الاتحاد

دنيا

تطوير الشكل الجيولوجي بإيقاظ خلايا العقل النائمة


الاتحاد ـ خاص:
كلام مقنع ذاك الذي يقول إن الثقافة الراهنة، بكل صخبها وعبثيتها وجنونها، جعلت العقل البشري حزيناً· الاكتئاب في البلدان المتقدمة أو شبه المتقدمة هو الأمل· قد يكون السبب هو الارتطام العشوائي، أوغير المتكافئ، مع ديناميات العصر· لكن بالتأكيد إن إيقاع الأداء في الدماغ البشري، وفي الذاكرة، يزداد فاعلية، هذا لا يكفي، والعلماء يتحدثون عن تطوير التشكيل 'الجيولوجي' للإنسان ليزداد عدد حواسه، مع ربط الدماغ عبر قنوات الكترونية وإشعاعية، بأجهزة كمبيوتر متخصصة·
الخيال يزداد خيالاً، وعالم أميركي يتوقع انقلاباً أسطوريا في العقل البشري·· كيف؟
'أورينت برس' تابعت آخر النظريات وخرجت بالتحقيق التالي:
هل بتنا بحاجة، فعلاً، إلى انقلاب بيولوجي ليتسنى لنا التفاعل مع مقتضيات العصر؟
بداية، نتوقف مع عالم الأحياء الأميركي 'جوزف رينولدز' الذي يعتبر أن الدماغ البشري الذي نعرفه على سطح الكرة الأرضية هو الأكثر إبداعاً وتعقيداً وسمواً من كل الأجهزة البيولوجية أو غير البيولوجية المتوفرة في عالمنا المرئي· بالطبع، هو لا يتحدث عن الأجهزة التي ما وراء الطبيعة، وهي تدخل في مجال الميتافيزيقا· المقصود تحديداً الكوكب الذي نعيش فيه، فلا شيء يثبت عدم وجود كائنات 'بشرية' أكثر أو أقل تطوراً في الكواكب الأخرى ما دمنا نعيش في كون لا متناه·
لن ندخل في هذه الفانتازيا الفلسفية، لكنا ترعرعنا على أننا مواطنو الدرجة الأولى في هذا الكون الذي يقول 'رينولدز' أننا لا يمكن أن نستوعب سوى أجزاء مجهرية منه، وحتى عندما ينفق الأميركيون وغيرهم مليارات الدولارات من أجل موطئ قدم على سطح القمر أو على سطح المريخ ناهيك بزحل والمشترى، فإن هذا لا يتعدى مسألة التعرف على الضواحي القريبة بل والمتاخمة لنا، كانت 'فيروز' واقعية جداً حين غنت 'نحنا والقمر جيران' عملياً إنه في عقر دارنا·
تكفينا أشياء الأرض وما حول الأرض، أي ما يقع في محيط حواسنا الخمس أو الست، مع أن 'رينولدز' يتوقع أن يتم تطوير التشكيل الجيولوجي للإنسان كي يزداد عدد حواسه، وذلك من خلال إيقاظ خلايا دماغية لا تزال تغط في نوم عميق، ملاحظاً أن ذلك التشكيل يتطور الآن بإيقاع سريع جداً مع التطور المذهل في العلم، ولكن، هل حقاً أننا نبقي بشراً في هذه الحال·· لم لا؟
الغرفة الكونية
هل كان الكائن البشري، لقرون قليلة خلت، يمتطي الطائرة أو حتى الدراجة النارية؟ بالطبع·· لا، صحيح انه اخترع الدولاب 'العجلة' من آلاف السنين لكن العربة لم تكن تسير إلا إذا تم جرّها بواسطة الإنسان أو الحيوان، وإذ كانت الثورة الكبرى قد بدأت بالفحم الحجري الذي بتنا نتعامل معه على أنه مجرد ثروة شائخة، فإننا أمام الطاقة التي تتولد بالنفط والغاز وبالانشطار 'أو بالانصهار' النووي·
