الاتحاد

ثقافة

انتفاضة ثقافية

أنور الخطيب

أنور الخطيب

حين تصبح الثقافة احتفالا يقصد لذاته فإنها تلغي الأسئلة، وإلغاء الأسئلة يقود إلى التشبث بالمسلمات وقتل الاجتهاد، وهذا يفضي بدوره إلى الدوران في دائرة لا تطل على جديد إلا من خلال حلية وزخرفة، الأمر الذي يعني تجهيز جنازة للجوهر في أدق معانيه· حين تتحول الثقافة إلى رقص في الكلمات، فإنها تتحول إلى جسد يرتعش، وتتوقف عن إغواء خالدات المعاني وساميات الأفكار، فتعجز عن استنباط الصور واستدراج الخلود إلى حصن الإبداع· وحين تتحول الثقافة إلى إجراء شوفيني يرتدي قناعاً معولماً يحلق في سماوات دخيلة فإنها تتحول إلى قاذفة مقاتلة أصيبت وبدأت في التخلص من خزانات وقودها وعتادها·
وحين تتحول الثقافة عن مثقفيها الأصيلين فإنها كمن يجبر قارباً للإبحار دون شراع ومجداف، فإذا بقي في مينائه تعفن، وإن انطلق فإنه يبحر بانطلاقة صناعية تبعد عنه النوارس ·
ثقافة بلا إبداع أصيل هي فعل مرحلي، وتحويل الفكر إلى عبد وسلعة وخادم، وتحويل الثقافة إلى استهلاك واجترار، شأنها شأن المواد الغذائية المهجنة المليئة بالمواد المسرطنة·
غياب الإبداع الحر هو اجتثاث للقلب من جسد الثقافة، أي تكبيل الروح في جسد أمة· حين تصل الثقافة إلى هذا الدرك، يصير لزاما عليها أن تندمج باليومي العابر، والسائد المستهلك، والنمطي الفج، وتحمل أي توصيف آخر غير الثقافة، ويصير لزاما على مسيريها التحول إلى مندوبي إعلانات ومنظمي حفلات وقارعي طبول· ثقافة بلا تمحيص وبحث عن النوعية والصدق هي ثقافة تزلف ووصولية ونفاق، هذه الثقافة لا تتوقف عندها كتب التأريخ ولا النقاد الحقيقيون ولا الدارسون الصادقون، هي ثقافة الحياة في الوقت الضائع· التعامل مع الثقافة الآنية بأنانية هو وأد لروح الإنسان وتمييع الإبداع وإسقاط معاني المواجهة والمناقشة وموت الحروب، ثقافة بلا حروب فكرية هي ماء في بركة آسنة·
حين تصبح التغطية الإعلامية لحدث ثقافي ملعبة فحشرها مع أخبار المجتمع أجدى وأنفع، وحين يخلو التحقيق الثقافي من رأي صدامي مواجه، فحشره مع المنوعات والبيانات أجدى· وحين تختلق الصفحات والبرامج الثقافية الأفكار التي لا صلة لها بحشد الوعي وتفجير الأزمات ومقارعة التحديات، فحشرها مع أغاني الفيديو كليب أمتع، وحين يتضمن مقال نقدي لغة تبدو كمن يلعب بالبيضة والحجر، فنشره في باب الكلمات المتقاطعة أنسب·
إن اندماج المؤسسات الثقافية مع المؤسسات الترفيهية في هذه الحالة يعطيها مشروعية، واندماج المادة ( الثقافية) في المواد الأخرى سيجعلها أكثر قراءة ومشاهدة، خاصة أن مساحة الصدق باتت قليلة في العمل الثقافي عربيا، والأعمال الإبداعية تظهر على استحياء أمام الهذر وثرثرة التنظيرات الاستهلاكية، ولا بد من انتفاضة ثقافية يقودها جيل مقتدر مدرب يمتلك وعيا استثنائيا، ينتزع استقلالية وحصانة كبيرتين، جيل يحارب التلفيق والوصولية، ويقرأ المادة قبل نشرها، ويعي ما يدور حوله وعي الحكيم النزيه المنتمي·

اقرأ أيضا

«الخرطوم للشعر العربي» ينطلق الخميس المقبل