الاتحاد

دنيا

فولف تحوّل «هذا الجسد» إلى شاهد على تحولات ألمانيا الحديثة

انهيار سور برلين شكل منعطفاً حاسماً في تاريخ ألمانيا

انهيار سور برلين شكل منعطفاً حاسماً في تاريخ ألمانيا

تسرد كريستا فولف عبر كتابها “هذا الجسد” قصة أسابيع طويلة من الصراع مع مرض قاتل، وتحاول من خلال رؤى دقيقة ومتنوعة التطرق إلى مدة إقامتها في المستشفى، وما دار فيها من تعاملات مع الأطباء والممرضات، وكذلك حالة الجدال مع الذات التي كانت تغريها إبان هذه الفترة المصيرية في حياتها، وعبر أحداث الرواية نعرف الكثير عن التاريخ الخاص للمؤلفة، وتاريخ الدولة التي تعيش فيها.

تبدأ القصة التي خطتها كريستا فولف بكلمة “جريحة” وفي هذه الكلمة تعبير كاف عن العوالم التي تنوي الكاتبة سبر أغوارها، فهي امرأة لا اسم لها، تعاني قبل سقوط جدار برلين من مرض خطير، وتصبح كل خلية من جسمها كهفاً، وكل وريد وادياً، والدم يغدو نهراً جارفاً. ومع أن جسدها يعطيها إشارات واضحة على الضعف والوهن، إلا أنها لا تأخذ هذه الإشارات على محمل الجد حتى ينهار الجسد.
انهيارات
تربط فولف بين انهيار الجسد وانهيار الجدار، إذ تخضع المريضة لكثير من الفحوصات والعمليات الجراحية حتى يتمكن الأطباء من تحديد بؤرة المرض، ويكافحون لإنقاذ حياتها حتى يأتيها الدواء الشافي من الناحية الأخرى للجدار؛ من الغرب.
وبين الموت والحياة، والغيبوبة والصحو، لا يبقى للمريضة سوى الخوض في أعماق الجسد وسراديبه، فتهب عليها ذكريات الحياة في برلين قبل الحرب العالمية الثانية، وقصة الحب بين خالتها وطبيبها الذي يهرب من وجه ألمانيا النازية، وقتل رضيعها خشية ملاحقة النازيين، وزملاء الدراسة والأصدقاء، لاسيما أوربان الذي صعد فجأة وفي ظروف غامضة في هرمية ألمانيا الشرقية. وعندما اكتشف ذات يوم أنه ليس لديه أي موهبة انتحر، ذلك أنه انعزل عن أصدقائه ورفض النظام في النهاية.
وهناك كذلك مخبرو النظام الذين يتحكمون في البلاد والعباد، والمعارضون العفويون الذين يحـلمون بإسـقاط النظـام بين ليلة وضـحاها.
وفي خضم هذه الذكريات تتساءل الراوية إن كان المرض غزاها لتكشف “حجراتها الداخلية”، إذاً “لا تكفي الكلمات للوصول إليها”، ولهذا يدخلها في حالات اللاوعي لتصف مملكة الظلام التي عاشت فيها، حيث يختلط الزمان ويختلط المكان.
جنود هيرودوس
تعمد الكاتبة عبر صفحات الرواية إلى اللعب الفني باللغة والمفردات، بالزمن الروائي والشخصيات، بسرعة عالية وجمل قصيرة تريد أن تعكس الأحداث في جسدها وفي العالم حولها، فكثيراً ما نجد أنها تكرر الكلمة ومفرداتها متلاحقة، أو أنها تجد كلمات خارج السياق تصف بها ما لا يوصف بالكلام المعهود.
وتوجد فولف في حالات الغيبوبة لغة شعرية عالية، لتنقلب على لغتها، وتعود في حالة الوعي إلى كلمات بسيطة وتعبير ساذج تستخدمه الممرضات في أحاديثهن اليومية، وهي في الحالتين كلتيهما مخلصة لنفسها بوصفها أديبة رفيعة المستوى.
وتتجلى قدرة فولف الأدبية الرائعة حين تصف إحدى نوبات المرض الشديد التي ألمّت بها، حيث يمتزج وصفها للمرض وشدته، بشذرات من تاريخ التعذيب سواء في محاكم التفتيش، أو الحروب الصليبية، وجرائم الأمراء الألمان في فترات قاحلة من تاريخ الدولة الألمانية، وتقول الكاتبة: “هدير وريح صرصر، قصف وانهيار مطارق، صليل يصم الآذان، صفير جهنمي يسري حتى العظام. ما كنت أعلم بوجود مثل هذه الأصوات، وليس لأحد أن يعلم بها. وأما أن تستخدم وسيلة تعذيب!!.. لقد حان الوقت في هذا الضوء المريض، الضوء الأخضر الضارب إلى الزرقة الذي لا أعرف مصدره، وفي هذا القصف الجهنمي، يجلد في تاريخ الوجع والتعذيب.. جنود هيرودوس يضربون الأطفال بسيوفهم، صراخ أوائل المسيحيين المروع وهم في الحلبة وجهاً لوجه مع الحيوانات المفترسة التي تمزق أجسامهم. فظائع محاكم التفتيش والحروب الصليبية، وجرائم الأمراء الألمان بعد حرب الفلاحين، جثة المرأة المستباحة في القتال، وهذه ليست إلا بداية مئوية (المائة عام). انتهاكات من كل الأصناف، استشهاد الحب وتقديم قرابينه، بينها جسدي، تتوافر حالات رحيمة من الغيبوبة، دقائق، ثوان، لا تعرف مدتها”.
أساليب خفية
تتحدث فولف عن صديقها أوربان الذي ارتقى إلى مكانة رفيعة في الحزب الاشتراكي في ألمانيا الشرقية اعتماداً على ما لديه من أساليب خفية، وليست قدرات سياسية أو خبرات خاصة تدفعه إلى مثل هذه الدرجات العليا في التنظيم الهرمي لدولة ألمانيا الشرقية آنذاك، فتقول في سياق أحداث الرواية: “لم أسأل أوربان عن منصبه الجديد، ولم يذكر لي هو، فقد كان بديهياً عنده أن أتابع آخر تطورات حياته التي رفعته درجة نحو الأعلى بعد بداية مقنعة ومكشوفة لنا جميعاً، ثم قادت في وقت ما إلى الخفاء وتلاحقت خلف الكواليس بنجاح على ما يبدو”.
ومن أوربان تنتقل المؤلفة إلى وصف حياة الممرضات دخل المستشفى، ممثلة في إحداهن “إيفلين” فتقول: “يبدو أن أعظم أماني الممرضة إيفلين أن تهتم بزينتها، شعرها قاتم السواد، يلتف بعناية فائقة في خصلات حول وجهها، لا شائبة تشوب أصباغ عينيها وشفتيها، ليس موهوبة في توجيه السرير عبر الموانع من دون أن ترتطم بها.
تصطدم بكل عمود، بكل زاوية بكل باب مصعد، وفي كل مرة تقول الممرضة إيفلين: هوبلا، ثم تدفع السرير هنا وهناك، يتشنج وجه المريض، تقول ايفلين: يؤلمها؟ نعم، أظن أنه يؤلم.
ثم تتابع توجيه السرير، تبين أنها لم تكن قط في جناح الأشعة، فهي ما زالت في السنة الثانية، وهذه أول دورة لها هنا”.