لكن المختبرات الفضائية تؤكد لنا أن ثورة في تاريخ الطاقة ستحدث قبل منتصف القرن، هناك السيطرة الكبيرة على الطاقة الاشعاعية التي ستغيّر مجرى حياتنا، قطارات تسير على قضبان (أو خطوط) اشعاعية، وبطاقة اشعاعية، لن يكون باستطاعتنا تحديد السرعة الخرافية التي تمضي فيها تلك القطارات، يقال لنا إن المسافة بين القاهرة ونيويورك لن تستغرق سوى بضع ثوان، هل نحن إذاً أمام القرية الكونية أم أمام الغرفة الكونية؟ يفترض أن نفتش عن حيز مكاني أصغر بكثير من الغرفة·
لن نُتعب رأسنا في هذه المسائل العلمية المعقدة، لكن المؤكد أن أشياء كثيرة دخلت على حياتنا وستدخل أشياء أكثر، ماذا كان حصل لو أن الهاتف الخلوي (الجوال) كان موجوداً في عهد 'قيس بن الملوح' و'ليلى العامرية'؟ ربما لم تكن هناك حاجة لذرف كل تلك الدموع، ولا تمتعنا بصوت 'محمد عبدالوهاب' و'أسمهان' وبالطبع بشعر 'أحمد شوقي' وإن كان الجيل الجديد قد ابتعد كثيراً عن تلك الاوبريت الرائعة (مجنون ليلى) التي تحكي جزءاً من تراثنا المعذّب·
عنترة في زماننا
ولنتصور ما كان حلّ بـ 'عنترة بن شداد' مثلاً لو أنه هبط فجأة في زمننا؟ في إحدى المسرحيات الهزلية يحدث هذا· مشكلة ذلك الفارس الذي مازال يقبع في لا وعينا أنه فقد قدرته كليا بقوته الخارقة وهو يمشي بين التفاصيل، ماذا تستطيع الرماح النواهل أن تفعل أمام قاذفات الصواريخ؟ وبالطبع، فإن 'عبلة' لم تكن تحتاج إلى جراحة تجميل، مع أن الذين كتبوا عن المرأة في تلك الأيام قالوا إنها كانت مكتنزة أكثر من اللزوم· الآن، ومع الثقافة الحديثة يستطيع 'عنترة' أن يرفع مصممة الأزياء الشهيرة 'كلوديا شيفر' بأصبعه بالنظر لوزنها الذي يعادل، نسبياً، وزن الفراشة·
المسرحية تنتهي بـ 'فارس بني عبس' في أحد المصحات العقلية، هذا قبل أن يقرر العودة من حيث أتى لأن شاربيه لا يصلحان البتة لهذا الزمان·
المشكلة ليست عندنا فقط بطبيعة الحال، صحيح أننا ضائعون بين العصر وبين عصور مضت، لكننا مازلنا نحتفظ بشيء من دقات قلوبنا، في الغرب، يكتب الفرنسي 'فيليب سوار' عن 'اللحظة الخشبية التي أضحت·· أحلامنا'، بماذا يحلم الواحد منّا سوى باقتناء سيارة، وربما طائرة خاصة، وبناطحة سحاب، وبنزهة ليلية على ضفاف الكوت دازور، لا، لا، هناك أحلام كثيرة تتجاوز فيها تخيلات 'جول فيرن' الحقيقة أن كل واحد منّا أصبح 'جول فيرن' الذي استبق العصر بتصوره للاختراعات المثيرة التي ستتحقق· المسألة لم تعد تتطلب قروناً، بين يوم وآخر يحدث جديد ما، إننا نعيش بين يدي الحضارة التكنولوجية التي جعلت الكائن البشري في حال انبهار مستمر، والنتيجة هل تحولنا فعلاً، إلى حالات ميكانيكية؟
حمار ابن بطوطة
المدى القديم كان ضيقاً للغاية، لنتصور 'ابن بطوطة' أو 'ابن باجة' هل كان الحمار يسير بسرعة نفاثة في ذلك الزمن؟ الآن على الشاشة تصعد إلى سطح المريخ، تهبط إلى قاع المحيطات، تسافر إلى أي مكان في العالم، ولا ريب أن أدمغتنا لم تخلق من أجل زمن بعيد، بل إنها معقدة وشاسعة إلى الحد الذي تستطيع معه التعاطي مع كل الأزمنة·
