الاتحاد

عربي ودولي

استحقاقات تنتظر ما بعد المشهد الانتخابي

لا تتيح القراءات الأولى للمشهد الانتخابي العراقي الذي افتتح اقتراعه الخاص أمس الأول تفاؤلاً بشفافية العملية الانتخابية التي بدأت متعثرة، وأبرزت مؤشرات ألمح إليها جهراً وضمناً كل الفاعلين في الساحة العراقية، بدءاً من المرجع الديني علي السيستاني ومروراً بكل الكتل السياسية المتنافسة.
وفي قتامة هذا المشهد الذي يتوقع أن يحتدم أواره غداً الأحد مع بدء الاقتراع العام داخل العراق، واستمراره لليوم الثاني خارج العراق. تتراكم في المشهد السياسي استحقاقات مؤجلة للمرحلة المقبلة، تفرض على النخبة السياسية وقف استنزاف الطاقات وتعطيلها بالتنافس على المقاعد النيابية أو كراسي الحكومة المقبلة في طريق أبعد ما يكون عن الشفافية.
والملفات التي تتخذ أهميتها الاستراتيجية من تأثيرها على العراق بكل مناحي الحياة، تفترض سرعة تشكيل حكومة وبرلمان. فالعراقيون ما زالوا بجروحهم يضمدونها فتنكأ من جديد، وهم على ذلك يعيشون على أنقاض الحضارة وخرائب الحروب، وتفتقر حياتهم إلى أبسط قواعد العيش الكريم.
وعلى طاولة الحكومة المقبلة والبرلمان الجديد ملفات كبرى هي الأمن، الإعمار والبنية التحتية، المهجرون والمهاجرون، البطالة والفقر، النفط والغاز، المياه، والحدود. ملفات تبدأ من عماد الحياة إلى أعمدة السيادة الوطنية، تحت احتلال يجثم على صدور العراقيين منذ سبعة أعوام، وتدخلات إقليمية تنهك الجسد العراقي قتلاً وذبحاً وتأجيجاً عرقياً وطائفياً.
وقبل الدخول في بعض التفصيلات في استحقاقات المرحلة المقبلة، لابد من قراءة جزئية أولية لما أفصح عنه المشهد الانتخابي في الاقتراع الخاص الذي جرى الخميس. ففي تصور أولي هناك تراجع للأحزاب الدينية رغم وجود تنافس شديد بينها وخصوصاً بين ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، وائتلاف الوطني العراقي الذي يعد التكتل الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم أبرز كياناته. لكن ذلك لا يعني بالضرورة فوزاً أو مواطن قوة لكتل منافسة كالعراقية التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق أياد علاوي، والتوافق والتكتل الذي يقوده وزير الداخلية جواد البولاني. يرسم ذلك التصور الأولي مشهداً يطغى عليه ائتلاف حكومي قد تكون أكبر كتلة فيه العراقية التي ستستفيد من الحرب بين دولة القانون والائتلاف العراقي، ويعني ذلك حكومة معتدلة في أقل الأحوال تمد علاقاتها مع العالم الخارجي وفقاً لتصور قادتها.
وبالطبع فإن تصور شكل الحكومة المقبلة ينعكس سلباً أو إيجاباً على الواقع العراقي وملفاته واستحقاقاته المؤجلة. ففي ملف الأمن يلزم العراق حكومة لا تدين بالولاء إلى إيران أو أي طرف آخر. كما لا تعتزم الانحناء أكثر مما انحنت للاحتلال الأميركي.
والملف الأمني شائك بوجود عناصر كثيرة مؤثرة عليه بينها خلايا “القاعدة” والبعثيين الذي تتهمهم حكومة المالكي بالإيغال في الدم العراقي، والمجاميع المرتبطة بإيران. كما أن بعض قوات الأمن والجيش متهمون بالتورط في التفجيرات أو بالتغطية على متورطين فيها، ناهيك عن عمليات الدهم والاعتقالات العشوائية والقتل على الهوية والإخباريات الكاذبة التي يورطون فيها أحياناً الجيش الأميركي.
وإذا كان الملف الأمني الشائك يضعه العراقيون على رأس أولويات الحكومة العراقية، وربما كان هذا الأساس الذي يدفع العراقيين إلى اختيار نوابهم. فإن من استحقاقات المرحلة المقبلة التي لا تقبل التأجيل أيضاً ملفات البنية التحتية وإعادة الإعمار. فالشعب ضج بكل ما حرم منه وقد كان يعيش حياة كريمة، وبعد سبع سنوات على الاجتياح الأميركي، يجد العراقيون أنفسهم يعيشون في أدنى درجة من درجات الفقر رغم وجود الثروة النفطية.
تؤكد الأرقام نزوح نحو أكثر من مليونين من العراقيين جراء العنف في الداخل والخارج، كما تؤكد وجود أكثر من مليون يتيم ومليوني أرملة وعاطلين عن العمل يشكلون أكثر من نصف السكان. والذين بقوا في العراق يعيشون بلا ماء أو كهرباء أو أبسط متطلبات الحياة الكريمة، ناهيك عن الأمراض التي صارت تنافس الناس في معيشتهم. في وقت يتم التنازع بين الأحزاب والكتل السياسية على كعكة النفط الغالية على حساب الشعب.
الملفات التي تنتظر الحكومة المقبلة ساخنة بامتياز، وكذلك البرلمان الجديد الذي تنتظره أيضا قوانين لم يمررها المشرعون السابقون وأرجأوها.. والمشهد الانتخابي هو الذي سيرسم وجهة هذه الملفات وإمكانات إيجاد حلول ناجعة تعيد للعراقيين لحظة سلام.

اقرأ أيضا

عشرات القتلى وملايين المشردين إثر أمطار في شرق أفريقيا