الاتحاد

تقارير

حرب المخدرات في المكسيك: مخاوف أميركية

مشكلات المكسيك باتت تقلق الأميركيين

مشكلات المكسيك باتت تقلق الأميركيين

لن تمر الحرب التي تخوضها الحكومة المكسيكية حالياً ضد المخدرات دون إحداث تأثيرات عميقة على حياة المهاجرين المكسيكيين في الولايات المتحدة الأميركية، فمن جهة سيؤدي التخوف الأميركي من انتقال الفوضى المكسيكية إلى جانبها من الحدود وانتشارها كما لو كانت مرضاً معدياً إلى تعزيز تلك الأصوات المناهضة للهجرة والمناوئة للمكسيكيين، ومن جهة أخرى سينظر المهاجرون إلى وطنهم على أنه لم يعد آمناً للرجوع إليه، وهو ما سيقوي لديهم رغبة الاستقرار في الولايات المتحدة والتجذر فيها·
وقد سبق لصحيفة ''واشنطن بوست'' أن نشرت إحصاءات مثيرة للقلق أشارت إلى أن عدد القتلى المكسيكيين الذين سقطوا في حرب الحكومة ضد كارتيلات المخدرات، وصل على مدى الخمســـة عشر شهراً الماضيـــة إلى أكثر من سبعة آلاف ضحية، بل الأسوأ من ذلك هو انتقال أعمال العنف إلى الجانب الأميركي من الحدود بعدما شهدت المناطق القريبة من المكسيك عمليات اختطاف واقتحام للمنـــازل، بل وصـــل الحد بالكارتيلات إلى تعقب عمدة بلدة ''سويداد خواريس'' عبر الحدود إلى مدينة ''أل باسو'' الأميركية، حيث لجأ هو وعائلته طلباً للجوء والحماية·
وقبل أسبوعين ركزت المحطات التلفزيونية، لاسيما ''سي· إن· إن''، على تغطية العنف المستشري في المكسيك وقربته إلى عموم الأميركيين، وكجزء من ملف خاص أطلقت عليه ''فوضى المكسيك''، بثت القناة الأميركية قصة الزوجين ''كريس وديبرا هول'' وطفليهما بعدما تعرضوا للسرقة وتم تهديدهم من قبل رجال مسلحين أثناء عطلتهم في المكسيك· وبعد التجربة المريرة التي عاشتها، روت العائلة ما مرت به من ترهيب وأعادت القناة قصتهم مرات عديدة على مسامع وأنظار الأميركيين· ومع أن العائلة كانت دائمة التردد على المكسيك منــذ سنوات طويلة، فإنها تعهدت بألا تطأ أقدامها تلك البلاد مرة أخرى بسبب ما قاسوه هناك من ويلات في زيارتهم الأخيرة· وأنهى المراسل الذي نقل القصة، تقريره قائلا: ''إن البلد الذي أحبوه قد سرق منهم في جنح الظلام على الطريق العام في المكسيك''·
وبالطبع فإن ما تعرضت له العائلة من تجربة مخيفة هو أمر حقيقي لا يرقى إليه الشك، وهي قصة تحذيرية تستحق الإشارة إليها، لكن تغطية ''سي· إن· إن'' للحادث والرؤية الأميركية التي تعبر عنها، لا تخلو من إثارة وتهويل· فما أن تبدأ الأغلبية الأميركية بالنظر إلى نفسها وكأنها الضحية الأولى للفوضى المكسيكية حتى تتأجج المخاوف المبالغ فيها وتتسبب في ردود أفعال سلبية ضد الأقليات·
وسيكون من السهل ترسيخ هذه المخاوف في أذهان الأميركيين الذين استقر في وعيهم لأجيــال عديـــدة أن كـــل مــن أراد انتهاك القانون، سواء أكان بحاراً أم جندياً أم مجرد مراهق يسعى وراء المغامرة، عليه التوجه جنوباً نحـــو المكسيـــك، لذا ليس مستغرباً أن تتحول الجارة الجنوبية التي يدخرها الأميركيون لعربدتهم غير القانونية إلى مصدر للمشاكل الاجتماعية، بل ولكل أصناف الشرور·
والمؤسف أن التاريخ يعزز هذه المخاوف أيضاً، فقبل قرن من الزمن عندما كانت المكسيك تخوض ثورتها من أجل الاستقلال، قفزت المشاكل الاجتماعية والسياسية إلى الجانب الأميركي من الحدود بالطريقة نفسها التي نشهدها اليوم، كما أنه وفي صورة مشابهة لما يحدث اليوم، تم تضخيم الأحداث لتكتسي أبعاداً غير مسبوقة· ففي تلك الفترة تخوف الأميركيون من تسرب الراديكالية السياسية إلى الولايات المتحدة إلى درجة أن صحيفة ''شيكاغو تريبيون'' اقتربت من التنبؤ في افتتاحيتها لعام 1915 بحرب عرقية في المناطق الجنوبية الغربية للولايات المتحدة، حيث حذرت الصحيفة من ''تدخل أيادٍ إلى جانبنا من الحدود للعبث بكل وقاحة بأمن البلاد وإلحاق نفس الدمار بالأميركيين الذين يعانون منه في المكسيك''·
ولا شك اليوم أن معاناة المكسيك تحت وقع الحرب الشرسة ضد المخدرات وتداعياتها الأمنية على المواطنين، بل واحتمال تسرب بعض مظاهر العنف إلى داخل الحدود الأميركية، ستغذي الخطاب المناوئ للمهاجرين وستبعث الحياة مجدداً في المشاعر المناهضة للمكسيك بصفة عامة، بل وحتى مشروع إصلاح قانون الهجرة الذي توارى إلى الخلف بسبب الأزمة الاقتصادية وصعوبة تمريره سياسياً في ظل المخاوف الأميركية من الفوضى المكسيكية· وسيصبح من السهل في ظل هذا الوضع النظر إلى المهاجرين والتعامل معهم في ضوء المشاكل التي يعرفها بلدهم الأصلي·
لكن المفارقة أن التداعيات السلبية لحرب المخدرات ستزيد من تشبث هؤلاء المهاجرين بوطنهم الجديد بسبب المخاطر الأمنية التي تواجههم في بلادهم وصعوبة الرجوع للاستقرار هناك، فكلما تفشى العنف وعمت الفوضى في المكسيك تمسك المهاجرون أكثر بالولايات المتحدة وفضلوا العيش فيها، على الأقل لما توفره من أمن لهم ولأسرهم· وإذا كان ملايين المكسيكيين أتوا إلى أميركا في السابق لتحسين ظروفهم المادية ثم العودة إلى الوطن، وهو ما حققوه بالفعل، إلا أنه في ظل الوضع الحالي ستقتنع العديد من العائلات المكسيكية بأن مستقبلها إنما يوجد داخل أميركا وليس في مكان آخر·

جريجوري رودريجز
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا