الاتحاد

تقارير

هجمات بروكسل وهشاشة أوروبا الأمنية

وسط مؤشرات على أن مسلحي تنظيم «داعش» استغلوا مجموعة من الدول كمخابئ، بينما يدبرون هجمات في أوروبا، تتعالى الدعوات المنادية للدول الأوروبية كي ترفع مستوى تبادل المعلومات المخابراتية بدرجة كبيرة.
بيد أن اختلاف طريقة الدول الـ 28 في الاتحاد الأوروبي، تشي بأنه من المستبعد حدوث أي تقدم ملموس في هذا الصدد، خصوصاً في ظل عدم قدرة بعض الدول على التوصل حتى لإجماع داخلي حول كيفية التعامل مع تهديد الإرهاب. وربما يتجسد ذلك التحدي في بلجيكا نفسها، حسبما يرى بعض النقاد، باعتبارها دولة تقسمها تنافسات عرقية، يتهم فيها رئيس أكبر حزب سياسي في الدولة، الناطق بالهولندية، خصومه الناطقين بالفرنسية بالضعف في مواجهة التهديدات المتطرفة.
وإذا كانت بلجيكا، وهي دولة يقطنها 11 مليون نسمة، لا يمكنها التوصل إلى اتفاق بشأن كيفية حماية نفسها من الإرهاب، فهل يمكن للاتحاد الأوروبي، وهو تحالف يفوق حجمه 47 ضعف بلجيكا، فعل ذلك؟
واكتسب هذا السؤال أهمية كبيرة في أعقاب التفجيرات الانتحارية التي نفذها مسلحو تنظيم «داعش» في مطار بروكسل ومحطة القطار الأسبوع الماضي، والذي أسفر عن مقتل 35 ضحية على الأقل، إضافة إلى المهاجمين الثلاثة، وإصابة 340 آخرين. وجرت مداهمات ذات صلة بالهجمات في كل من بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
ويدعو الآن بعض كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إلى تأسيس «اتحاد أمني» لتعزيز العمل الشرطي والمخابراتي دعماً للعمل الأوروبي. واقترح بعض المشرعين الأوروبيين إنشاء وكالة أمنية على غرار «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، تكون لها صلاحيات واسعة للعمل عبر الحدود. ولكن يبدو أن قليلاً من الدول مستعدة للتخلي عن سيادتها.
ومن الواضح أن بعض القادة في بلجيكا نفسها يركزون بدرجة أكبر على كيل الانتقادات لبعضهم بعضاً أكثر من تحسين تبادل المعلومات.
وبلجيكا التي قضت ذات مرة 589 يوماً من دون حكومة لأن أحزابها السياسية لم تتمكن من الاتفاق على ائتلاف، لطالما شهدت انقسامات بين «الفلمنكيين» الناطقين بالهولندية و«الفولونيين» الناطقين بالفرنسية. وخلال السنوات الأخيرة فقط بدا أن الخلل السياسي في بلجيكا يمثل مشكلة أمنية، مع جذب منطقة «مولنبيك» هناك انتباهاً خاصاً باعتبارها ملاذاً آمناً للتطرف.
وقال «بارت دي ويفير»، عمدة مدينة «أنتويرب»، وزعيم حزب «الاتحاد الفلمنكي الجديد» «إن السياسيين الذين يمثلون الشعب البلجيكي الناطق بالفرنسية تركوا ذلك الوضع يتعفن، وأصابع الاتهام موجهة الآن لكل البلجيكيين لأنه تم السماح بكل شيء في مولنبيك».
وأضاف «دي ويفير»، الذي يعتبر حزبه الأكبر في بلجيكا: «إن بروكسل، التي يهيمن عليها الزعماء الناطقين بالفرنسية، لا يفعلون أي شيء في مواجهة الإرهاب».
ونتيجة للانقسامات العرقية، يوجد في بلجيكا طيف متنوع من قوات الشرطة، ووكالات الأمن والسلطات المحلية، وكل منها تتحمل جزءاً وليست المسؤولية كاملة في مراقبة التهديات المسلحة والإجرامية.
وتكتسي المشكلات الأمنية الأوروبية أهمية خاصة في نطاق ما يعرف بمنطقة «شينجن»، التي رفعت عنها القيود الحدودية، وهو ما يسمح للمسافرين بالعبور بحرية بين دولها الـ 26.
ولا توجد لدول هذه المنطقة قوات أمنية عند الحدود أو وكالات مخابراتية لضمان أن أي جريمة يتم التحقيق فيها في بلجيكا يتم اكتشافها في الدول المجاورة.
وأفاد «ماجنوس رانستورب»، مدير الأبحاث لدى مركز «دراسات التهديدات غير المتماثلة»، في الجامعة السويدية الدفاعية، «يوجد حيز جغرافي يُصعب الأمر حقيقة على الشرطة، لأن في لحظة يكون المتآمرون في بلجيكا، وفي أخرى يكونون في باريس».
وفي أعقاب هجمات بروكسل، أصدر قادة الاتحاد الأوروبي دعوات مماثلة من أجل مزيد من التعاون بين الوكالات المخابراتية على مستوى الدولة، وكانوا تعهدوا بإجراء إصلاحات مماثلة إثر الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» في باريس، وعلى ستاد رياضي وحفل موسيقي ومجموعة مطاعم في المدينة ذاتها في الثالث عشر من نوفمبر العام الماضي. والتغيير الوحيد المحتمل في السياسات بعد هجمات بروكسل هو إنشاء قاعدة بيانات على المستوى الأوروبي، تحمل سجلاً بأسماء المسافرين، يمكن من خلالها تسجيل المعلومات الأساسية بصورة منهجية حول المسافرين الجويين.
ويقول المؤيدون لهذا التغيير، إنه ربما لم يكن ليحبط هجمات بروكسل، لكنه يوفر للشرطة ووكالات الاستخبارات أداة لمراقبة الحركة داخل منطقة الحدود المفتوحة.

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا