الاتحاد

تقارير

جولة أوباما الخارجية···ثنائية الشراكة والتواضع

جولة أوباما الخارجية···ثنائية الشراكة والتواضع

جولة أوباما الخارجية···ثنائية الشراكة والتواضع

أول من أمس الثلاثاء، اختتم أوباما جولته الخارجية الأولى عقب توليه المنصب الرئاسي، بعد أن رسم صورة مختلفة جداً عن بلاده للعالم الخارجي، قياساً إلى تلك التي رسمها سلفه بوش· وعاد أوباما إلى واشنطن بعد لقاء غامر بالحماس مع الجنود الأميركيين في العراق، ومواكب ترحيب حاشدة في كل من أوروبا وتركيا، وسلسلة من اللقاءات مع القادة الأجانب الذين أبدوا ترحيباً كبيراً بالشراكة الأميركية الجديدة التي عرضها عليهم، ولكن دون أن تبدر منهم مواقف جدية تدعم الأهداف، التي رمى إليها أوباما في جولته الخارجية الأولى·
وكان الرئيس الأميركي قد غادر إسطنبول بعد الثانية ظهراً بقليل حسب التوقيت المحلي، متجهاً إلى بغداد التي توقف فيها وألقى خطاباً لجنوده هناك بينما استمع إلى تنوير موجز من الجنرال ''راي أوديرنو'' القائد العام للقوات الأميركية في العراق· كما التقى بنظيره العراقي جلال طالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي خلال توقفه الذي امتد لبضع ساعات·
وخلال جولته الخارجية الأولى، حرص أوباما على رسم صورة مختلفة لأميركا، باعتبارها دولة لها ما تعتز وتفخر به، غير أنها ليست منزهة عن الخطأ والعيوب· وبذلك أبدى أوباما قدراً كبيراً من التواضع، وعرض على قادة وشعوب الدول التي زارها شراكة أميركية جديدة، في مسعى منه لاستقطاب التأييد الخارجي للقضايا العامة المشتركة التي تهم البشرية جمعاء، مثل الاقتصاد العالمي، التغير المناخي، وخطر الانتشار النووي· وشملت خطاباته التي ألقاها في جولته هذه، حديثه عما وصفه بـ''الفترات المظلمة من التاريخ الأميركي''، التي سادت فيها ممارسات الرق واضطهاد الأميركيين الأصليين، وصولا إلى ممارسات التعذيب التي كان قد سمح بها قادتها في الماضي، إلا إنه وضع حداً لها للتو· ولكنه تحدث في الوقت نفسه بكثير من الاعتزاز عن التنوع الثقافي الاجتماعي العرقي الذي يتســـم به المجتمع الأميركي، وعــن دور بـــلاده في إعـــادة إعمـــار أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية· وشجب أوباما في خطاباته تلـــك مــا أسمــاه بـ''العداء لأميركا'' قائـــلا: إنه ربما كان استثنائياً عارضاً، إلا إنه يظل قابلا للبقاء والاستمرار·
وعلى رغم حفاوة الاستقبال التي لقيها أوباما في الدول الست التي شملتها جولته الخارجية هذه، فإنه لم يفلح في إقناع حلفائه الأوروبيين بزيادة ميزانيات الحفز المالي لاقتصاداتهم الوطنية في مواجهة الأزمة الاقتصادية الراهنة، ولا بإرسال تعزيزات وقوات إضافية إلى أفغانستان لقضاء فترات خدمة عسكرية طويلة هناك· فلماذا لم تشرق الشمس وتنشق المياه، وتذهب كافة علل العالم إثر زيارة أوباما للقارة الأوروبية؟ ذلك هو السؤال الذي أثاره ديفيد أليكسرود، أحد كبار مستشاري أوباما، وتطوع هو نفسه بالإجابة عنه كما يلي: ''ليست تلك هي توقعاتنا· فنحن ندرك أن تحولات كبيرة كهذه في العلاقات الأطلسية، تتطلب حل المشكلات العميقة المستعصية التي يواجهها العالم اليوم''·
