صحيفة الاتحاد

رأي الناس

الشعر الشعبي في الشارقة

يمثل الشعر النبطي في المخيال الخليجي صورة الحياة النابضة، ويؤرخ ببساطة وعفوية للثقافة الإنسانية في هذه المنطقة، حيث قدم منظومة كبرى من الأعمال الخالدة لكبار المبدعين، وفي الإمارات ازدهر الشعر الشعبي الذي ارتبط بالبيئة المحيطة، فعاش شعراء مطبوعون في متاهات الصحراء، وتغنوا بالإبل وغزلوا مواجدهم من معين الطبيعة، فجاءت أشعارهم متوائمة مع قضاياهم الإنسانية والوجدانية، وكذلك التغني بالوطن، وإبراز الولاء والانتماء للأرض والجذور، حتى أن قادة دولة الإمارات تركوا دواوين مطبوعة تمثل الرحيق العذب للشعر النبطي بروحه الإبداعية التي تتجاوز الإبداع العادي، وقد أعاد مهرجان الشارقة الرابع عشر للشعر الشعبي وجه الشعر الناضر باستضافته العديد من الشعراء الخليجيين والعرب الذين حركوا ماء الشعر الراكد، وتغنوا بالجمال وعبر عن منجزاتهم الإبداعية على بساط الشارقة التي تتألق في مواسمها الثقافية وتجلياتها الإبداعية، فالمهرجان ينبض بالإحساس المتدفق مع اختلاف اللهجات الشعبية التي جعلت الأمسيات تضج بتفاعل الجمهور، وتلتصق بالمعاني، فما يميز هذا اللون العامي من الشعر هو قدرته على تجسيد الخيال، واختيار قوافي رنانة، وموضوعات إنسانية وعاطفية ووطنية واجتماعية وذاتية، وعندما نقارن بين أنواع القصائد التي حفلت بها الأمسيات نلمس هذا التجانس بين الثقافات العربية وبعضها بعضا ومدى رصدها بدقة للواقع المعيش، وتغلغلها في الوطني الذائب في عشق المكان وحدوده الجغرافية المتسعة، فالوطن هو الجسر الذي يربط بين الشاعر ولغته التي تترجم الأحاسيس وتبلور هذا الشعور القوي بالتراب وعشقه حتى الجنون، وفي الكثير من المشاهد الشعرية للمهرجان كانت الطبيعة الفلسفية تغلب على بعض النصوص، لكنها في النهاية عانقت مشاعر الحضور وأطربت بالنغم والإلقاء المتنوع، إذ تميز معظم الشعراء بالقدرة على جذب الجمهور من خلال الأداء الصوتي الرصين، وتنغيم الكلمات، وكأن الأشعار تأتي ملحنة من حنجرة الشاعر، فضلاً عن الأصوات النسائية التي حلقت في أجواء المهرجان، وعبرت عن مواجد الأنثى وتجاربها الخصبة في الحياة والشعر، حيث كانت الأنثى في منطقة الخليج تخجل من الإفصاح عن نفسها وموهبتها في الشعر، فانتشرت في السنوات الماضية الكثير من الإصدارات الشعرية الأنثوية التي تحمل أسماء مستعارة، لكن اليوم وفي مهرجان الشارقة الرابع عشر للشعر العربي تصدح المرأة بالشعر وتقف بكل مهابة جنباً إلى جنب مع الرجال الشعراء لتعلن عن نفسها ودورها في الحياة الثقافية، وأكثر ما يبهج النفس هو الحضور النخبوي لجمهور المثقفين الذين تابعوا الأمسيات الشعرية بشغف، وكانوا أفضل ناقد لهذا المهرجان الذي يحمل فوق جناحية أحلام وطموحات الشعراء الكبار والشباب، وهو ما يبرهن على أن الشعر بحضوره الإنساني ووهجه الذي يلمع من بين ثنايا اللغة الشفافة المتداولة بين الناس قادر على أن يعبر عن الذائقة الشعبية ويتواصل جمالياً مع الكبار والصغار، فهو المحرك للعاطفة والمثير في تنوعه وممارسة حقه في البقاء ليثري تجربة الحياة، ويحقق القيمة الإبداعية منطلقاً من ربوع الشارقة إلى سماء الشعر التي تظلل منطقتنا بالحب والتفاؤل والخيال المتألق الذي يملأ فراغ الحياة، ويجمع الناس على الشعر الصافي المشرق الذي لا يخلو في هذا المهرجان من بواعث التجديد، حيث إن اللغة الشعبية خضعت أيضاً في هذه المرحلة للتطور في الشكل والمضمون، ولم تعد لهجة معينة صعبة على التداول بفضل وسائل الإعلام بأنواعها كافة، كما أن كل شاعر مشارك في المهرجان عبر عن ذاته من خلال لوحاته الإبداعية الخاصة فحلقت المفردات الشعبية في المهرجان، وعانقت الجمهور بصفاء وحب.
محمد عمر