احتقار الذات
تعود الكاتبة ثانية إلى الحديث عن حالتها المرضية، واصفة ما آلت إليه هي بين أيادي الأطباء: “أتوقف عن التنفس، أخيراً تنطفئ البيانات المتلألئة بالأخضر على الشاشة، لما طقت ثانية أخرى، يخاطبني صوت، رجالي جاف في مكبر الصوت، سنأخذ الآن استراحة. لقد أنهينا نصف العمل، وسيركزون الآن على التقاط صور تفصيلية لجزء معين من تجويف بطني، يريدون استطلاعه بدقة أكثر. يسألني إن كنت قادرة على الاستمرار، لدهشتي أسمعني أقول نعم، أحتقر نفسي على إثرها. لماذا لا أستطيع أبداً قول “لا” رداً على مثل هذه الأسئلة. مجرد تخيل ذراعي الممددتين عالياً فوق رأسي العشرة، عشرين، ثلاثين دقيقة أخرى أو الإقصاء في القفص الشعاعي الذي على الآخرين أن يتجنبوه. أسمع صوت الباب، خطوات صوت، مصور الأشعة، سيضع وسادة تحت يديّ، كل أسندها إليها، تغمرني موجة من الحمد والشكر. لقد لاحظ إذن، دخل، وأغاثني، ما زالوا بحاجة إلى معلومات أدق، هناك شيء ما يرتسم، سيشكرهم الجراح عليها جزيل الشكر”.
الحقبة النازية
تتعرض فولف لحالة العنصرية التي كان يعانيها المجتمع الألماني في الحقبة النازية، في أحد فصول الرواية عند حديثها عن الطبيب لايتنر معبرة عن ذلك بقولها “في خضم هذا المشهد الذي يتشكل أمام عيني قادماً من مصدر موثوق، وأنا أرى الزوج المعرض للهلاك، كان لدي أسباب عميقة لأتصبب عرقاً، عرق الخوف، ففي الطابق نفسه الذي يسكن فيه الطبيب اليهودي لايتنر، والذي يحظر عليه معالجة الآريين - تسكن تلك الجارة التي تتحين الفرصة لتعلمه أن يهودياً مر قبل قليل في الشارع وعلى رقبته لوحة كتب عليها: “ارتكب الفاحشة بامرأة ألمانية”، وتسأله إن كان يحسب هذا الحساب، ويرد الدكتور لايتنر - الذي لا تتزعزع ابتسامته على المرأة بأنه يحسبه”.
ونستشف الدرجة العالية من الشاعرية للمؤلفة من خلال وصفها بالغ الرقة للمُخدِّرة كورا صاحبة الابتسامة الساحرة. إذ كتبت: “كورا ربة الليل والقمر، الساهرة على نومي، عليها أن تتعلم قصيدة القمر” وتقول عن كورا: لدى كورا الوقت لتجلس معي في هدوء، وتضع يدها على عضدي، أتصور أنها تبتسم من جديد وأقول مثقلة الجفنين: تعاملينني وكأنك أمي مع أنك مثل ابنتي، وترد هي: لماذا “مثل”؟ يرن جهازها الصغير وترد بصوت منخفض معلنة أنها ستأتي على الفور، تقول لي إن عليها الذهاب وتعدني أن ليلتي ستكن هادئة”.
فكا الكماشة
تتعرض فولف مرة أخرى إلى صديقها اللدود أوربان واصفة إياه بأنه كان بين فكي الكماشة منذ زمن بعيد، فتقول:”أوربان الذي كنت معجبة بأنه يوماً ما، أوربان الذي قل إعجابي به سنة بعد أخرى، الذي مسحته من دفتري، كأن لي أصدقاء كثيرين عوض أن... عوض ماذا؟ أناقشه؟ حتى الآن، حتى بعد هذه النهاية، أعرف أن النقاش معه كان عقيماً.. فقد نبذت المخرج الوحيد الذي اختاره أوربان. لم أستسلم للغواية، نحن مختلفان كثيراً، أنا وأوربان، من حيث الأساس، لقد عرفت الفرق بيننا باكراً جداً وجعلته يدركه، قلت له: قد أغفر للأغبياء هذا السلوك، لكني لن أغفره لك، ومنذ ذلك الحين صار يتجنبني تماماً. وأنا صرت أتحاشى اللقاء به، ولا حتى في الشر، هذا كان الخيار المريح لكلينا”.
وفي باقي صفحات الكتاب تتجول المؤلفة داخل حياتها الخاصة التي تختلط في كثير من أحداثها مع حياة المجتمع الألماني الذي نشأت به، كي نحصل في النهاية على كتاب رائع وعلى غاية من الأهمية عن تاريخ مرضي لم يلم بالجسد وحسب، بل تعداه إلى أبعد من ذلك بكثير.



