الاتحاد

دنيا

الأحاسيس المرهفة وآليات اكتشاف الفرائس في أعماق البحار


إعداد - عدنان عضيمة:
في العالم البارد والمظلم لأعماق البحار تعيش مخلوقات وهي في حالة متناقضة بين المجاعة القاتلة والتخمة الزائدة· وفي إطار تشبث هذه الكائنات بمقومات الحياة، أصبحت حدة الإبصار تعني بالنسبة لها الوسيلة الأساسية للعثور على ما يقيم الأود ويشبع البطون· ولهذا السبب، طوّرت سمكة 'أبو سيف'وبعض المخلوقات البحرية الأخرى جهاز الرؤية حتى أصبحت كل واحدة من عينيها بحجم كرة المضرب 'التنس' أو حتى ثمرة 'الجريب فروت'· وحالما ترى فريستها فإنها لا تتردد أبداً عن الشروع بهجوم ضارٍ عليها يخلو من الرحمة، فتقطعها نتفاً نتفاً بعد أن تكون قد فلقت رأسها إلى شظايا وأشلاء ثم تقوم بالتهامها بحماسة بالغة·
ولولا حدة الإبصار الخارقة التي تتمتع بها لما قدر لسمكة أبي سيف أن تعيش ليوم واحد· ومن علائم وإمارات التطور المذهل للجهاز البصري عند هذه السمكة الضخمة التي أثارت اهتمام الروائي الأميركي أرنست همنجواي فجعلها بطلة قصته الشهيرة (العجوز والبحر)، أنها قادرة على تحسس أي تغير في شدة الضوء الخافت المنعكس عن فريستها والناتج عن أية حركة تبديها الفريسة في الماء· ومن أشهر فرائسها الأسماك، والقشريات كالقريدس والسرطعونات، والحبار، التي تكثر من الاختباء في عالم أعماق البحار المظلمة التي لا يزيد سطوع الأشياء فيها عن سطوع نجم يبعد عن الأرض بضعة ملايين السنين الضوئية، ولكن سمكة أبي سيف قادرة على اكتشافها من مجرد قيامها بحركة تافهة تغير شدة الضوء المنعكس عنها· وهذا يعد مثالاً واضحاً عن أهمية الحواس المرهفة والدقيقة كوسائل للحصول على الرزق والقوت·
وتقول كيرستاين فريتشيز الباحثة في جامعة كوينزلاند الأسترالية: (توصف البحار المفتوحة بأنها كبيرة الشبه بالصحارى، وحتى تتمكن بعض المخلوقات من الحصول على الغذاء، يتوجب عليها أن تغوص في بعض الأحيان إلى أعماق تصل إلى 800 متر وحيث لا تزيد درجة حرارة المياه عن درجة التجمد)· ومعظم أنواع الأسماك ذات الهياكل العظمية التي يبلغ عددها 25 ألف نوع ذات دم بارد إلا أن سمكة أبي سيف و21 نوعاً آخر من الأسماك العظمية، طوّرت العديد من الأساليب التي تبقي جسمها دافئاً· فالتونا ذات العيون الواسعة والتونا ذات الزعانف الصفراء تقوم بتدفئة جسمها كله باستخدام نظام معقد للتبادل الحراري حيث يندفع الدم إلى الغلاصم لامتصاص الأوكسيجين بعد أن يكون قد تبرد إلى درجة حرارة المياه الخارجية ليمتص بعد ذلك الحرارة من الأوعية الدموية المجاورة والتي تكون قد تسخنت بواسطة العضلات التي تستخدمها السمكة للسباحة· وتقول فريتشيز: ' ولعل من الواضح أن أبا سيف وأنواع التونا والقروش لا تبدو وكأنها تحتاج أصلاً إلى نظام لتدفئة أجسامها'· وتقوم سمكة أبي سيف مثلاً بتدفئة عينيها بواسطة عضلات تقع خلفهما، ولهذا فإن هذه العضلات فقدت وظيفتها الأساسية المتمثلة بتحريك العينين· وتلعب الطبقة الدهنية التي تغطي كلاً من العين والدماغ دور الطبقة العازلة التي تحفظ الحرارة وتبقي عليها أكثر دفئاً من حرارة المياه المجاورة بنحو 10 أو 15 درجة مئوية· وتم التأكد من أن درجة حرارة عين التونا تكون أعلى من درجة حرارة المياه بما بين 3 و7 درجات مئوية·· ومنذ أكثر من 20 عاماً، اكتشف العلماء هذا النظام الحراري في سمكة أبي سيف إلا أنهم كانوا يجهلون آلياتها وطرق حدوثها· والآن تعتقد فريتشيز وفريق العلماء الذي تقوده أن الأعين الدافئة هي التي تسمح لسمكة أبي سيف التي تغوص أحياناً إلى عمق 300 متر، بأن تكتشف أي حركة تقوم بها فرائسها من أجل اكتشافها والتهامها·
والخلاصة أن هناك الكثير من الأسرار التي لا يزال العلم عاجزاً عن تفسيرها بالرغم مما يبدو عليها من بساطة، ويؤكد العلماء بأن البحث في هذه الأسرار من شأنه أن يفضي إلى تفهم الكثير من التقنيات المعقدة التي يمكن محاكاتها والاستفادة منها في التكنولوجيا الحديثة· وهناك من قال بأن الطبيعة سوف تبقى إلى الأبد المصدر الأساسي لاستثارة إبداعات البشر وحثّهم على الاكتشاف والاختراع·

اقرأ أيضا