كانت غير صحيحة يبين ويبرهن أنها غير صحيحة بل ويستطيع أن يبين الايجابيات للعمل الذي تقوم به دائرته أو وزارته·· وهذا هو العدل·· ونحن لا نريد إعلام التطبيل والتزمير بل إعلام الصراحة والحقيقة لأننا فعلاً نقوم بعمل عظيم للأجيال المقبلة·
وأذكر بكثير من الفخر، أنني عندما التقيت به بعد هذا الحديث الذي نقله لي الأخ عبدالله النويس شفاه الله قال لي وهو يبتسم:
ـ استمر·· وبنفس القوة والصراحة·· لا يهمك إلا الحق والحقيقة·
هكذا كان القائد·· وهكذا كان ولي عهده في ذلك الزمان·· صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان·· ومن خلال رعايتهما لنا، ومتابعتهما لكل ما ينشر أو يذاع استطعنا رغم قلة العدد، وضعف الإمكانيات أن نقدم إعلاماً مشرفاً، من خلال تلك القنوات الرئيسية: الإذاعة والتليفزيون وجريدة ''الاتحاد''، ووكالة أنباء الإمارات فيما بعد·· والتي بدأت قوية، واستطاعت بفضل مديرها والعاملين فيها ودعم القيادة لها أن تحقق إنجازات تاريخية تمثلت في السبق الذي جعل معظم أخبارها مادة دسمة لجميع وسائل الإعلام الدولية، تنقل عنها وتنسب إليها، وهذا ليس من قبيل المديح بل من واقع عشناه ولمسناه وسجلناه في مسيرتنا الإعلامية الممتدة من بداية 1971 وحتى نهاية ·1990
وأسجل هنا أن التعاون الذي كان قائماً بين جميع المؤسسات الإعلامية في الدولة هو الذي كان وراء نجاح جميع هذه المؤسسات·
وأذكر على سبيل المثال أنني عندما كنت أسجل بالصوت والصورة حدثاً بترولياً مهماً في الدولة، كنت أقوم بتحرير الخبر وإرساله على الفور إلى الوكالة التي كانت تنشره وتقدمه لجميع وسائل الإعلام المحلية والدولية بعد تعديله وترجمته والتأكد من صحة المعلومات·· كنا أسرة واحدة·· وكان مجال عملنا لا يقتصر على الجهاز الذي ننتمي إليه·· بل كان يشمل جميع المؤسسات الإعلامية في الدولة·
في ذلك الزمان الجميل·· كنا نشعر بنبل الدور الذي نقوم به ونحاول بكل ما لدينا من حب لشعب الإمارات وولاء لقيادته الرشيدة أن نقدم ما يبقى ويستمر·· لا تمحوه السنوات·· ولا تحجبه أضواء الإعلام الحديث الذي كثرت فيه القنوات الفضائية وتعددت فيه الصحف والمجلات والمنشورات الإعلامية· فرغم مضي عشرين عاماً على توقف برنامج ''الذهب الأسود'' في تليفزيون أبوظبي مازلت ألتقي بالكثيرين من أبناء هذا الوطن الذين يذكرون ''الذهب الأسود'' حينما يذكر اسمي أمامهم··
اللفتة الجميلة التي قام بها المسؤولون عن الإعلام قبل خمس سنوات كانت تكريم الرواد الذين حملوا مسؤولية الإعلام في الإذاعة والتليفزيون بمناسبة مرور خمسة وثلاثين عاماً على افتتاح الإذاعة في فبراير من عام ,·1969 ولم تفرق تلك اللفتة بين الرواد المواطنين والعرب·
في هذا العام تكون إذاعة أبوظبي قد بلغت الأربعين ولا أنكر مدى الحنين الذي أشعر به الآن لهذه الرفيقة الطيبة التي قدّمت من خلالها أجمل أعمالي وأحتفظ لها بأجمل الذكريات·
ولا بد أن أسجل تلك الذكريات قبل أن تثقل سنوات العمر ذاكرتي المتوهجة فأنسى ما يجب أن يظل ولو سراجاً في ليالي الزمن المقبل:

أكتب للآتي ولا يهمني
من يمدح الحروف أو يذمني
هذا زمان الموت يا حبيبتي
أطلب فيه حفرة تلمني
أما زمان الحب فهو قادم
وفي ورود أحرفي يشمني

اقرأ أيضا