قمة السعادة
“الجراح أمر مفروغ منه، أخطئ في التنفس مرة، مرة أخرى. الصوت الرجالي الشاب وعبر مكبر الصوت، يأمرني بلهجة أبوية أن أحافظ على الهدوء التام. أن أركز معه، شهيق، حبس، زفير، أنجح. أجد الإيقاع من جديد، أتوقف عن التفكير. يطرأ في خاطري سؤال: ما هي سعادة الإنسان؟ موضوع طرحته علينا مدرّسة، كانت تريد أن تقرأ في أوراقنا أن قمة سعادتنا أن نكون ألماناً”.
كريستا فولف


نبذة عن المؤلفة
ولدت الكاتبة كريستا فولف عام 1929 في لاندسبرج فارته (جورشوف فيلكوبولسكي، غرب بولونيا). وتعيش الآن بين برلين ومكلنبورج فوربومرن. نالت أعمالها التي نشرتها دار سوركامب جوائز كثيرة، بينها جائزة جورج بوشنر التي تعد أهم جائزة أدبية في ألمانيا، وجائزة الكتاب الألماني على أعمالها الكاملة. من آخر أعمالها الأدبية المجموعة القصصية Mit anderem Blick (برؤية أخرى) Der Worte Adernetzg وهو عبارة عن مجموعة مقالات وخطابات.

اقرأ أيضا