الاتحاد

تقارير

بوتين... واحتمالات العودة إلى سياسات ما قبل الأولمبياد

قبيل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي، أظهر فلاديمير بوتين أفضل سلوكياته، فقد منح العفو الرئاسي عن معتقلين ومعارضين سياسيين، وقلل من شأن قانون مناهض للمثليين جنسياً في روسيا، ورفع حظراً شاملاً عن الاحتجاجات في سوتشي، وأبرز صورة الرجل المضياف. ودورة الألعاب تعرض صورة لروسيا ولبوتين شخصياً الذي لا يريد شيئاً أن يعكر صفو الأولمبياد. وسوتشي جاءت وستنتهي وبوتين الأقل وداً وعطفاً سيعود. ويرجح أن يحول انتباهه إلى جيرانه الذين اقتربوا من الاتحاد الأوروبي العام الماضي ليعاقبهم ويحاول جذبهم مرة أخرى إلى فلك موسكو. ومولدوفا وجورجيا من الأهداف الرئيسية التي بدأت اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي في نوفمبر الماضي.
وإذا أدت تسوية في أزمة أوكرانيا الحالية إلى إعادة البلاد في نهاية المطاف إلى مسار التوقيع على اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، فإن البلاد ستجد نفسها أيضاً في مرمى نيران بوتين. ويتعين على واشنطن والاتحاد الأوروبي أن يتشاورا ويتفقا على استراتيجية مشتركة في استباق لمثل هذا التطور. وبوتين لا يريد أن يعيد قيام الاتحاد السوفييتي بل خضوع الدول المجاورة، وهو يعلم أن اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ستبعد دولاً عن المدار الاقتصادي والاستراتيجي لموسكو. والاحتفاظ بهذه الدول في نطاق سيطرة موسكو يتطلب نفوذاً.
وفي النزاعات السابقة مع الجيران، استخدمت روسيا رفع أسعار الغاز الطبيعي وقطع إمداداته وحظر واردات مهمة وإذكاء التوترات العرقية كوسيلة للضغط أو ببساطة كمقابل. ولدى كل دولة من تلك المستهدفة نقاط ضعف شديدة. فما زالت مولدوفا تعتمد على روسيا في الغاز الطبيعي، وكثيرون من سكانها يعملون في روسيا ويحولون ما يكسبونه إلى بلادهم. وقد تعترف موسكو بإقليم «ترانسنيستريا» الانفصالي المولدوفي في شرق البلاد أو تستغل الانتخابات البرلمانية المولدوفية المقبلة لتدعم مرشحين يعارضون تعزيز العلاقات مع أوروبا.
وتتكبد جورجيا بالفعل الكثير من المعاناة جراء الاستياء الروسي وهذا يتضمن حظراً تجارياً وتعليقاً لإصدار تأشيرات الدخول والصراع العسكري الذي دار عام 2008. واعترفت موسكو بإقليمي أبخازيا وأوستيا الجنوبية الانفصاليين. ومع وجود قوات روسية في الإقليمين، تستطيع موسكو أن تحرض على حوادث عبر الحدود لإضعاف الحكومة في العاصمة الجورجية تبليسي.
وأوكرانيا حالة خاصة، ففي العام الماضي جمد الرئيس فيكتور يانوكوفيتش طموحاته الأوروبية في مقابل الحصول على صفقة إنقاذ اقتصادية قيمتها 15 مليار دولار، وغاز بأسعار أقل من روسيا. وبوتين ليس ساذجاً، فقد استأجر يانوكوفيتش ولم يشتره. وموسكو تقدم إحساناتها بالتجزئة، وهي تعيد النظر في أسعار الغاز على أساس ربع سنوي. ويفهم بوتين أن أصحاب النفوذ داخل أوكرانيا يريدون التوقيع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الذي تم التوقيع عليه بالحروف الأولى بالفعل. وإذا جرى حوار حقيقي في كييف لإنهاء الأزمة فقد تعيد تسوية تفاوضية البلاد إلى الطريق الأوروبي. وإذا حدث هذا، فإن موسكو ستقلب ظهر المجن.
ومع اضطراب حكومة يانوكوفيتش بعد أشهر من الاحتجاجات، وبعد استقالة رئيس الوزراء والحكومة يوم 28 يناير الماضي، فقد علقت موسكو صفقتها للإنقاذ الأسبوع الماضي. وقال بوتين إن الروس سينتظرون ليروا تشكيل الحكومة الجديدة. ويستطيع الروس مقاطعة الصادرات الأوكرانية ومنع تدفق الغاز كما فعلوا في عامي 2006 و2009 إذا سعت أوكرانيا إلى توقيع اتفاق الشراكة. وقد يسعى الكريملن إلى إضعاف تماسك دولة أوكرانيا على سبيل المثال من خلال إثارة التوترات في منطقة «القرم»، حيث توجد بها جالية كبيرة من الروس وتستضيف جزءاً كبيراً من أسطول البحر الأسود الروسي.
وستنتهك الكثير من هذه الأعمال تعهدات روسيا العضو في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنظمة التجارة العالمية. وأي من هذه الأفعال سيشكل تحدياً للسياسات الأجنبية للاتحاد الأوروبي وإدارة أوباما، وهما يؤيدان مبدأ حرية مولدوفا وجورجيا وأوكرانيا في اختيار السياسة الخارجية الخاصة بهما كدولتين صاحبتي سيادة.
ويتعين على الإدارة الأميركية أن تنسق مع الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بعدد من الإجراءات استعداداً لنهج روسي «احتيالي» في الجوار، وذلك بأن تبعث برسائل إلى موسكو تؤكد الدعم الغربي لحق جيران روسيا في اتخاذ قراراتهم، وأن تلتزم بإجراء زيارات سياسية رفيعة المستوى لدعم الدول المستهدفة. فقد بعثت زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري في ديسمبر الماضي برسالة مفيدة سياسياً، وأن تستهدف المساعدات الأميركية دعم اتفاقات الشراكة الأوروبية وتطبيقها ومساعدة مولدوفا وأوكرانيا على تعزيز أمنهما الخاص بالطاقة، وأن تشجع صندوق النقد الدولي على النظر في المزيد من البرامج السخية لمولدوفا وجورجيا وأوكرانيا إذا مارست روسيا ضغوطاً اقتصادية كبيرة (وتشترط هذه البرامج أيضا القيام بإصلاحات اقتصادية حقيقية).
هذه أولى وأبرز قضية للاتحاد الأوروبي، ويتعين على واشنطن أن تعمل بالتزامن معه. ومساعدة الأوروبيين في الالتزام بالقضية يمنع حدوث تنافس روسي أميركي قد يدمر الجهود. وعلاوة على هذا، ففي بعض المناطق ربما قد يكون للاتحاد الأوروبي نفوذ أكبر. على سبيل المثال، فقد تثير تهديدات بتجميد الأرصدة أو فرض قيود على تأشيرات الدخول من واشنطن القلق في موسكو، لكن الألم الحقيقي يحدث عندما يتبنى الاتحاد الأوروبي مثل هذه العقوبات القاسية. يتعين على واشنطن وبروكسل أن تسيرا كتفاً بكتف كي تعظما أثر رسائلهما وأفعالهما.


فوينا هيل - مسؤولة بارزة سابقة في مجلس المخابرات القومي
ستيفن بيفر - سفير أميركي سابق في أوكرانيا


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. انترناشيونال»

اقرأ أيضا