ولكن ألا يطرح بعض الباحثين مشكلة الذاكرة البشرية، اتسعت كثيراً، وضاقت كثيراً، الألماني 'هانز ريشتينغ' يلاحظ أن الذاكرة القديمة كانت بطيئة جداً وأقل تعقيداً، التفاصيل فيها محدودة، بشكل عام، إلا بالطبع بالنسبة للرحالة أو التجار أو للجنود الذين كانوا ينتقلون من بلاد إلى بلاد·· الإنسان العادي كانت ذاكرته بسيطة، غير مركبة، الأيام تتكرر، الأمكنة تتكرر، حتى إذا ما اندلعت الثورة الصناعية بدأت الذاكرة تتفاعل مع ديناميات التطور· يقول 'ريشتينغ' ان الدخان بدأ يتصاعد من الذاكرة التي ما لبثت أن أصيبت بالوهن بسبب كثرة التفاصيل، من يستطيع أن يجري مقارنة بين ذاكرته وذاكرة أبيه عندما كان في عمره· حتى ان استعمال الخيال كان محدوداً أو مرضياً، فالخيال لا يمكن أن يكون معزولاً عن الواقع، إذاً، كيف يمكن تثوير الذاكرة·
الباحث الألماني يرد على ذلك بـ 'الذاكرة الانتقائية' لا بد أن تكون هناك خلايا متخصصة في فرز التفاصيل، هناك ما يفترض أن يحتفظ به ويساعد على تكثيف الوعي وعلى تشغيل الماكنة الثقافية أو التحليلية، وهناك ما يفترض أن يلقى جانباً، مستعيناً ببعض ملاحظات 'سيغمند فرويد' في هذا الخصوص، فالأحلام يمكن أن تكون أكثر إيحاء لولا التفاصيل الهامشية التي لا شك انها تعرقل المسار الإبداعي للذاكرة·· لعل هذا هو السبب في الأحلام المفخخة·
العقل البشري الحزين
الأميركي 'روبرت وايتهيد' يفكر بطريقة أخرى، يفترض أن يربط الدماغ البشري عبر قنوات الكترونية واشعاعية بأجهزة كمبيوتر أو بأجهزة أخرى متخصصة لتنمية الأداء الدماغي· صحيح أن الدماغ يملك امكانات هائلة لــ 'التوسع' ما دام هناك ذلك 'الباب' الذي يدعى الخيال، ولكن تقتضي مساعدته على التعاطي مع أولويات محددة بعبارة أخرى، الإنسان التقليدي أوشك على الانتهاء، إننا نقترب من السوبر إنسان، دون أن تتطابق هذه الصفة مع مواصفات 'فريدريك نيتشه' للسوبرمان، المسؤولية تزداد تعقيدا، أشياء الحياة تتكاثر، والمهم هو طريقة التعامل التي تحول دون الكائن البشري والارتداد 'داروينياً' على نفسه، لن يتحول إلى قرد بطبيعة الحال، لكنه سيتجه أكثر فأكثر نحو العزلة والاكتئاب وسط محيط صاخب وضاغط ولا حدود منطقية له·
إن 'وايتهيد' يطرح هذا السؤال المثير: هل أصبح العقل البشري حزيناً؟ إحصاءات منظمة الصحة العالمية تقدم أرقاما كارثية حول استهلاك الأقراص المهدئة، هذا يحدث في البلدان المتقدمة، وأيضا في البلدان أو المجتمعات العالقة بين العالم الثالث وما فوقه، وعلى سبيل المثال، فإن استهلاك اللبنانيين للأقراص المهدئة غير معقول فعلا، النسبة مرتفعة جدا، مع أن اللبناني يُوصف عادة بأنه 'يعرف كيف يعيش' ثم إن التنوع المناخي والطبيعي يمكن أن يلعب دورا في تغيير المزاج·
لا اكتئاب في كلكوتا