وأشار مستشارو أوباما إلى تعهد مجموعة الـ20 بضخ ما يزيد على تريليون دولار في الاقتصاد العالمي عبر آلية صندوق النقد الدولي، إلى جانب تبنيها لعدة برامج أخرى تهدف إلى إنعاش الاقتصاد العالمي وحماية الدول الفقيرة من تأثيرات موجة الانحسار الاقتصادي هذه· وعلى صعيد آخر أعلن الرئيس أوباما عن مفاوضات جديدة مع نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف بهدف خفض ترسانة الأسلحة النووية لدى البلدين· إلى ذلك ذكر مستشارو أوباما، أنه استطاع أن يضع إطاراً عاماً لسياسات خارجية جديدة، من شأنها تحسين علاقات واشنطن ببقية دول العالم· وقالوا إن ذلك الإطار رسمته مجموعة الخطابات التي ألقاها عقب تنصيبه الرئاسي، فضلا عن السياسات التي بدأت تنتهجها إدارته· تعليقاً على ذلك قال ''رام إيمانويل''، رئيس موظفي البيت الأبيض: هناك شعور عام بين الكثير من قادة ورؤساء دول العالم بعودة أميركا· وإنه لأمر جيد أن تستعيد أميركا مكانتها العالمية·
غير إن من رأي منتقدي أوباما من المحافظين الجدد في الداخل، أن الخطابات التي ألقاها الرئيس أثناء جولته الخارجية هذه، اهتمت بالمظهر على حساب الجوهر، بالشكل وليس المضمون· من بين هؤلاء قال ''توماس دونلي'' الزميل المقيم بقسم دراسات السياسات الخارجية والدفاعية بمعهد ''أميركان إنتربرايز'' إن الرئيس تمكن من خلال الخطابات التي ألقاها في جولته الخارجية هذه، من تعزيز صورة الصديق الشريك الذي تسهل إقامة العلاقات معه· هذا على مستوى الشكل· أما من حيث المضمون، فلم تفلح تلك الخطابات ولا الجولة نفسها في إنجاز ما يذكر تقريباً· بل إن في جانب المضمون ما يثير تساؤلات جدية حول عدد من القضايا، منها على سبيل المثال ما عبر عنه من خطوط عامة لسياسات دفاعية جديدة، مثل دعوته في براج إلى نزع السلاح النووي العالمي·
أما فيما يتعلق بتطورات الوضع الأمني العسكري في أفغانستـــان، فقــــد التزم الصمــت تماماً· واستطرد ''دونلي'' إلى القول: لقد أحب الناس أوباما سلفاً· فليس ثمة جديد في هذا· كما حصل أوباما سلفاً على حسن نوايا العالم تجاه بلاده، وثقتهم به· ولكن الذي لا يزال ينتظره هو ترجمة هذه المشاعر إلى فعل إيجابي قادر على خدمـــة الصالـــح العــام، خاصــة فيمــا يتعلـــق منـــه بالجانب الأمني·
أوباما استطاع استثمار زيارته لإسطنبول يوم الثلاثاء الماضي، في تجاوز كافة الحواجز الثقافية الدينية، حيث التقى بالقادة المسلمين والمسيحيين واليهود معاً· ومما أثار الإعجاب به في الزيارة نفسها، خلعه لحذائه والدخول حافياً مثلما يفعل المسلمون، للتجوال في أحد أقدم المساجد العالمية، الذي تم إنشاؤه قبل ·400 كما حث أوباما جمهرة من طلاب الجامعات على بناء المزيد من الجسور وليس الجدران بين شتى ثقافات العالم وأديانه وشعوبه·
ومنذ زيارته للعاصمة البريطانية لندن، حيث أهدى الملكة إليزابيث الثانية جهاز ''آيبود''، مروراً بمناشدته للشباب في ستراسبورج الفرنسية، مروراً ببراج، ثم وصولا إلى إسطنبول يوم الثلاثاء الماضي، استغل أوباما جولته كلها في إحداث تغيير فعلي على صورة البيت الأبيض، بتأكيده على دور الشباب وتأثيرهم على صنع القرارات الدولية· وحث الشباب على حشد طاقتهم الجمعية في مواجهة قضايا بعينها تؤرق البشرية كلها اليوم، مثل التغير المناخي، ومواجهة خطر الانتشار النووي، ومحاربة التطرف الإسلامي· ضمن ذلك قال أمام تجمعات الشباب في مدينة ستراسبورج: ليس في وسع شباب اليوم الوقوف مكتوفي الأيدي إزاء المشكلات التي تواجه عالمهم اليوم·

مايكل دي· شير وكيفن سوليفان - إسطنبول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا