صحيفة الاتحاد

ثقافة

فلسطينيتان وعُماني يتأهلون للمرحلة الثانية من أمير الشعراء

أبوظبي (الاتحاد)

يوم أمس الأول (الثلاثاء) كانت ليلة «أمير الشعراء» الثانية، فبعد أسبوع من الانتظار والترقب، انضم للشاعر المصري حسن عامر الذي أهّلته لجنة التحكيم في الحلقة الأولى، كل من ناصر الغساني من سلطنة عُمان، حيث منحه الجمهور واللجنة معاً ما نسبته 73%، وكذلك آلاء القطراوي من فلسطين التي حصلت على 49%، في حين غادرت لطيفة الحساني من الجزائر أجواء المنافسات بـ47%.
صحيح أن كل واحد من الشعراء الثلاثة تمنّى أن يصبح فارس شعرٍ، لكن التمنّي وحده لم يكن كافياً، فكل صوت من أصوات الجمهور شكّل فرصة لنجاةِ وانتقال شاعرين فقط إلى المرحلة التالية من المسابقة التي انتظرها شعراء الموسم السابع، مثلما انتظر كل محب للشعر «الأمير» عبر قناتي الإمارات وبينونة.
استمر التنافس ليلة أمس بين أربعة شعراء آخرين، أفضى انتظارهم بعد منافسة رائعة إلى تأهّل عبلة جابر من فلسطين، إذ حصلت على أعلى درجات اللجنة التي منحتها 47.5 من أصل 50، منتقلةً بذلك إلى المرحلة الثانية، ثم حلت بعدها هاجر عمر من مصر بحصولها على 44.5، تلاها علي العبدان من الإمارات بحصوله على 43.5، ثم قيس قوقزة من الأردن بدرجات وصلت إلى 43. وبتأهل جابر، ما على بقية المتنافسين إلا انتظار أسبوعٍ من ترقب الأصوات التي ستحسم النتيجة لصالح شاعرين فقط.
مُقدّما البرنامج د. نادين الأسعد ومحمد الجنيبي رحبا بأعضاء لجنة التحكيم، ممثلة بكل من د. علي بن تميم، ود.عبدالملك مرتاض، ود. صلاح فضل، وبنجوم سهرة الشعر أيضاً، فشاعران وشاعرتان صعدوا إلى خشبة مسرح «شاطئ الراحة»، ليضيفوا ألقاً جديداً إلى المكان، ومتعة لمتذوقي الشعر. أما الأبيات التي كان على فرسان الحلقة مجاراتها وزناً ومعنى، فهي للشاعرين الأمويين جميل بثينة وجرير.

مقتطفات من الأمسية
الليل بدأ بتقرير مصور عن آثار هيلي العريقة في دولة الإمارات، وانتصف بموسيقا فرقة «بيت العود العربي» بأبوظبي التي أمتعت الحضور في مسرح شاطئ الراحة والمشاهدين في كل مكان، وانتهت الأمسية بمجاراة جميلة بين جميل الشعر النبطي والشعر الفصيح، أي بين الشاعر السعودي خزام السهلي أحد نجوم «شاعر المليون» في موسمه الأخير السابع، والشاعر الأردني عبدالله أبوبكر أحد نجوم برنامج أمير الشعراء في موسمه السادس. وانتهت الأمسية كذلك بأسماء الشعراء الأربعة الذين سيلقون في الحلقة الثالثة على أسماع محبي الشعر أجمل اختياراتهم، وهم: آمنة حزمون من الجزائر، وردة سعيد من الأردن، وليد نسيم من مصر، وشيخنا حيدرا من موريتانيا.

موسيقا وكلمات
كان أول الشعراء الذين افتتحوا بوابة الشعر ليلة أمس علي العبدان من الإمارات، مُقدّماً أبيات المجاراة،
ومن قصيدة المسابقة (نغمةٌ في الشرقِ حَيْرى? ) التي ألقاها لاحقاً قال العبدان:
أَيا نغمةً حَيْرى? بذا العَصْرِ أَقبلَتْ تَلومينَ موسيقا العُروبةِ أنْ جَفَتْ
تَقاصَرَ عنها حُسْنُها وبَديعُها مَقاماتُها مِن بَعْدِ شأنٍ تَغَرَّبَتْ
ول?كِنّها يا نَغْمَ أجدَرُ أنْ تُرى? حقيقتُها في غَوْرِها يومَ أُنجِبَتْ
أعضاء لجنة التحكيم قالوا الكثير فيما قدم العبدان. فوصفه د. فضل بأنه فنان يرتكز في قصيدته على مخاطبة النغمة. يبدأ بإفهام شعري جميل إن كان يقصد النغمة من مقامات الموسيقا، أو الثقافة، أو المحبوبة. ومن ذاك الرمز الشفيف كشف الشاعر عنها غلالتها برفق، لكن ما لبث أن لام موسيقا العروبة إن تغرّبت. وحول الشفافية رأى د. فضل أنها بدأت تتوارى قليلاً قليلاً في النص، رغم توقعه أن العبدان سيمزج الفنون، ويكتب قصيدة ذات طابع تشكيلي، لكن الشاعر لم يطور المشهد، ما حوّل شعره إلى نظم قوي ورصين يفتقر الوحدة العميقة الجمالية.
د. ابن تميم قال: إن النص يقارن بين الموسيقى القديمة والحديثة، ويدافع عن القديم دفاعاً مستقتلاً، ومثلما يرصد التراجع في النغمة المعاصرة، يرصد لحظات تألق الموسيقى القديمة. ومن الدفاع ينتقل الشاعر إلى الهجوم، غير أن المقارنة لم تأتِ موسيقية، إنما بين عصرين مختلفين، وعلّق على حكم العبدان المطلق بأن الموسيقى المعاصرة جافة وغريبة، مشيراً إلى قسوة الحكم. وما سبق جعل النص خالياً من الموسيقى رغم موهبة الشاعر الموسيقية.
من جهته أشار د. مرتاض إلى القافية التي بدت وكأنها سرقَت الشعر من العبدان، محبذاً لو كان هناك إيقاع يرتكز ويطول حتى يعطي نغمة ثانية. أما الميزان العروضي فقد أساء قليلاً إلى المطلع الذي هو ميزان القصيدة أصلاً. وأبدى الناقد إعجابه بالصور الشعرية الفاخرة والراقية التي وردت في النص، وبمعجم الشاعر النقي والسليم. ومع أن العبدان حاول تقديم نص عروضي جميل وموضوعي، فإنه لم يوفق، إذ نقص الجمال الشعري، وبدت المباشرة فيما قدم.

إلى ريم بنّا
عبلة جابر ألقت أبيات المجاراة، ثم عكفت على إلقاء نص المسابقة،
حيث أيقونة الصبر والجمال، المغنية الفلسطينية ريم بنّا في نضالها الممتد من البلد حتى الجسد كانت «مرايا الفراغ»:
ما زلتُ أحْتضنُ الفراغَ... جناحُ أحلامي مَطَرْ.
وألمُّ أشلاءَ النهارِ غيومَ عشقٍ منتظرْ
حبلى أنا، حبلى بآهاتِ البلادِ بزعترِ الأشواقِ ينبتُ في ضلوع الخائفاتِ خرائطاً/‏‏‏ مدناً لأحلام الصغارِ لرعشةِ الناي الأخيرةِ وانكسارات الوترْ.
وبوجهِ مريمَ صوتِها: هل كان ذنباً أن تغشّاني القدرْ..؟!
د. ابن تميم أبدى إعجابه بتماهي الشاعرة مع الذات العليا والنزعة الصوفية، مشيراً إلى أن نص عبلة ضم عتبة، ثم مقدمة، ثم إهداءً، وأخيراً جاء الهامش. لكن ذلك أربك القارئ والمشاهد كما قال، وقادهما إلى نوع من الخلط، فمن الذي يتحدث؟ الشاعرة، أم ريم بنا، أم أنا الشاعرة التي تسكنها ريم، أم توحدهما في البلد والجسد. ورغم ذلك أكد أن النص يدخل فضاءات معرفية وأسطورية، ويتناصّ مع التناصات الدينية، ويلبسها لبوساً رمزياً جديداً يزيد التوتر. وختم د. ابن تميم بأن النص الذي انتهى مأساوياً، رسم شخصية ناجحة، وحمل عنواناً جميلاً.
ومن حيث انتهى د. ابن تميم بدأ د. مرتاض، فالعنوان أعجبه ورآه شعرياً بامتياز، في حين أن القصيدة تنبض بالأنوثة. مؤكداً على أنها حديثة جداً، وأهلٌ لأن تتخذ لها مكانة في المسابقة، خاصة أنها ليس تمجيداً لريم بنا، بقدر ما هي تمجيد لفلسطين، مضيفاً أن عبلة فلتة شعرية رمزية.
د. فضل وجد عبلة تقبض على جمرة الشعر بعنف وقوة، إذ قدّمت قصيدة تفعيلة مكثفة ومتطورة شكلاً عن العمودية، لتتقدم بذلك خطوة جمالية في إبداعها. أما التكثيف الذي استخدمت فيه الشاعرة عدة أطراف ميثولوجية أسطورية، وطرف حي يتمثل في ريم بنا الأيقونة في إشارة إلى البلد والجسد، جاء بالغ الجمال. مشيراً إلى تمايز عبلة بشاعرية فائقة لا تخشى من حساسية الصوت الأنثوي، وبشجاعة فائقة باستحضار مريم العذراء، وبالشعر الكثيف النادر، ودراما فلسطين المحتدمة.

رثاءٌ ووفاء
قدم قيس قوقزة أبيات المجاراة،
ثم أتبعها بنص أهداه إلى روح محمد خلف المزروعي الذي رحل تاركاً خلفه إرثاً لا ينسى:
سابق الضوء والظبا مبتغاه رحله الشعر والسماء مداه
قادم من بعيد كل بعيد صوته الناي لا يُرى ما يراه
لم يزل واقفاً هناك وقلبي يلثم الشك حين مرّ هواه
إنه أنت، بل أنا، بل كلانا إنه الضد وحّدته يداه
عالياً كالنجوم يمشى الهوينى عاليات كما النخيل خطاه
والنص الذي جاء على نقيض عنوانه كما قال د. مرتاض، يفيض إنسانية، متسائلاً مَن مِن أصدقاء محمد خلف المزروعي لا يتذكره إلا ويذرف الدموع، وعليه فالنص ثؤثر في النفس كون الفقيد قيمة إنسانية كبيرة، صاغ فيها الشاعر قصيدة طافحة بجمال الشعرية والوفاء، وهي قصيدة جميلة لغة وتصويراً وفخامة وإبداعاً.
ما قاله د. مرتاض أكده د. فضل، حيث أثار قيس أعمق الشجون، وضرب على أعذب الأوتار. لكنه وجد أن الشاعر لم يضبط تجسيد مسعاه، فالراحل حاديه الشعر ولم ينشده. كما أشار الناقد إلى أن قيس عمد إلى الجدلية في نصه، وهي لعبة عقلية لا تتواءم واللحظة الشعرية.
د. ابن تميم أعجب بالقصيدة التي رسمت الشخصية بشكل جميل، ونجحت بالتقاط إضاءات مهمة، ومنحت من قصيدة الرثاء العربية القديمة، فجاءت لغتها أخاذة، استمدت بهاءها من بهاء محمد خلف المزروعي.

معارَضةٌ ورِقّة
قدمت هاجر عمر في البداية أبيات المجاراة،
ثم نص المسابقة «إلى رجلٍ لا يقرأُ جيداً» الذي اقتطفنا منه:
- إِقرأْ كِتابَكَ !
كيف لي بِكِتابهِ؟!
رجُلٌ يضيءُ الطائفينَ ببابهِ
يختَصُّني بالروح، يعلمُ أنَّني
ظمأى? لآخر نقطةٍ مما بهِ
ويقولُ ليْ - وأنا أفكُّ ضفائري -
إِني رفيقتُهُ ليومِ حسابهِ
أَلقى? ببردَتِهُ عليَّ.. وضمَّني
فنشرتُ «أمشيري» بشرفةِ «آبهِ»
د. فضل أكد أن حروف الجر المتتالية التي وردت في النص أوجدت شعراً جيداً، أما الختام فكان جميلاً، فيه مزج عذب بين الذكورة والأنوثة، والإثارة والمتعة.
والنص الذي يذوب وجْداً في الرجل كما قال د. ابن تميم، يقود إلى حالة من الوجد الصوفي، فالحديث يحمل طابعاً شخصياً، بالإضافة إلى التماهي مع هاجر أم النبي. لكن – وحسبما قال – فإن ما يبعث الأسى هو التناقض بين العنوان والنص.
وكما رأى د. مرتاض، فإن الرجل من حيث هويته المجهولة أضفى شعريةً على عنوان النص الذي يفيض بالرّقة في الإحساس، وبالتالي ليس من العسير انحياز المتلقي إلى المعنى في النص الدّال على تعلق الشاعرة بأذيال الشعرية بإصرار، وهي التي أبدعت في التصوير والتأنيق والتأليق.