احد الباحثين الاجتماعيين لاحظ أن الأجيال الجديدة تبدو اقل استهلاكا للمهدئات، كما أن معدلات تناول المخدرات تراجعت كثيرا، والسبب هو أن الانفتاح الاجتماعي ساعد على بناء ظروف أفضل، والذين يقصدون الداون تاون، أي الوسط التجاري في بيروت، الذي بات يضم عددا لا يحصى من المطاعم والمقاهي، في مناخ معماري آسر بعدما تم ترميم الأبنية القديمة بصورة فنية وإبداعية، ينتمون، في معظمهم، إلى الجيل الجديد الذي لم يعد يحمل على كتفيه أعباء الماضي، صحيح أن هناك شريحة كبيرة مالت إلى التراث الروحي، لكن الأكثرية تحاول التفلت لتزاول حياتها أو على الأقل جزءاً من حياتها بعيدا عن 'الأهوال' التي لابد أن يصادفها مجتمع يحب الحياة بشراهة، لكنه يرتطم بالاحتقان الاقتصادي والمعيشي، انه الهروب لا أكثر ولا أقل·
انه لأمر مثير جدا أن أكثرية مرضى الاكتئاب ينتمون إلى مجتمعات متقدمة أو شبه متقدمة، لقد كتب 'ن·س·نيبول' عن إحدى العائلات في مدينة كلكوتا الهندية المعروفة بأحيائها البائسة، قال إن العائلة تستطيع أن تتمتع بفقرها، لا تفكر كثيرا بالأيام الآتية لأنها لا يمكن أن تكون أسوأ، قابلية التملك تتضاءل، لا يبتهج ابن العائلة بالتفكير باقتناء سيارة، يكفيه أن يشاهد سيارة فارهة، ينبهر ويبتهج ويتحدث عن مزاياها كما لو أنها له·
المال والروح
هذا ليلاحظ أن الثراء لم يكن في يوم من الأيام بهذا 'الهول'، لكن الذي حدث ان الثروة لم تعد تقدم السعادة، مستندا إلى مسح أجرته جامعة هارفارد على مئة شخصية ثرية في العالم ليتبين أن مستوى القلق لدى هؤلاء أعلى بكثير من أي معدل عال، المال يحل مشكلات كثيرة '··· لكنه لا يدخل أبدا إلى الروح'·
الاكتئاب قد لا يعود مشكلة إذا ما تم التحكم الكترونيا أو إشعاعيا بالذاكرة·· بسهولة يمكن تحييد تفاصيل معينة والتركيز على تفاصيل أخرى قد تبعث على الحبور·· هنا نتوقف عند 'باري هيلتون' وريثة سلسلة الفنادق الشهيرة التي تظهر صورها في كل الصحف الفنية والاجتماعية في الغرب، وبكل الأشكال، فهي تعترف بأنها كانت شديدة القلق، كيف توظف ثروتها لتتمتع بالحد الأدنى من السعادة، لتضيف 'ان الأضواء أكلتني، واشعر أحيانا بأنني تحولت إلى جثة'، غريب أن يصدر عنها هذا الكلام وهي المهووسة بالضوء، هذا قبل أن تتمكن بتدريبات سيكولوجية كلفتها نحو 4 ملايين دولار من أن تتحكم إلى حد ما بذاكرتها، ترمي جانبا معظم ما يسيء إلى مزاجها، وبالطبع لا تتأثر أبدا بـ 'آرثر شوبنهاور' الذي اعتبر أن شروق الشمس هو بمثابة ناقوس الخطر: 'هذه خطوة إضافية في اتجاه المقبرة'·
في كل الأحوال، كل العلماء تقريبا يؤكدون أن العقل البشري مقبل على تغييرات مثيرة، بالتأكيد أضحى الخيال أكثر خيالا، هذا لا يكفي للإطاحة بالتطورات المثيرة، وعلى هذا الأساس لابد من الدخول أكثر فأكثر إلى مجاهل الدماغ، العلماء يقولون إن هناك خلايا لم تستعمل بعد، قد تكون خلايا كامنة أو احتياطية للواقع الذي يستجد باعتبار أن الإنسان وُلد لكي لا يبقى مكانه ولكي يكتشف نفسه، والاميركي 'آلان مراش' يقول 'إننا مقبلون على انقلاب أسطوري في العقل البشري'، ثم يدرج حيثياته البيولوجية والثقافية و(الانثروبولوجية) المقنعة فعلا، ليلاحظ 'أن العقل يتأثر بما يفعله'، بعبارة أخرى إن العقل ينتج العقل'·

اقرأ أيضا